Top
Image Alt

الحقوق المشتركة بين الزوجين

  /  الحقوق المشتركة بين الزوجين

الحقوق المشتركة بين الزوجين

إذا كانت هذه حقوق كل من الزوجين على الآخر، فإننا لا ننسى أن هناك حقوقًا يشترك فيها الزوجان، ويؤديها كل واحد منهما للآخر، ومن هذه الحقوق: حق الاستمتاع، وثبوت النسب، وحرمة المصاهرة، وحسن المعاشرة، والتوارث، فلكلٍّ من الزوجين أن يستمتع بالآخر وهذا أيضًا من حسن العشرة، ولا يقال بأن هذا حق للزوجة فحسب، وعلى زوجها أن يؤدي لها هذا الحق، بل هو حق عليها لزوجها كذلك.

وهنا نجد كلامًا للأئمة والباحثين في تحديد المدة التي يحق للزوجة أن تطالب فيها بهذا الحق، وهل هي ما زاد على أربعة أشهر أو في كل طهر أو في ليلة من أربع ليالٍ؟ وأولى الآراء: أن ذلك لا ضابط له إلا الابتعاد عن قصد الضرر، وتعمد الحرمان، وعلى الزوج أن يجتهد في إعفاف زوجته بقدر طاقته. كما يسوقون كثيرًا من الأحاديث التي توجب على الزوجة أن تستجيب لزوجها, إذا ما دعاها لفراشه على أية حال كانت، وأنها إن أبت لعنتها الملائكة حتى تُصبح، ما دام ليس لديها مانع شرعي من حيض أو نفاس أو صيام فرض، أو ما إلى ذلك، وسواء كانت مشغولة بعمل أم لا, في ليل أو نهار.

ولكن ثقة التوجيهات النبوية والآيات القرآنية في هذا الأمر، وأن الزواج سكن ومودة ورحمة وعلاقة أبدية في الدنيا والآخرة، ترشدنا إلى ما يجب على الزوج إذا ما رغب في ذلك من التلطف والمداعبة؛ حتى لا يكون لقاء الرجل بامرأته وكأنه حالة اغتصاب وقهر, وقد قال بذلك أعداء الإسلام في مؤتمراتهم، وطالبوا بالتحرر من قيد الزواج لتكون العلاقة بين الذكر والأنثى بعيدة عن فراش الزوجية، ومن هنا كان البحث في هذه المؤتمرات عن حكم الإجهاض لو حملت المرأة من هذه العلاقة الفاسدة، التي لا يترتب عليها أي حق لطرف منهما على الآخر، وتؤدي إلى خراب الدنيا وفساد أجيالها وهدم بيوتها.

أما في الإسلام, فيستطيع كلٌّ من الزوجين أن يصل إلى ما يريد من صاحبه بالوسائل التي رسمها ديننا العظيم؛ ليكون لقاء الزوجين متعة وسعادة وأنسًا وودًّا وحبًّا، تتوثق به القلوب وتنمو به العواطف, وتحل به المشكلات، وينشأ في ظله الأبناء، ويبقى حنين كل منهما للآخر مشبوبًا، لا يؤدي كل منهما لصاحبه ما يؤديه على أنه حق شرعي يريد أن يتخلص منه، فيسلم جسده للآخر لقضاء وطره؛ وإنما هناك تعانق الأرواح وتلاقي القلوب، ولحظات الرضا التي تذوب فيها الهموم وتشفى بها الجروح وتستقيم بها الحياة، ويشرق دين الإسلام على أرض الله نورًا يشع في كل مكان وفي كل زمان، ليقول للدنيا: إن هذا هو المنهج الذي هو واحة الإنسانية، وإلا لفح الإنسانية هجير صحراء مجدبة يؤدي بهم إلى الهلاك.

وإذا كان هذا هو الحق الأول المشترك بين الزوجين, وهو حق الاستمتاع، فهناك حق ثانٍ وهو ثبوت النسب، إذا ما حملت الزوجة ووضعت حملها نُسب هذا المولود لأبيه، فيقال: هذا ولد فلان، كما يقال بأن هذه أُمه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الولد للفراش, وللعاهر الحَجَر)) أي: لمن يزني له الحجر, وهو حد الرجم. ومعناه: أن النسب إنما يثبت بعقد النكاح لا بمجرد اتصال رجل بامرأة، فولد الزنا لا نسب له، والزاني والزانية إن كانا محصنين لهما الحجر، أي: الرجم بالحجارة، والمسلمون يحفظون المولود من الزنا، ويقومون بتربيته، ولا يحاسب نفسيًّا ولا اجتماعيًّا، ولا في الدنيا ولا في الآخرة عما كان قد حدث في الحرام، فأدى إلى وجوده في هذه الدنيا، ومَن عيّره بذلك فهو قاذف يقام عليه حد القذف.

