Top
Image Alt

الحسن عند الترمذي

  /  الحسن عند الترمذي

الحسن عند الترمذي

قال ابن رجب: بين الترمذي مراده بالحسن، وهو ما كان حسن الإسناد، وفسّر حسن الإسناد بأنه لا يكون في إسناده متهم بالكذب ولا يكون شاذًّا، ويروى من غير وجه نحوه، فكل حديث كان كذلك فهو عنده حديث حسن. قال: فعلى ما ذكره الترمذي, كل ما كان في إسناده متهم -أي: بالكذب- فليس بحسن، وما عداه فهو حسن بشرط ألا يكون شاذًّا، والظاهر أنه أراد بالشاذ ما قاله الشافعي، وهو أن يروي الثقاتُ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- خلافَه، ثم أضاف إلى شرط ألا يكون شاذًّا: أن يروى نحوه من غير وجه، يعني: أن يروى معنى ذلك الحديث من وجوه أُخَر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بغير ذلك الإسناد. فعلى هذا: الحديث الذي يرويه الثقة العدل, ومن كثر غلطه, ومن يغلب على حديثه الوهم إذا لم يكن أحد منهم متهمًا -كله حسن؛ بشرط ألا يكون شاذًّا مخالفًا للأحاديث الصحيحة، وبشرط أن يكون معناه قد روي من وجوه متعددة، والمراد بالثقة: العدل الذي في ضبطه شيء يؤثر, ويحتاج إلى ما يقوِّيه.

قال: فإن كان مع ذلك من رواية الثقات العدول الحفاظ؛ فالحديث حينئذٍ حسن صحيح، وإن كان مع ذلك من رواية غيرهم من أهل الصدق, الذين في حديثهم غلط إما كثير أو غالب عليهم؛ فهو حسن، ولو لم يرو لفظه إلا من ذلك الوجه؛ لأن المعتبر أن يروى معناه من غير وجه, لا نفس لفظه.

قال: وعلى هذا فلا يشكل قوله: “حديث حسن غريب”، ولا قوله: “صحيح حسن غريب, لا نعرفه إلا من هذا الوجه”؛ لأن مراده أن هذا اللفظ لا يعرف إلا من هذا الوجه، لكن لمعناه شواهد من غير هذا الوجه, وإن كانت شواهده بغير لفظه.

قال: وهذا كما في حديث: ((الأعمال بالنيات)) فإن شواهده كثيرة جدًّا في السنة؛ مما يدل على أن المقاصد والنيات هي المؤثرة في الأعمال، وأن الجزاء يقع على العمل بحسب ما نوي به، وإن لم يكن لفظ حديث عمر مرويًّا من غير حديثه من وجه يصح.

قال: وقول الترمذي -رحمه الله-: “يروى من غير وجه نحو ذلك”، ولم يقل: عن النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فيحتمل أن يكون مراده عن النبي -صلى الله عليه وسلم-, ويحتمل أن يحمل على ظاهره، وهو أن يكون معناه يُروى من غير وجه ولو موقوفًا؛ ليستدل بذلك على أن هذا المرفوع له أصل يعتضد به، وهذا كما قال الشافعي في المرسل: إنه إذا عضده قول صحابي أو عمل عامة أهل الفتوى به؛ كان صحيحًا.

وعلى هذا التفسير لكلام الترمذي، فإنما يكون الحديث صحيحًا حسنًا إذا صح إسناده برواية الثقات العدول، ولم يكن شاذًّا، وروي نحوه من غير وجه. وأما الصحيح المجرد فلا يشترط فيه أن يروى نحوه من غير وجه؛ لكن لا بد ألا يكون أيضًا شاذًّا، فيكون حينئذٍ الصحيح الحسن أقوى من الصحيح المجرد.

قال: وقد يُقال: إن الترمذي إنما أراد بالحسن ما فسره به ههنا إذا ذُكر الحسن مجردًا عن الصحة، فأما الحسن المقترن بالصحيح فلا يحتاج إلى أن يروى نحوه من غير وجه؛ لأن صحته تغني عن اعتضاده بشواهد أخر. قال: وقد اضطرب الناس في جمع الترمذي بين الحسن والصحيح؛ لأن الحسن دون الصحيح، فكيف يجتمع الحسن والصحة؟ وكذلك جمعه بين الحسن والغريب؛ فإن الحسن عنده ما تعددت مخارجه، والغريب ما لم يرو إلا من وجه واحد.

