Top
Image Alt

الحضارة المصرية القديمة وأسرارها

  /  الحضارة المصرية القديمة وأسرارها

الحضارة المصرية القديمة وأسرارها

ما قصة الحضارة المصرية القديمة؟ وما أسرارها؟

الأهرامات ثمرة من ثمار شجرة تعليمية لها جذورها العميقة، فلا ينبغي الوقوف عند الثمرة ونسيان الشجرة، ولا بد من دراسة الجانب التعليمي لمعرفة أسرار عظمة تلك الحضارة الخالدة، وهو الأمر الذي نهدف إليه في دراسة كل الحضارات المهمة: القديمة، والحديثة؛ لأن المنجزات المادية وغيرها هي نتاج سياسة تعليمية عملية، لا ينبغي أن يغفل عنها المربي إن كان من أولي الألباب، فإن كانت مبانيهم رائعة، فإن حبهم للكتاب والمكتبات أروع، فحصيلة العلم والفكر والتفاني في العمل عزّ وتفوق ومجد.

وقبل حوالي ثلاثمائة سنة قبل الميلاد عرف المصريون القدماء نظام الكتابة، وما زالت آثارهم الباقية تبهر الألباب، وتنتزع الإعجاب خلال تاريخهم الطويل الذي امتد آلاف السنين على صفحات التاريخ.

لقد برع المصريون في علوم كثيرة منها: علوم الهندسة، والطب، والزراعة، والفنون الجميلة كالرسم، والنحت، والموسيقى.

وكان المصريون أصحاب حضارة عملية إلى أبعد الحدود، والأدلة على صدق ما سبق مستفيضة، وأعظمها آثارهم الخالدة ورسوماتهم الساحرة.

فمن الناحية الدينية، حظهم كحظ الحضارة الغربية حديثًا، حيث الفارق بين تطورهم المادي، ونظامهم الروحي يمكن ملاحظته بوضوح؛ فلقد عبد الفراعنة الشمس وقدّسوا الحيوانات، ولقد قام إخناتون باختيار إله واحد وهو الشمس؛ فعبدوه.

ومن الناحية الاجتماعية، لعبت المرأة دورًا مذكورًا على ساحة الأحداث العامة، وكان للمرأة الفرعونية منزلتها العظيمة في المجتمع.

ومع أن مراجع كثيرة يصعب حصرها, تؤكد كلها بأن تأسيس العلوم كان إنجازًا إغريقيًّا، وبأن الإغريق هم الذين أوجدوا الروح العلمية في الثقافة الأوربية؛ إلا أنه لا بد من الإشارة إلى أن بعض المؤلفين يزعمون أن الفكر الإغريقي الباهر لم يتحقق كطفرة غير مسبوقة، وإنما يدعون بأن هذا الفكر الخلاق استمد عناصره من الحضارات المصرية وغيرها من الحضارات الأقدم؛ إلا أن هذا الزعم ينقصه البرهان، ومحاولة إنكار الامتياز الثقافي الأوربي؛ بسبب كره الاستعمار، وبدافع الرغبة في الانتصار للذات، هذا ما يذكره بعض العلماء.

كان النظام التعليمي يركز على حفظ المعلومات وتنمية المهارات، مثلها مثل الحضارة السومرية، وكان على المتعلم أن يبدأ من البسيط إلى المعقّد، وكان التعليم مرتبطًا بأهمية الإنتاج والعمل.

وقد ذكر بعض الباحثين أن التعليم العالي كان مقره غالبًا في المعابد، ومن أشهر المعابد: جامعة “أون” أي: عين شمس، ومعبد الكرنك، وإدفو، وأن الأطفال من سن خمسة إلى أحد عشر عامًا كانوا يتعلمون القراءة وكتابة اللغة الهيروغليفية، وكانوا يدونون نصوصهم الدينية على خشب الأبنوس والعاج، وصفحات ورق البردي.

كان التعليم في مراحله الأولى يحصل عليه عامة الناس، أما التعليم العالي فكان من جملة الحقوق التي لا ينالها, ويتمتع بنورها إلا أبناء الفراعنة النبلاء.

ومن الحكم المصرية المأثورة في ميدان التعليم, قولهم في تمجيد شأن الكتابة: “كُن كاتبًا؛ تبلغ المجد والثروة”, وقولهم: “يا بني، إن أي مهنة من المهن محكومة بسواها إلا الرجل المثقف؛ فإنه يحكم نفسه بنفسه”.

إن مثل هذا القول يكشف لنا مدى اهتمام المصريين القدماء بالتربية؛ بل يوضح أن المصريين القدماء ربما يكونون أول البشر إرساءً لمفهوم التربية, في إطاره العلمي المعاصر.

ومن العبارات المنحوتة على جدار مصري فرعوني: “سأجعلك يا بني تحب الكتاب, كما تحب أمك أو أكثر”؛ لأن الكتاب لا مثيل له، فلقد اهتم القدماء في مصر بتعليم القراءة للطفل، كما يعلّمونه المشي والأكل. ولا ريب أن حب العلم والقراءة، وتعظيم مرتبة العلماء، وتشجيع الابتكار من ضمن المفاهيم الحضارية التي استوعبها المصريون القدماء؛ حتى إن كلمة مدرسة أو دور العلم تعرف ببيت الحياة، فسخّروا كل إمكانياتهم ليتسابقوا في ميدان الرقي العلمي، والتفوق المهني؛ فكان تاريخهم يزخر بموجات عارمة من الجد والاجتهاد, والتجديد، وبيوت الحياة، ودور المعرفة….