أيضًا يثبت بعقد النكاح حق ثالث وهو حرمة المصاهرة، وهذه الحرمة مترتبة على الدخول بعقد الزواج, ومن أمثلة ذلك:

المثال الأول: حرمة أم الزوجة بمجرد العقد على الزوجة.

ومثال الثاني: حرمة بنت الزوجة بالدخول بالزوجة، فالقاعدة: أن العقد على البنات يحرم الأمهات، والدخول بالأمهات يحرم البنات، كما قال تعالى في تحريم الزواج بهن: {وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} [النساء: 23].

ومن ذلك: تحريم الزواج من زوجة الابن، وتحريم الجمع بين المرأة وأختها، كما قال تعالى: {وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا} [النساء: 23]. وقد حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمع بين المرأة وعمتها, وبين المرأة وخالتها.

أما الحق الرابع فهو حق التوارث، فكل من الزوجين يرث صاحبه وفق قاعدة الإسلام في الميراث، والتي تقوم على أن الغُرْم بالغُنم، وما دام الإسلام قد حمّل الرجال مسئولية الإنفاق، فإنه بعدله أعطاهم في الميراث غالبًا ضعف ما أعطى النساء؛ يقول تعالى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء: 24].

يبقى لنا الحق الخامس وهو حسن المعاشرة، وحسن المعاشرة يعني: حسن الخُلُق مع الوثاق, واحتمال الأذى منهن؛ قال تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}. ومن المعلوم أن العقد الذي تم بين الزوج وزوجه ميثاق غليظ، كما قال تعالى: {وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء: 21].

وقال في المرأة, حين أوصى بالإحسان إلى من أوصى بهن في قوله: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ} [النساء: 36] قالوا: إن الصاحب بالجنب هي الزوجة.

ولعلنا نذكر أن آخر ما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الأخير, كان يقول: (((الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم، لا تكلفوهم ما لا يطيقون. الله الله في النساء؛ فإنهن عوانٍ في أيديكم -عوانٍ يعني: أسرى- أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله)) والأحاديث في هذا كثيرة.

وليس حسن الخلق مع الزوجة أن تكفّ الأذى عنها فقط، بل عليك أن تحتمل الأذى منها؛ اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كانت أزواجه يراجعنه الكلام، وتهجره الواحدة منهن يومًا إلى الليل، وراجعت امرأة عمر رضي الله عنها عمر في الكلام, فقال: “أتراجعينني؟! فقالت: إن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم يراجعنه وهو خير منك، فقال عمر: خابت حفصة وخسرت إن راجعته. ثم قال لحفصة: لا تغترّي بابنة ابن أبي قحافة -يقصد أبا بكر رضي الله عنه فإنها حِبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وخوّفها من المراجعة”.

وهذه أيضًا أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم في معاملته لنسائه؛ لتكون نبراسًا يهتدي به أهل الإسلام، فقد كان صلى الله عليه وسلم في معاملته لأهل بيته على أحسن حال، وهو القائل: ((أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وخياركم خياركم لنسائهم خلقًا)). وسُئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عما كان يصنع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته, فقالت: ((كان يكون في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة)).

وعن عروة قال: ((قلت لعائشة: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟ قالت: يخيط ثوبه، ويخصف نعله، ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم)).

وهذا أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: ((خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، والله ما قال لي “أف” قط، ولا قال لي لشيء: لِمَ فعلت كذا؟ وهلا فعلت كذا، وكانت الأمة من إماء أهل المدينة تأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنطلق به حيث شاءت)) مما يدل على تواضعه, وهو القائل: ((ما تواضع أحد لله, إلا رفعه)).

إذا كانت هذه هي معاملة رسول الله صلى الله عليه وسلم لخادمه وللإماء، فما بالكم بمعاملة رسول الله صلى الله عليه وسلم لزوجاته وأهل بيته؟!

إننا إذا نظرنا في كتب السيرة والحديث التي تحدثت عن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم نجد أن أمهات المؤمنين كنّ على درجة عالية من القرب من الله عز وجل، فكل واحدة منهن صوّامة قوّامة؛ ومن هنا كن جديرات بأن يكن أمهات للمؤمنين، وزوجات لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهذه صور جميلة من الملاطفة والدلال وحسن العشرة، نتعلمها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو ينادي السيدة عائشة بأحب الأسماء إليها، حيث يصغّر اسمها أو يرخّمه من باب المداعبة فيقول: ((يا عائش, هذا جبريل يقرئك السلام)), وكان يقول لها: ((يا حميراء))، والحميراء: تصغير حمراء, يراد بها البيضاء. وقال الذهبي: “الحمراء في لسان أهل الحجاز: البيضاء بحمرة، وهذا نادر فيهم”. وفي صحيح مسلم من حديث عائشة في الصيام, قالت: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقبل إحدى نسائه وهو صائم، ثم تضحك رضي رضي الله عنها)).