فمنهم من قال: إن مراده أن الحديث حسن لثقة رجاله، وارتقى من الحسن إلى درجة الصحة؛ لأن رواته في نهاية مراتب الثقة، فحديثهم حسن وصحيح؛ لجمعهم بين صفات مَن يحسن حديثه وصفات من يصحح حديثه؛ وعلى هذا فكل صحيح حسن ولا عكس؛ ولهذا لا يكاد يفرد الصحة عن الحسن إلا نادرًا، وعلى هذا التفسير فالحسن: ما تَقاصر عن درجة الصحيح؛ لكون رجاله لم يبلغوا من الصدق والحفظ درجةَ رواة الصحيح، وهم الطبقة الثانية من الثقات الذين ذكرهم مسلم في مقدمة كتابه، وقيل: إنه خرَّج حديثهم في المتابعات.

وهذا الحسن هو الذي أراده أبو داود بقوله: خرجت في كتابي الصحيح وما يشبهه وما يقاربه، وذكر ابن الصلاح أن تفسير الحسن بهذا المعنى هو قول الخطابي، وليس هو قول الترمذي، وأن الحسن نوعان: ما ذكره الترمذي، وهو أن يكون رواية غير متهم ولا مغفل كثير الخطأ، ولا صاحب فسق، ويكون متن الحديث قد اعتضد بشاهد آخر له، فيخرج بذلك عن أن يكون شاذًّا أو منكرًا، والثاني -قول الخطابي: أن يكون رواته من المشهورين بالصدق والأمانة، غير أنهم لم يبلغوا درجة رجال الصحيح؛ لتقصيرهم عنهم في الإتقان والحفظ، ولا يكون الحديث شاذًّا ولا منكرًا.

وذكر أن الترمذي إذا جمع بين الحسن والصحة فمراده أنه روي بإسنادين؛ أحدهما حسن، والآخر صحيح. قال ابن رجب: وهذا فيه نظر؛ لأنه يقول كثيرًا: حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. قال ابن رجب: وقد أجاب عن ذلك بعض أكابر المتأخرين؛ بأنه قد يكون أصل الحديث غريبًا ثم تتعدد طرقه من بعض رواته, إما التابعي أو من بعده، فإن كانت تلك الطرق كلها صحيحة فهو صحيح غريب، وإن كانت كلها حسنة فهو حسن غريب، وإن كان بعضها صحيحًا وبعضها حسنًا فهو صحيح حسن غريب.

إذًا: الحسن عند الترمذي ما تعددت طرقه وليس فيها متهم، وليس الحديث شاذًّا، فإذا قال مع ذلك: “إنه غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه” حُمل على أحد شيئين؛ إما أن تكون طرقه قد تعددت إلى أحد رواته الأصليين فيكون أصله غريبًا ثم صار حسنًا، وإما أن يكون إسناده غريبًا بحيث لا يعرف إلا من هذا الوجه -بهذا الإسناد- ومتنه حسنًا بحيث روي من وجهين وأكثر، كما يقول: وفي الباب عن فلان وفلان، فيكون لمعناه شواهد تبين أن متنه حسن وإن كان إسناده غريبًا.

قال ابن رجب: وفي بعض هذا نظر، وهو بعيد من مراد الترمذي لِمَن تأمل كلامه، أي: لأنه ذكر قبل ذلك أن اللفظ قد يكون غريبًا لكن معناه ورد من طرق كثيرة، فالغرابة بالنسبة لهذا اللفظ وعدم الغرابة بالنسبة لمجموع ما روي بمعناه، قال: ومن المتأخرين من قال: إن الحسن الصحيح عند الترمذي دون الصحيح المفرد، فإذا قال: “صحيح” فقد جزم بصحته، وإذا قال: “حسن صحيح” فمراده أنه جمع طرفًا من الصحة وطرفًا من الحسن وليس بصحيح محض؛ بل حسن مشوب بصحة، كما يقول في المُزّ: إنه حلو حامض، باعتبار أن فيه حلاوة وحموضةً. قال: وهذا بعيد جدًّا؛ فإن الترمذي يجمع بين الحسن والصحة في غالب الأحاديث الصحيحة المتفق على صحتها, والتي أسانيدها في أعلى درجات الصحة؛ كمالك عن نافع عن ابن عمر، والزهري عن سالم عن أبيه، ولا يكاد الترمذي يفرد الصحة إلا نادرًا، وليس ما أفرد فيه الصحة بأقوى مما جمع فيه بين الصحة والحسن، لكن هذا لا ينافي أنه قد يكون مرويًّا بسند في أعلى درجات الصحة، وبسند آخر حسن، فيذكر أنه صحيح وأنه حسن، بناء على تعدد الأسانيد.

