Top
Image Alt

الحضارات القديمة وإسهاماتها التربوية

  /  الحضارات القديمة وإسهاماتها التربوية

الحضارات القديمة وإسهاماتها التربوية

مقدمة:

للتربية أصولها التاريخية؛ لأنها تستمد من التاريخ مبادئ إرشاد الناس لسبل الخير، وتستقي منه نماذج الفكر التربوي؛ مما يمكن أن يخدم الواقع ثقافة، وتعليمًا، وتطبيقًا، فالعمل الناجح يبدأ عادة من حيث انتهى المتخصصون في الميدان.

ومن المؤكد أن رصد الحقائق، وتوثيق الوقائع من اللبنات البارزة في جدار التاريخ الإنساني, الذي يعلو بحسن الاستفادة من الماضي. إننا ندرس الماضي لا لننغلق فيه، ولكن لننطلق منه؛ وبذلك لا يعيدنا التاريخ إلى الوراء، ولكن يقودنا إلى العطاء.

ليس بغريب أن نجد توجهات معاصرة في تربية الطفل، أو إعداد القائد ذات أصول قديمة؛ إذ إن الماضي يضم في أعماقه الكثير من الكنوز الفكرية, التي من شأنها أن تعيد صياغة الفلسفة التربوية الحديثة.

ويحدثنا القرآن الكريم عن أهمية الاتعاظ من التجارب السابقة، فيقول سبحانه في سورة يوسف: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لاُوْلِي الألْبَابِ} [يوسف:111]، ففي قصة فرعون وصف لفعله وكفره، والعبرة كانت في نهاية القصة، وهي أن الله عز وجلبالمرصاد، فعاقبة الكفر لا بد أن تكون الخسران المبين، والعاقبة الحسنة ستكون للصالحين، قال -جل ثناؤه: {وَفِرْعَوْنَ ذِى الأوْتَادِ}(10) {الّذِينَ طَغَوْاْ فِي الْبِلاَدِ}(11) {فَأَكْثَرُواْ فِيهَا الْفَسَادَ}(12) {فَصَبّ عَلَيْهِمْ رَبّكَ سَوْطَ عَذَابٍ}(13) {إِنّ رَبّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} [الفجر: 10-14].

إن التاريخ من أهم روافد التربية الناجحة إذا قمنا بالاستفادة منه، لا نقله من غير نقده، ويستطيع التاريخ أن يمنحنا الآتي:

– تزويد الناس في كل جيل بالحقائق المتوارثة، والحكمة السائرة؛ ومن ثم أن نحافظ على العلوم، والفنون، والمعارف النافعة.

– إثراء الفكر الإنساني, الذي ينمو بتراكم الخبرات الجيدة.

– التجارب السابقة للأفراد والأمم في مواجهة متطلبات الحياة في الماضي، وهذا قد يساعدنا على الاستفادة منها، أو من بعضها.

– دراسة الفكر التربوي بصورة تاريخية وسيلةٌ من وسائل إعداد المعلمين والمعلمات؛ ليستفيدوا من تجارب الآخرين ويضيفوا إليها.

– قراءة التاريخ قراءة نقدية تكشف لنا السنن الإلهية، مثل: أن الابتلاء فيه تمحيص للإيمان، وأن الصبر طريق النصر.

– التاريخ يمنح الشعوب خصوصياتها الحضارية، ويحفظ إسهاماتها التنموية.

– يعتني المسلمون بالتاريخ؛ لأنه مصدر مهم للتأكد من سلامة أصولهم الدينية.

– حرص المفكرين منذ القدم على جعل القصص من أهم مناهج التربية، فأبو حنيفة النعمان -عملاق الفقه والقانون- أدرك أهمية الماضي وأحداثه في تهذيب السجايا، فقال: “الحكايات عن العلماء ومحاسنهم أحبُّ إليَّ من كثير من الفقه؛ لأنها آداب القوم”.

أهم أصل تاريخي:

إن الأمم والشعوب والحضارات ما هي إلا نتاج للتربية المستمرة وللتعلم الدائم، وتبدأ قصة التعليم مع سيدنا آدم عليه السلام إذ أخذ الدرس الأول في ميدان التعليم من خلال معرفة الأسماء، قال تعالى: {وَعَلّمَ آدَمَ الأسْمَآءَ كُلّهَا ثُمّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـَؤُلآءِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 31].