“هنا علاج الروح”، “هنا بيت علاج النفس”، كلمات كانت تُكتب على جدران المكتبات المصرية القديمة مثل: مكتبة معبد رمسيس، ومكتبة معبد إدفو، ومكتبة معبد دندرة.

ثم ينتقل هذا الشعار إلى الحضارات الأخرى، وفي ذلك دلالة واضحة على أن الكتاب يمكن أن يستخدم في علاج الروح إذا سقمت، والنفس إذا اعتلّت، وهذه العبقرية المصرية تسمى في العلوم المعاصرة بالعلاج بالقراءة، وهذا العلم من العلوم التي تندرج تحت علم النفس، وتعني: استخدام الكتب في علاج المرض.

ومن الزاوية التربوية، نجد أن الرسومات المصرية القديمة المنقوشة على واجهة الجدران في المعابد، وغيرها -من الفنون الرفيعة, التي تدل دلالة قاطعة على عمق وعظمة بعض وسائل التربية والتعليم في تلك الحضارة الساحرة، فإن تدوين المعلومات، ورسم المناظر الطبيعية، ووضع لمسات الخيال والإبداع, كلها مؤشرات ومؤثرات تشهد وتنطق بالتفوق الفكري والفني.

ولا شك أن القصص ما زالت من أعظم المواد المنهجية في إعداد الفرد، وما زالت قصصهم وأساطيرهم محل دراسة واعتناء من قِبل الباحثين.

ركزت التربية المصرية على قضية البعث والنشور، واعتناء الفراعنة ببناء الأهرامات وعلم التحنيط يدل على صحة ذلك الاستنتاج.

ويدل تعدد الآلهة عند المصريين القدماء على تربية دينية قلقة، تتخللها صراعات سياسية لفرض عقائد وثنية على المجتمع، ومهما يكن الأمر فإن مصر القديمة شأنها شأن الدول التي سادت ثم بادت، وعرفت عددًا كبيرًا من الفراعنة الطغاة، ولا شك أن هذا كان له انعكاسه المباشر في صياغة الفرد المطيع للأوامر السياسية، فكان من ضمن الآداب الاجتماعية قول بتاح حتب: “احن ظهرك لمن هو أعلى منك”.

ومن المعلوم أن مناهج التعليم تتأثر بمن يستأثر بقوة السيطرة والحكم في البلاد، وأن كل الأنظمة لا بد أن تسخر مؤسسات التعليم لحماية مصالحها، ولدوام حكمها.

دخلت مصر تحت حكم الهكسوس قبل الميلاد، والهكسوس كلمة أطلقها المصريون على الملوك والجبابرة الذين حكموا مصر لعشرات السنين، فالهكسوس غير مصريين عند بعض الباحثين.

ومن أشهر القصص النبوية الثابتة عن الجبابرة في مصر: قصة السيدة سارة مع الملك، كما في صحيح البخاري ومسلم.

أثناء ذلك العصر كانت الدولة الكلدانية في العراق، والكنعانية في بلاد الشام، وكانت مصر مركزًا اقتصاديًّا مهمًّا, يَفِدُ إليها الجميع ليجلبوا منها الطعام والذخيرة والمتاع.

بعض قَسَمات التربية عند المصريين القدماء:

نلخص بعض المظاهر, التي تتناول التربية عند المصريين القدماء فيما يلي:

كون المصريون نظامًا للكتابة، ونجح الخط الهيروغليفي في تعليم المصريين ونقل التراث إلى العصور الأخرى، واستخدم المصريون الأشكال الهندسية والرسومات على أوراق البردي، وعلى الجدران كوسيلة من الوسائل الحسية لتوصيل المعلومات، وعرف المصريون القدامى المكتبات العامة، وكان تخزين الكتب يتم بإشراف متخصصين، يحرصون على حسن تنظيمها والمبالغة في الحفاظ عليها، وبلغ التعليم إلى مرحلة التخصص الدقيق في علوم متنوعة؛ إذ ظهر التعليم العالي لتغطية حاجة المجتمع، ولم تكن التربية الأساسية والمتوسطة هي نهاية الطريق.

وامتازت الحضارة المصرية بالتميز والإبداع والتفوق، فالبناء الهندسي للأهرامات، والمعابد، والمقابر -مثلًا- من الشواهد الدالة على درجة عالية من الإتقان في الإنتاج، ولا شك أن النظام التربوي كان خلف هذا النجاح.

وأدَّى الدين دورًا عظيما في جميع الحضارات، وعلى الأخص الحضارة المصرية؛ فالتربية الدينية التي شكلت ثقافة الناس لم تكن سليمة المحتوى, حيث تعرضت المفاهيم الكلية للدين السماوي إلى التشويه والتحريف، وخاصة في ميدان التوحيد.

ورسَّخ النظام التربوي في مصر قديمًا الطبقية في المجتمع؛ حيث كان التعليم يعزِّز دور الكهنة الذين كانوا يقودون الحركة التعليمية، ويوفرون التربية الراقية لأبناء النبلاء ورجال البلاط؛ في حين أن الطبقة الفقيرة الكادحة إما أن تتحول إلى طبقة المحاربين حيث بعض الامتيازات، أو يظلون في وظائف مهنية تعتمد على المهارة اليدوية.

عرف المصريون مؤسسات خاصة بالدراسات العليا، وبنوا المعابد التي ترعى العلم؛ مثل معبد الكرنك. والتربية بالعقوبة البدنية كانت وسيلة قاسية, من وسائل التربية في ذلك العصر.

error: النص محمي !!