Top
Image Alt

الحضارة الهندية

  /  الحضارة الهندية

الحضارة الهندية

اعتنت الحضارة الهندية بتربية الطفل تربية حسنة؛ لأجل مستقبل زاهر، وكما يقول المثل الهندي: “عندما يكون الأولاد صغارًا زَوِّدْهم بجذور عميقة، فإذا كبروا امنحهم أجنحة طليقة”.

درس الهنود العديد من العلوم, مثل: الحساب والطب، ونجحوا في تمرير ميراثهم العلمي للأمم الأخرى. وظل التعليم الرفيع بيد الكهنة البراهمانيين؛ كي يفسروا النصوص الدينية المقدسة، وهذا شأن معظم الأمم الغابرة.

ظهرت البوذية في القرنين السادس والخامس قبل الميلاد في الهند، وانتشرت في أماكن كثيرة، وأتباع هذا التوجه من أشد الناس تمسكًا وتحمسًا لفكر بوذا. تأسست البوذية في الهند على يد الأمير سيدهارتا جواتاما، والذي عُرف في اللغة السنسكريتية باسم بوذا، أي: الرجل الحكيم، أو المستنير والمتنور، وهو مصلح اجتماعي مرموق، وفيلسوف قديم، وزعيم ديني بارز.

كان بوذا من أسرة ثرية فعاش في النعيم، ثم بدا له أن يترك الحياة المترفة ليطوي حياته مع التقشف والتأمل والروحانيات النبيلة. لقد طالب بوذا بتهذيب الأخلاق من خلال معالجة عيوب النفس، ومع مرور الوقت تشكلت مجموعة تعاليم دينية لتصبح مادة التعليم في الهند والصين، ومناطق كثيرة لعدد هائل من الناس.

وتؤمن البوذية الوثنية أن السعادة تكمن في كبح جماح النفس، وقمع الشهوات، والتفرغ للعبادة، وتصفية النفس؛ لذلك فإن البوذية تحث على الرهبنة، والعزلة، والتفكير التأملي؛ من أجل تهذيب النفس عبر تمارين روحية وجسدية معينة.

تقوم البوذية على فكرة الألم الذي لا ينفكّ عن الإنسان إلا بالعبادة “النيرفانا”، حيث يحصل العابد على اللذة الروحية، ويتمتع بالتأمل العميق. لقد أحرزت تعاليم بوذا شهرة واسعة على مستوى العالم وعلى مر القرون، واستقطبت الفقراء لساحتها، ولقد ترك بوذا بذور التصوف الذي يقضي بحرمان الذات من الملذات.

و”ول ديورانت” وصف بعض قسمات التعليم عند بوذا, فقال: “لقد كانت وسيلة بوذا في نشر تعاليمه -شأنه في ذلك شأن سائر المعلمين في عصره- هي: المحاورة، والمحاضرة، وضرب المثل، ولما لم يدر في خلده قط -كما لم يدر في خلد سقراط أو المسيح- أن يدون مذهبه، فقد لخصه في عبارات مركزة…”.

لقد قامت الأركان الأربعة لتعاليم بوذا على أن:

– كل الأشياء والخبرات تحوطها صعوبات وإحباطات.

– الشهوات من أسباب المعاناة.

– الحل هو التخلص من الشهوات.

– الخلاص لا يتحقق إلا بالالتزام بثمانية آداب، وهي: العلم الصحيح، التطبيق، الكلام الحسن، التصرف السليم، الحياة الصحيحة، بذل الجهد، التفكير السليم، التركيز السليم.

ومن وصايا بوذا: لا تقتل، ولا تزنِ، ولا تسرق، ولا تتناول مسكرًا.

لا شك أن الهند لها مآثر علمية كثيرة, نقل ونهل منها المسلمون وغيرهم لمدة قرون؛ فلقد نقل البيروني اثنين وعشرين كتابًا من تراث الهند العلمي للغة العربية، وكان يحيط بعلوم الهند ولغتها، وعرف ما عندهم من العلم والمعرفة, واطلع على كتبهم في العلوم والرياضيات، ودرس جغرافية الهند. وصف البيروني في كتابه (تحقيق ما للهند من قولة مقبولة في العقل أو مرذولة) ثقافة الهند، فأشار إلى أن كتبهم في العلوم منظومة بأنواع من الوزن في ذوقهم، وقد قصدوا بذلك المحافظة عليها ليسهل حفظها؛ فإن تعويلهم على المحفوظ دون المكتوب، ومعلوم أن النظم لا يخلو من شوب التكلف لتسوية الأوزان، وتصحيح الانكسار، وجبر النقصان، ويحوج إلى تكسير العبارات.

وإذا أردنا أن نذكر بعض ملامح التربية في الحضارة الهندية، فإننا نجدها:

– أعطت اهتمامًا كبيرًا للتربية الروحية والأخلاقية والاجتماعية.

– اعتنت في مناهجها التعليمية بالفلسفة، والرياضيات، والطب، ودراسة النجوم.

– أعطت المعلم مكانة رفيعة.

– أخضعت المرأة لسلطان الرجل تمامًا ولم تنلْ حق التعلم.

– أَوْلت التربية بالترغيب عناية كبيرة؛ مما عزز مفهوم تقدير السلام والتسامح.

– استخدمت الحضارة الهندية الشعر في التعليم؛ لأنه أسهل في الحفظ, مما يدل على أن تاريخ المنظومات التعليمية ضارب في القدم.

– نشرت أفكار الزهد وإنكار الذات وهجر الملذات؛ مما أضعف النظرة الإيجابية نحو تعمير الحياة، كما انتشرت الخرافات في جميع طبقات المجتمع؛ فشاعت فكرة تناسخ الأرواح, وحرق الأموات، والتسليم للسحر، والإيمان بعدد كبير من الأرباب. ولا ريب أن مثل هذه المعتقدات من أهم المعوِّقات للعقل البشري، والمنهج العلمي، والتوحيد الديني. إن المجتمع الهندي القديم مجتمع محافظ, شديد الاعتزاز بتقاليده وطقوسه الدينية؛ مما يدل على تربية دينية مكثفة وصارمة، وقد أُهملت طبقة العبيد وعاشوا في منزلة وضيعة لأداء المهن الشاقة، وعلى نقيض ذلك كان وضع الكهان والأثرياء.

error: النص محمي !!