إن العلم هو الأساس الذي يبني الناس عليه سياساتهم الحياتية والدينية، بل إن العلم النافع هو أساس سعادة الإنسان؛ إذ يرشده إلى السلوك السويّ ليحقق رسالته، من هنا نُدرك أن شأن التعليم شأن عظيم؛ إذ هو مفتاح العدل والتقدم والرقي المادي والروحي، ولا يمكن تصور عملية تجديد وإصلاح تربوي دون الاعتناء التام به.

إن عدم الاستفادة من ميراث الأنبياء -عليهم السلام- في تربية الأبناء، وتهذيب الأمم -من أهم عوامل الانحراف التربوي فكريًّا، ويمكن أن نضيف لهذا العامل أننا أخذنا من معطيات نظريات العلوم الإنسانية شرقًا وغربًا دون نقدها، والتدقيق فيها، والتعليق عليها.

إن الدراسات التربوية الحديثة تنظر إلى تاريخ الرسل والرسالات برؤية مليئة بالريبة؛ لأنها في زعمهم تتصادم مع العلم والعقل والحضارة، مع أن السنة النبوية تخبرنا أن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر.

وإذا كان الغرب -رغم سبقه العلمي المادي- لا يمتلك الوثائق الأمينة التي تدل على مناهج الأنبياء في الإصلاح؛ بسبب تحريف أو ضياع الكتب السماوية المقدسة، فإن الشرق من خلال الوحيين -القرآن المجيد، وصحيح السنة- يمتلك الشيء الكثير في إثراء الفكر الإنساني؛ إذا فقه المسلمون طبيعة العصر الذي يعيشونه, وطبقوا الإسلام بوسطيَّته ويسره وسماحته، قال -جل شأنه: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطاً لّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} [البقرة: 143].

يحاول بعض الباحثين أن يتحدثوا عن تاريخ البشرية, من خلال نظرية التطور الداروينية، وآخرون يؤمنون بأن الحياة كانت بدائية، وبعض المسلمين يخجلون من طرح المسألة كما ذُكرت في القرآن الكريم والسنة النبوية، فنراهم يتحدثون عن الإنسان في المجتمعات البدائية، ثم في الحضارة البابلية، والمصرية، والفارسية، واليونانية؛ دون الإشارة إلى أروع موقف تعليمي تربوي في تاريخ البشرية، حينما علَّم الله عز وجلآدم عليه السلام الأسماء، ثم عرضها على الملائكة.

إن فصل الدين عن العلم فيه انحراف فكري خطير؛ لأنه يتنكر فيه الإنسان لتاريخه، وميلاده، وأساسه، وأعظم من ذلك كله أن يجهل الإنسان ربه الذي أعطاه الفكر، وهداه بالذكر عبر سلسلة الرسل الكرام والكتب السماوية.

وهكذا اعتاد الكثير من الباحثين على الإشارة إلى أن التربية البدائية كانت تتسم بالبساطة والسذاجة والهمجية؛ حيث عاش الإنسان الأول في جهل نتيجة خبراته المحدودة، وكثرة الوحوش الغريبة التي كانت تهدد حياته، ثم كانت القفزة التعليمية باكتشاف الأصوات؛ وبذلك استطاع الإنسان أن يتعامل باللغة كرمز، فبدأت الحياة تتطور إلى الأحسن, وهؤلاء الكُتاب بكل جرأة يذكرون سذاجة الإنسان الأول، وسطحية تفكيره؛ إذ كان يعبد عدة آلهة.

وسبب الشرك يرجع إلى عامل الخوف من الطبيعة القاسية, التي تحيط بالإنسان البدائي، والجهل بكيفية تفسير الظواهر الكونية من ناحية علمية, ولا ريب أن تلك المزاعم عن سذاجة ووحشية الإنسان الأول تتصادم مع صميم القرآن الكريم، وصحيح هدي النبي الكريم، وصريح التفكير السليم.

إن جميع الأدلة التاريخية والأنثروبولوجية, التي تستند إليها مثل تلك النظريات الباطلة هي أدلة ظنية واهية، لا ترقى إلى مرتبة الحقائق القطعية، ولو كان قصد هؤلاء الباحثين أن التفكير الخرافي ظهر في تاريخ البشرية دون تخصيص البداية الأولى لهان الأمر، فإن التاريخ يشهد بذلك؛ بل القرآن الكريم هو أصدق شاهد على الإطلاق.