ومن هذه الصور العظيمة الجميلة التي تقرّب ما بين الزوجين: ما نقرؤه في قول الرسول صلى الله عليه وسلم حين يقول: ((وإنك مهما أنفقت من نفقة فإنها صدقة، حتى اللقمة التي ترفعها إلى في امرأتك)) اللقمة التي ترفعها بيدك إلى فم امرأتك هي لك صدقة، فكم تصنع هذه اللقمة في كسب القلوب، وليست المسألة مجرد كسب القلوب فقط، إنما هي صدقة يؤجر عليها الرجل، وهذا أمر يسير وسهل لمن أراد أن يحيا حياة إسلامية, عظيمة جميلة.

أيضًا, رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدر مشاعر الزوجة، ويظهر لها ما يحمله لها من حب، فقد سألت السيدة عائشة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم: ((كيف حبُّك لي؟ فقال عليه السلام: كعقدة الحبل، ثم سألته: كيف العقدة؟ فقال: على حالها)) أي: لم تتغير. والنبي صلى الله عليه وسلم يصف لعائشة رضي الله عنها حبه لها كعقدة الحبل، أي: إن الحب ما زال مربوطًا في قلبه.

فكمْ كانت السيدة عائشة سعيدة مسرورة, منشرحة الصدر بهذا القول من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قال لها بأنها فُضِّلت على النساء كتفضيل الثريد على باقي الطعام، فإظهار مشاعر المودة والمحبة للزوجة من حسن العشرة, التي يجب علي الأزواج أن يدركوها وأن يَعلموها.

ومن الأشياء التي هي من حسن العشرة: أن يتزين وأن يتجمل وأن يتطيب الرجل لزوجته؛ سئلت السيدة عائشة: بأي شيء كان يبدأ النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل بيته؟ قالت: ((بالسواك)), وكان يفعل ذلك ليستقبل زوجاته بالتقبيل وما إلى ذلك. وعند البخاري أن عائشة قالت: ((كنت أطيّب النبي صلى الله عليه وسلم بأطيب ما أجد، حتى أجد وبيص الطيب في رأسه ولحيته)).

وروى الإمام البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((كنت أُرَجِّل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا حائض)). فرسول الله صلى الله عليه وسلم في سنه وجلالة قدره وعظيم منزلته،  يجعل السيدة عائشة ترجل له شعر رأسه مع أنها تكون حائضًا, وهي تشير بذلك إلى عظمة الإسلام؛ لأن اليهود وقد كانوا يساكنون المسلمين في المدينة، كانت المرأة إذا حاضت لا يأكل معها الرجل ولا يبيت معها في فراشها، فجاء الإسلام بعكس ذلك، وفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نرى، فهل منا من يجعل زوجته ترجل له شعره, وما في هذا العمل من تقارب الأفئدة والأرواح؟ وما إلى ذلك؛ ولذلك كان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: “إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي، وما أحب أن أستنظف كل حقي الذي لي عليها، فتستوجب حقها الذي لها علي”. قال ابن عباس: “إني لأتزين لامرأتي كما تتزين لي؛ لأن الله تعالى يقول: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228]”.

ويذكر لنا التاريخ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو خليفة المسلمين: “أن رجلًا دخل عليه أشعث أغبر، ومع الرجل امرأته وهي تقول: “لا أنا ولا هذا””؛ لأنها لا تريده، تنفر من زوجها على هذا النحو… فأرسل عمر رضي الله عنه الزوج فاغتسل، وأخذ من شعر رأسه وقلم أظافره، فلما حضر أمره أن يتقدم مِن زوجته فنفرت منه لأنها لم تعرفه, ثم عرفته فقبلت به ورجعت عن دعواها، فقال عمر: “هكذا فاصنعوا لهن، فوالله إنهن ليحببن أن تتزينوا لهن، كما تحبون أن يتزينَّ لكم”.

قال يحيى بن عبد الرحمن الحنظلي: “أتيت محمد ابن الحنفية، فخرج إليّ في ملحفة حمراء، ولحيته تقطر من الغالية -والغالية خليط من الطيب، فالخليط أفضل الطيب- يقول يحيى: فقلت له: ما هذا؟ قال محمد: إن هذه الملحفة ألقتها عليّ امرأتي، ودهنتني بالطِّيب، وإنهنّ يشتهِين منّا ما نشتهيه منهن”. فالمرأة تريد من الرجل أن يتجمل وأن يتزين، فهذا من العشرة التي أمر الله بها حين قال: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}.