قال: ومن المتأخرين أيضًا من قال: مراد الترمذي بالحسن أن كلًّا من الأوصاف الثلاثة التي ذكرها في الحسن، وهي: سلامة الإسناد من المتهم، وسلامته من الشذوذ، وتعدد طرقه ولو كانت واهيةً -أي: غير ساقطة- موجب لحسن الحديث عنده. قال: وهذا بعيد جدًّا، وكلام الترمذي إنما يدل على أنه لا يكون حسنًا حتى يجتمع فيه الأوصاف الثلاثة، وتسمية الحديث الواهي الذي تعددت طرقه حسنًا، لا أعلمه وقَعَ في كلام الترمذي في شيء من أحاديث كتابه.

وذكر ابن حجر أن بين الترمذي والخطابي في الحديث الحسن فَرْقًا؛ فحديث المستور إذا أتى من غير وجه ليس عند الخطابي من قبيل الحسن، وقد صرح بأن رواية المجهول من قسم الضعيف وأطلق ذلك ولم يفصّل، والمستور قسم من المجهول. قال: وأما الترمذي, فالمعرف عنده بالحسن هو حديث المستور الذي لا يعده كثير من أهل الحديث من قبيل الحسن، وليس في التحقيق عند الترمذي مقصورًا على رواية المستور، بل يشترك معه الضعيف بسبب سوء الحفظ، والموصوف بالغلط والخطأ، وحديث المختلط بعد اختلاطه، والمدلس إذا عنعن، وما في إسناده انقطاع خفيف؛ فكل ذلك عنده من قبيل الحسن بالشروط الثلاثة, وهي: ألا يكون فيهم مَن يتهم بالكذب -أي: في رواته- ولا يكون الإسناد شاذًّا، وأن يروى مثل ذلك الحديث أو نحوه من وجه آخر فصاعدًا، قال: وليس كلها في المرتبة على حد السواء؛ بل بعضها أقوى من بعض.

قال ابن حجر: ومما يقوي هذا ويعضده أنه لم يتعرض لمشروطية اتصال الإسناد أصلًا، بل أطلق ذلك؛ فلهذا وصف كثيرًا من الأحاديث المنقطعة بكونها حِسانًا. ثم أتى بما لم يأت به ابن رجب فقال: ولنذكر لكل نوع من ذلك مثالًا من كلامه -أي: الترمذي- يؤيد ما قلناه, فأما أمثلة ما وصفه بالحسن وهو من رواية المستور فكثيرٌ لا نحتاج إلى الإطالة به.

ومن أمثلة ما وصفه بالحسن وهو من رواية الضعيف السيئ الحفظ، ما رواه من طريق شعبة عن عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه أنه قال: إن امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((رضيتِ من نفسك ومالك بنعلين؟)) قالت: نعم، قال: فأجازه النبي -صلى الله عليه وسلم-. قال الترمذي: هذا حديث حسن.

ثم قال: وفي الباب عن عمر وأبي هريرة وعائشة وأبي حدرد وذكر جماعة غيرهم، وعاصم بن عبيد الله ضعّفه الجمهور ووصفوه بسوء الحفظ، وعاب ابن عيينة على شعبة الرواية عنه، قال ابن حجر: وقد حسن الترمذي حديثَه هذا؛ لمجيئه من غير وجه كما شرط.

قال: ومن أمثلة ما وصفه بالحسن وهو من رواية الضعيف الموصوف بالغلط والخطأ، ما أخرجه من طريق عيسى بن يونس عن مجالد, عن أبي الوداك عن أبي سعيد -رضي الله عنه- أنه قال: كان عندنا خمر ليتيم، فلما نزلت “المائدة” سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقلت: إنه ليتيم؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((أهريقوه)). قال: هذا حديث حسن، قال ابن حجر: ومجالد ضعفه جماعة ووصفوه بالغلط والخطأ، وإنما وصفه بالحسن؛ لمجيئه من غير وجهٍ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من حديث أنس وغيره.

