Top
Image Alt

الحرص على تحمل السنة وجمعها، والرد على من أنكرها

  /  الحرص على تحمل السنة وجمعها، والرد على من أنكرها

الحرص على تحمل السنة وجمعها، والرد على من أنكرها

لقد تحمل الصحابة -رضي الله عنهم- عبء الحديث رواية ودراية بعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم-, وضبط الخلفاء الراشدون في عهدهم ذلك بضوابط دقيقة؛ فلما استُشهد علي -رضي الله عنه- تحمل الصحابة عبء المحافظة على الحديث، وتابعوا تكوين مدرسة الحديث من التابعين.

قال ابن المديني: انتهى علم أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى ثلاثة ممن أُخذ عنهم، وروي عنهم العلم: عبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، وشاركهم كثيرون من الصحابة في ذلك، وتمثلت جهود هذا الجيل من الصحابة في الأمور التالية:

أولًا: الرد على من أنكر السنة, وادعى الاكتفاء بالقرآن وحده كمصدر للأحكام الشرعية:

وذلك في رأيهم لما فيه من محاولة إدخال ما ليس من الدين فيه، وترويج كل صاحب بدعة لبدعته، قال حبيب بن أبي فضالة المكي: لما بني هذا المسجد -مسجد الجامع أي بالبصرة- وعمران بن حصين جالس، فذكروا عنده الشفاعة، فقال رجل من القوم: يا أبا نجيد، إنكم تحدثون بأحاديث لا نجد لها أصلًا في القرآن! فغضب عمران بن حصين وقال للرجل: قرأت القرآن؟ قال: نعم، قال: وجدتَ فيه صلاة المغرب ثلاثًا وصلاة العشاء أربعًا وصلاة الغداة -أي: الصبح- ركعتين، والأولى -أي: الظهر- أربعًا, والعصر أربعًا؟ قال: لا، قال: فعمن أخذتم هذا الشأن؟ ألستم أخذتموه عنا, وأخذناه عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ وجدتم: في كل أربعين درهمًا درهم، وفي كل كذا وكذا شاة وفي كل كذا وكذا بعيرًا كذا”؟ أوجدتم في القرآن؟ قال: لا، قال: فعمن أخذتم هذا؟ أخذناه عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأخذتموه عنا، قال: فهل وجدتم في القرآن: {ﮱ ﯓ ﯔ-رضي الله عنهم- [الحج: 29] وجدتم: طوفوا سبعًا واركعوا ركعتين خلف المقام؟ أوجدتم هذا في القرآن؟ عمن أخذتموه؟ ألستم أخذتموه عنا وأخذناه عن نبي الله -صلى الله عليه وسلم-؟ أوجدتم في القرآن: لا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام؟ قال: لا، قال: إني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((لا جَلَبَ ولا جَنَبَ ولا شِغَارَ في الإسلام))، أسمعتم الله يقول لأقوام في كتابه: {ﰖ ﰗ ﰘ ﰙ ﰚﰛ ﰜ ﰝ ﰞ ﰟ ﰠﰡ ﰢ ﰣ ﰤ-رضي الله عنهم- [المدثر: 48]، حتى بلغ: {ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ-رضي الله عنهم- [المدثر: 42- 44]؟ أنا سمعته -أي: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم–يقول.

وفي رواية الحسن البصري: “بينما عمران بن حصين يحدث عن سنة نبينا -صلى الله عليه وسلم- إذ قال له رجل: يا أبا نجيد، حدثنا بالقرآن. فقال له عمران: أنت وأصحابك يقرءون القرآن -وهم الخوارج- أكنت محدثي عن الصلاة وما فيها وحدودها؟ أكنت محدثي عن الزكاة في الذهب والإبل والبقر وأصناف المال؟ ولكن قد شهدتُ وغبتَ أنت، ثم قال: فرض علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الزكاة كذا وكذا، فقال الرجل: أحييتني أحياك الله، قال الحسن: فما مات ذلك الرجل حتى صار من فقهاء المسلمين”.

فلم يكابر الرجل ولم يحرّض على قبيلة المحدثين أو قبيلة حدثنا، ولم يدعُ الناس إلى ترك الحديث والقضاء على المحدثين، بل وعى وأدرك ووفّقه الله إلى اعتبار السنة وفهم القرآن على أساس ما فيها من تفصيل، وصار قدوة للمنصفين وليس من المغرورين المعاندين.

ثانيًا: محاربة تقييد السنة الصحيحة بأقوال أهل الحكمة:

وقد غضب عمران -رضي الله عنه- من محاولة تقييد السنة الصحيحة بأقوال أهل الحكمة تخصيصًا للعموم، أو تقييدًا للمطلق؛ لما في ذلك من تقييد الشرع بأقوال الخلق، فعن أبي قتادة العدوي أنه قال: “دخلنا على عمران بن حصين في رهط من بني عدي, فينا بُشير بن كعب وقد وثقوه، فحدثنا عمران بن حصين قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((الحياء خير كله))، أو ((إن الحياء خير كله)) فقال بشير بن كعب: إنا لنجد في بعض الكتب أو في الحكمة أن منه سكينة ووقارًا لله U ومنه ضعفًا، فأعاد عمران الحديث وأعاد بشير مقالته، حتى ذكر ذاك مرتين أو ثلاثًا، فغضب عمران حتى احمرّت عيناه وقال: أحدثك عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتعرض فيه لحديث الكتب؟! قال: فقلنا: يا أبا نجيد، إنه لا بأس به وإنه منا، فما زلنا حتى سكن”.