استعانت كل الأمم بالتربية في عملية البقاء والبناء والنماء، وساهمت في إثراء الثقافة الإنسانية بدرجات متفاوتة؛ فساهمت القصص الفارسية، والعبقرية الصينية، والروائع المصرية، والحساب الهندي، والمحاورات اليونانية، والخطب الرومانية، والمنجزات الإسلامية لجميع الشعوب، وبشتى اللغات في نهضة العلوم، وشاركت في توسيع آفاقها الحضارية.

والكثير من الممارسات التربوية والتعليمية في زماننا هذا, ترجع جذورها إلى مجتمعات قديمة عاشت قبل آلاف السنين، فالأسرة ما زالت المحضن الأساسي للتنشئة الاجتماعية، وما زالت الجماعة تمارس ضغوطها في وضع المعايير والقيم إلى جانب الجذور الدينية، كما أن نظام الامتحانات والمحاضرة والمناظرة والموعظة والقصة كان من الوسائل المألوفة في النظم التعليمية القديمة. وقبل حوالي عام ثلاثمائة وثلاثة آلاف وخمسمائة قبل الميلاد، عاش السومريون في العراق عند وادي دجلة والفرات، وعندما اكتشفوا نظامًا للكتابة أصبح التعليم يؤدي دورًا أكبر في إعداد الأطفال لحياتهم العملية, في إطار تعليمي واسع.

ولعل التربية المهنية والوطنية والدينية من أهم ملامح المجتمعات القديمة؛ إذ كان التعليم يرمي إلى اكتساب المتعلم مهارات مهنية، من خلالها يقوم الفرد بمساعدة أسرته اقتصاديًّا في حقل الرعي أو الزراعة، وتوفير الأمن كمتطلب أساسي للحياة، وكان التعليم يدفع بالمجتمعات إلى تدريب طبقة من المحاربين يذودون عن حياض المجتمع، وحياة وكرامة أفراده.

ويُقصد بالحضارة: مجموع المعارف العلمية, والتشريعية، والنظم، والعادات، والآداب، والفنون التي تمثل الحالة الفكرية، والاقتصادية، والخلقية، والسياسية، والفنية، وسائر مظاهر الحياة المادية والمعنوية في مرحلة من مراحل التاريخ، وفي بقعة من بقاع الأرض لشعب أو أكثر.

ويعرّف “ول ديورانت” الحضارة في بداية كتابه الضخم (قصة الحضارة), فيقول: “إنها نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة في إنتاجه الثقافي، وتتألف من أربعة عناصر: الموارد الاقتصادية، والنظم السياسية، والتقاليد الخلقية، ومتابعة العلوم والفنون، وهي تبدأ حيث ينتهي الاضطراب والقلق؛ لأنه إذا ما أمن الإنسان من الخوف تحررت في نفسه دوافع التطلع، وعوامل الإبداع والإنشاء، وبعدئذٍ لا تنفكّ الحوافز الطبيعية تستنهضه للمضيّ في طريقه إلى فهم الحياة, وازدهارها”.

تتكون الحضارة من عناصر كثيرة، ولكنها تدور حول ثلاثة محاور؛ هي:

– فلسفة عامة تعطي تصورات واضحة حول معنى الحياة، وأهدافها الموصلة للسعادة، وسبل السير في مناكب الأرض.

– تطبيق عملي للفلسفة؛ من خلال وسائل التنشئة الاجتماعية، وسن القوانين والتشريعات لتنظيم المجتمع.

– إنتاج مادي ومعنوي, ينتج كثمرة لتمازج العنصرين السابقين.

وفيما يلي سيكون التركيز على بعض معالم الحركة التربوية في أشهر المجتمعات الإنسانية، وليس الهدف من عرض ذلك هو تتبع الفترات التاريخية بشكل متسلسل، متصل، موسع.

والمنهج المتبع هنا هو الإشارة السريعة لوسائل التربية مع تحديدٍ لبعض أهدافها، ومناهجها في بلاد الصين، واليونان، والرومان، ومصر، والهند، ثم نقدم لمحة عن روائع الحضارة الإسلامية، وأخيرًا لمحة تاريخية عن معالم تاريخ التربية الغربية.

error: النص محمي !!