ومن أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان دائم البِشر، جميل العشرة، يداعب أهله ويتلطف بهم ويضاحك نساءه، وكان يسابق السيدة عائشة رضي الله عنها في البرّيّة في بعض أسفاره؛ يتودد إليها بذلك. تقول: ((سابقني رسول الله فسبقته، وذلك قبل أن أحمل اللحم، ثم سابقته بعدما حملت اللحم فسبقني، فقال: هذه بتلك)), وكم في ذلك من مداعبة لطيفة!

وكان صلى الله عليه وسلم يجمع نساءه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها، فيأكل معهن العشاء في بعض الأحيان، ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها، وكان ينام مع المرأة من نسائه في شعار واحد، وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلًا قبل أن ينام، يؤنسهم بذلك صلى الله عليه وسلم، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم معيار خيرية الرجال في حسن عشرة الزوجات، حيث قال: ((خيركم خيركم لأهله, وأنا خيركم لأهلي)).

وسأل عمرو بن العاص رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلًا: ((يا رسول الله، من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة. قال: مِن الرجال؟ قال: أبوها)) رواه الترمذي. ونحن نتذكر ما كان من أمر عائشة رضي الله عنها وأنها قالت: ((كنت ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه وسلم وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل يَنْقَمِعْن -أي: يتغيبن منه- فيُسَرِّبهن إليّ, فيلعبن معي)).

وقصتها في رؤية من كانوا يلعبون في المسجد من الأحباش, دليل على حسن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وحسن معاشرته. تقول رضي الله عنها: ((لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم على باب حجرتي، والحبشة يلعبون بحرابهم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه؛ لكي أنظر إلى لعبهم، ثم يقوم من أجلي حتى أكون أنا التي أنصرف. فاقْدُروا قدر الجارية الحديثة السن, الحريصة على اللهو)).

ومن حسن معاشرته صلى الله عليه وسلم ما نقرؤه في سنته صلى الله عليه وسلم، من قول عائشة: ((كنت أشرب وأنا حائض ثم أناوله -أي: أناول الرسول صلى الله عليه وسلم القدح, فيضع فاه على موضع فيّ فيشرب، وأتعرق العِرْق وأنا حائض ثم أناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع فيّ)), وكم في هذا من إيناس ومن رحمة, ومن لطف من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة: ((إني لأعلم إذا كنتِ عني راضية, وإذا كنت عليَّ غضبى. قالت: فقلت: من أين تعرف ذلك؟ فقال: أما إذا كنت عني راضية فإنك تقولي: لا ورب محمد، وإذا كنت غضبى قلت: لا ورب إبراهيم. قالت: قلت: أجل والله يا رسول الله، ما أهجر إلا اسمك)) صلوات الله وسلامه على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي وفاء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لخديجة رضي الله عنها تقول السيدة عائشة: ((ما غِرتُ على امرأة لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما غرت على خديجة؛ لكثرة ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها, وثنائه عليها)).

ومن صور وفائه مع زوجاته؛ أنه صلى الله عليه وسلم لما نزلت عليه آية التخيير: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلاً} [الأحزاب: 28] بدأ بعائشة, وقال لها: ((إني ذاكر لكِ أمرًا, فلا عليك ألا تعجلي حتى تستأمري أبويك)) خشية منه صلى الله عليه وسلم أن تختار زينة الحياة الدنيا لصغر سنها، فتخسر الخير الكثير في الدنيا والآخرة، لكنها رضي الله عنها كانت أحرص على خير نفسها من أبويها، فقالت للنبي صلى الله عليه وسلم: “أفي هذا أستأمر أبوي؟! فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة”.

ثم استقرأ صلى الله عليه وسلم الحُجَر، أي: حجرات أمهات المؤمنين، يخبر نساءه ويقول لهن: ((إن عائشة رضي الله عنها قالت كذا وكذا, فقلن: ونحن نقول مثل ما قالت عائشة)) -رضي الله عنهن- كلهن.

ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، كما قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21]. فأفعاله وأقواله, وتقريراته, وصفاته تشريع لأمته وهدي كريم، يجب على أهل الإسلام أن يلتزموا به في حياتهم؛ لتطيب حياتهم وعشرتهم لزوجاتهم، ولتحيا بيوتهم في جو من الأمان والاستقرار.

error: النص محمي !!