ولم يكن ذلك منعًا لفهم الحديث أو لذكر هذا الفهم، وإنما كان ذلك منعًا لتفسير الحكم الشرعي بما يفسر به المعنى اللغوي، أو ما يقوم على أساس الجهد البشري، فالحديث أساسه الوحي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو معصوم ويقصد به المعنى الشرعي، وكلام أهل الحكمة مبني على أساس التجارب أو الخبرة العقلية، ولا يُعترض على الشرع بمثله تخصيصًا أو تقييدًا أو نحو ذلك.

ثالثًا: إنكارهم على من أهمل السنة:

رأى عبد الله بن مغفل رجلًا يخذف فقال له: “لا تخذف؛ فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الخذف أو كان يكره الخذف وقال: ((إنه لا يصاد به صيدٌ ولا ينكأ به عدوٌّ، ولكنها قد تكسر السن وتفقأ العين)) ثم رآه بعد ذلك يخذف، فقال له: أحدثك عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه نهى عن الخذف أو كره الخذف وأنت تخذف! لا أكلمك كذا وكذا!” فهنا لا يوجد إنكار للسنة، لكن يوجد إهمال في متابعة السنة، وقد أبى ذلك الصحابة -رضي الله عنهم-.

وعن محمد بن إسحاق أنه قال: وحدثني عبد الرحمن الأعرج أن العباس بن عبد الله بن العباس أنكح عبد الرحمن بن الحكم ابنته وأنكحه عبد الرحمن ابنته، وقد كانا جعلاه صداقًا، فكتب معاوية بن أبي سفيان وهو خليفة إلى مروان فأمره بالتفريق بينهما، وقال في كتابه: هذا الشغار، وقد نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عنه.

رابعًا: محاولتهم التمييز بين اجتهادات المجتهدين وبين السنة:

وكانوا يسألون الراوي أيًّا كان وضعه أو كانت مكانته، طالبين التمييز بين اجتهاده وبين حكايته عن سنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- حتى فيما لا يُقال بالرأي؛ لئلا يكون قياسًا أو استنادًا إلى ما يقال عن غيره -صلى الله عليه وسلم- مما سوّغه الراوي، ورأى عدم الحرج في روايته.

فقد جلس عمر -رضي الله عنه- مجلسًا كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يجلسه تمرُّ عليه الجنائز، فأثنى على جنازة خيرًا وعلى غيرها وغيرها، ثم أثنوا شرًّا على جنازة، فقال عمر في كلٍّ: وجبت، فسألوا: إذا شهد أربعة؟ قال: وجبت, وثلاثة واثنان وواحد. فقيل له: رأيًا تقوله أو شيئًا سمعته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ قال: بل سمعته. وعمر خليفة راشد وأمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- باتباع سنته، لكن إذا لم تُوجد سنة عن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-, فإذا وجدت سنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وخالفت سنة خليفة من الخلفاء الراشدين سنته، فسنته هي المقدمة.

وعن عمران بن حصين الضبي: “أنه أتى البصرة وبها عبد الله بن عباس أميرًا، فإذا هو برجل قائم في ظل القصر يقول: صدق الله ورسوله، لا يزيد على ذلك، قال: فدنوتُ منه شيئًا فقلتُ له: لقد أكثرتَ من قولك: صدق الله ورسوله! فقال: أما والله لئن شئت لأخبرتك؟ فقلتُ: أجل، فقال: أجلس إذن؛ إني أتيت رسول الله-صلى الله عليه وسلم- وهو بالمدينة في زمان كذا وكذا، وقد كان شيخان للحي قد انطلق ابنٌ لهما فلحق به، فقالا: إنك قادم بالمدينة، وإن ابنًا لنا قد لحق بهذا الرجل فاطلبه منه، فإن أبى إلا الافتداء فافتده، قال: فأتيت المدينة، فدخلتُ على نبي الله -صلى الله عليه وسلم- فقلت: يا نبي الله، إن شيخين للحي أمراني أن أطلب ابنًا لهما عندك، فقال: ((تعرفه؟)) فقلت: أعرف نسبه، فدعا الغلام فجاء، فقال: ((هو ذا، فأتِ به أبويه)) فقلت: الفداء يا نبي الله، قال: ((إنه لا يصلح لنا آل محمد أن نأكل ثمن أحدٍ من ولد إسماعيل))، ثم ضرب على كتفي، ثم قال: ((لا أخشى على قريش إلا أنفسها))، قلت: وما لهم يا نبي الله؟ قال: ((إن طال بك العمر رأيتهم ههنا حتى ترى الناس بينهما كالغنم بين حوضين, مرة إلى هذا ومرة إلى هذا))، قال: فأنا أرى ناسًا يستأذنون على ابن عباس وكان أميرًا للبصرة, رأيتهم العام يستأذنون على معاوية -أي: في الشام- فذكرت ما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-” فظهر بذلك حرصهم على سماع السنة وقبول ما لا شك فيه، كما تبين حرصهم على تبليغ السنة، وعلى تأكيد صدق ما أخبر به الرسول -صلى الله عليه وسلم- من أمور الغيب إذا ظهرت على وفق ما أخبر به.

error: النص محمي !!