قال: وأشد من هذا ما رواه من طريق الأعمش عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن عبد الله بن المغفل -رضي الله عنه- في الأمر بقتل الكلاب وغير ذلك، قال: هذا حديث حسن، قال ابن حجر: وإسماعيل اتفقوا على تضعيفه ووصفه بالغلط وكثرة الخطأ، لكنه عضده بأن قال: روي هذا الحديث من غير وجه عن الحسن مثله -يعني: لمتابعة إسماعيل بن مسلم عن الحسن. قال: ومثله ما رواه من طريق علي بن مسهر عن عبيدة بن معتب عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة < أنها قالت: “كنا نحيض عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم نطهر؛ فيأمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقضاء الصيام، ولا يأمرنا بقضاء الصلاة”. قال: هذا حديث حسن، وعبيدة بن متعب ضعيف جدًّا قد اتفق أئمة النقل على تضعيفه؛ إلا أنهم لم يتهموه بالكذب، ولحديثه أصل من حديث معاذة عن عائشة مخرج في الصحيح؛ فلهذا وصفه بالحسن.

قال: ويؤيد هذا ما رويناه عن أبي زرعة أنه سئل عن أبي صالح كاتب الليث، فقال: لم يكن ممن يتعمد الكذب؛ ولكنه كان يغلط، وهو عندي حسن الحديث.

قال ابن حجر: ومن أمثلة ما وصفه بالحسن وهو من رواية من سمع من مختلط بعد اختلاطه، ما رواه من طريق يزيد بن هارون عن المسعودي عن زياد بن علاقة أنه قال: “صلى بنا المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه-, فلما صلى ركعتين قام فلم يجلس؛ فسبّح به من خلفه، فأشار إليهم أن قوموا، فلما فرغ من صلاته سلم وسجد سجدتي السهو وسلم، وقال: هكذا صنع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-“. قال: هذا حديث حسن. والمسعودي اسمه: عبد الرحمن، وهو ممن وصف بالاختلاط، وكان سماع يزيد منه بعد أن اختلط، وإنما وصفه بالحسن؛ لمجيئه من أوجه أخر.

وذكر من أمثلة ما وصفه بالحسن؛ ما رواه مدلِّس قد عنعن، مثاله: ما رواه من طريق يحيى بن سعيد عن المثنى بن سعيد عن قتادة عن عبد الله بن بريدة عن أبيه, عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((المؤمن يموت بعرق الجبين)). قال: هذا حديث حسن، وقد قال بعض أهل العلم: لم يسمع قتادة من عبد الله بن بريدة. قال ابن حجر: وهو عصريه وبلديه كلاهما من أهل البصرة، ولو صح أنه سمع منه فقتادة مدلس معروف بالتدليس، وقد روى هذا بصيغة العنعنة, وإنما وصفه بالحسن؛ لأن له شواهد من حديث عبد الله بن مسعود وغيره.

قال: ومن ذلك ما رواه من طريق هشيم عن يزيد بن أبي زياد, عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب { أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إن حقًّا على المسلمين أن يغتسلوا يوم الجمعة، وليمس أحدهم من طيب أهله؛ فإن لم يجد فالماء له طيب)). قال: هذا حديث حسن، قال ابن حجر: وهشيم موصوف بالتدليس؛ لكن تابعه عنده أبو يحيى التيمي, وللمتن شواهد من حديث أبي هريرة.

وذكر من أمثلة ما وصفه بالحسن وهو منقطع الإسناد، ما رواه من طريق عمرو بن مرة عن أبي البختري عن علي -رضي الله عنه- أنه قال: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لعمر في العباس: ((إن عم الرجل صِنْوُ أبيه)) قال: هذا حديث حسن، قال ابن حجر: أبو البختري اسمه سعيد بن فيروز, لم يسمع من علي -رضي الله عنه- فالإسناد منقطع، ووصفه بالحسن؛ لأن له شواهد مشهورة من حديث أبي هريرة وغيره.

قال: وأمثلة ذلك عنده كثيرة، وقد صرح هو ببعضها، فمن ذلك: ما رواه من طريق الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن إسحاق بن عمر عن عائشة < أنها قالت: “ما صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلاة لوقتها الآخر مرتين, حتى قبضه الله U”. قال: هذا حديث حسن وليس إسناده بمتصل، قال ابن حجر: وإنما وصفه بالحسن؛ لِمَا عضده من الشواهد من حديث أبي برزة الأسلمي, وغيره.

قال: وقد حسّن عدة أحاديث من رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه, وهو لم يسمع منه عند الجمهور، وحسن حديثًا من رواية أبي قلابة الجرمي عن عائشة < وقال بعده: لم يسمع أبو قلابة عن عائشة. قال ابن حجر: ورأيت لأبي عبد الرحمن النسائي نحوَ ذلك، فإنه روى حديثًا من رواية أبي عبيدة عن أبيه, ثم قال: أبو عبيدة لم يسمع من أبيه إلا أن هذا الحديث جيد، وكذا قال في حديث رواه من رواية عبد الجبار بن وائل بن حجر: عبد الجبار لم يسمع من أبيه؛ لكن الحديث في نفسه جيد، وكل ذلك -كما سبق ذكره- لوجود شواهد تجبُر العيب في الحديث.

قال ابن حجر: وذلك مصير منهم إلى أن الصورة الاجتماعية -أي: لروايات الحديث الواحد- لها تأثير في التقوية. وإذا تقرر ذلك كان من رأي الترمذي أن جميع ذلك إذا اعتضد لمجيئه من وجه آخر أو أكثر؛ نزل منزلة الحسن، قال ابن حجر: واحتمل ألا يوافقه غيره على هذا الرأي، أو يبادر للإنكار عليه إذا وصف حديث الراوي الضعيف أو ما إسناده منقطع بكونه حسنًا، فاحتاج إلى التنبيه على اجتهاده في ذلك، وأفصح عن مقصده؛ ولهذا أطلق الحسن لما عرف به فلم يقيده بغرابة ولا غيرها، ونسبه إلى نفسه ومَن يرى رأيه، فقال: عندنا كل حديث… إلى آخر كلامه.

قال: وإذا تقرر ذلك بقي وراءه أمر آخر، وذلك أن المصنف وغير واحد نقلوا الاتفاقَ على أن الحديث الحسن يُحتج به كما يحتج بالصحيح وإن كان دونه في المرتبة -أراد بالمصنف ابن الصلاح ومن وافقه-فما المراد على هذا بالحديث الحسن الذي اتفقوا فيه على ذلك؟ هل هو القسم الذي حرره ابن الصلاح وقال: إن كلام الخطابي ينزل عليه، وهو رواية الصدوق المشهور بالأمانة -أي: المستوفي لشروط الصحيح… إلى آخر كلامه؟ أو القسم الذي ذكر عن الترمذي مع مجموع أنواعه بأمثلتها؟ أو ما هو أعم من ذلك؟

قال ابن حجر: والذي يظهر لي أن دعوى الاتفاق إنما تصح على الأول -أي: الحسن لذاته- دون الثاني.

قال: وقد صرح أبو الحسن بن القطان أحد الحفاظ النقاد من أهل المغرب, في كتابه (بيان الوهم والإيهام) بأن هذا القسم -أي: الحسن عند الترمذي- لا يحتج به كله؛ بل يعمل به في فضائل الأعمال، ويتوقف عن العمل به في الأحكام؛ إلا إذا كثرت طرقه وعضده اتصال عمل أو موافقة شاهد صحيح أو ظاهر القرآن.

قال ابن حجر: وهذا حسن قوي رائق ما أظن منصفًا يأباه، على أن الحديث الحسن إذا وصفه الترمذي بالحسن، لا يلزم عنده أن يحتج به؛ لأنه أخرج حديثًا من طريق خيثمة البصري عن الحسن عن عمران بن حصين، وقال بعده: هذا حديث حسن, وليس إسناده بذاك.

وقال في كتاب “العلم” بعد أن أخرج حديثًا في فضل العلم: هذا حديث حسن، وإنما لم نقل لهذا الحديث: صحيح؛ لأنه يقال: إن الأعمش دلس فيه فرواه بعضهم عنه، قال: حُدثت عن أبي صالح عن أبي هريرة، فحكم له بالحسن للتردد الواقع فيه، وامتنع عن الحكم عليه بالصحة لذلك، قال: لكن في كلا المثالين نظر؛ لاحتمال أن يكون سبب تحسينه لهما كونهما جاءا من وجه آخر كما تقدم تقريره، لكن محل بحثنا هذا هل يلزم من الوصف بالحسن الحكم له بالحجة أم لا؟ هذا الذي يتوقف فيه, والقلب إلى ما حرره ابن قطان أميل.

فبين ابن حجر أن القضية: إذا وصف الحديث بالحسن عند الترمذي يحتج به أو لا يحتج به؟ وتوقف في ذلك، والظاهر أنه يحتج به؛ لتدعيم الإسناد ولوجود شواهد للمتن، وهو الظاهر من تصرف الحاكم، وإليه يومئ في تسميته كتاب الترمذي بـ(الجامع الصحيح)؛ لأنه ما دام يحتج به فهو في قوة الصحيح.

وقد أجاب بعض المتأخرين عن قول الترمذي: حسن صحيح، أنه حسنٌ على طريقة من يفرق بين النوعين؛ لقصور رتبة راويه عن درجة الصحة المصطلحة، صحيح على طريقة من لا يفرق.

error: النص محمي !!