Top
Image Alt

الحقيقة، وأقسامها

  /  الحقيقة، وأقسامها

الحقيقة، وأقسامها

الحقيقة في اللغة:

يقول ابن فارس: من قولنا: حق الشيء إذ وجب، واشتقاقه من الشيء المحق، وهو المحكم، تقول: ثوبٌ محقق النسج، أي: محكم، وقال غيره: اشتقاقها من الاستحقاق لا من الحق، وإلا لكان المجاز باطلًا، وتطلق الحقيقة ويراد بها ذات الشيء وماهيته، كما يقال: حقيقة العالم من قام به العلم، وحقيقة الجوهر المتحيز، وهذا محل نظر المتكلمين، وتطلق بمعنى اليقين، وفي الحديث: ((لا يبلغ عبدٌ حقيقة الإيمان))، وفي الحديث أيضًا عندما قال له أحد أصحابه: ((إني أصبحت بالله مؤمنًا حقًّا يا رسول الله؛ فقال له الرسول صلى الله عليه  وسلم: إن لكل حقٍّ حقيقة فما حقيقة إيمانك؟))، وهذا المعنى ليس غرضنا.

وقد تطلق الحقيقة ويراد بها المستعمل في أصل ما وضعت له في اللغة، وهو مرادنا هنا، وقد منع قومٌ أن يكون قولنا حقيقة ينطلق على ما عدا هذا؛ لأن معنى الحقيقة لا يصح إلا فيما يصح فيه المجاز، حكاه القاضي عبد الوهاب، وزيّفه بأن اللغة لا تمنع، وقد بينا للحقيقة فيها استعمالات، ولأن من الكلام ما هو حقيقة، وإن لم يصح المجاز فيه، فقولنا: “المستعمل” خرج به اللفظ قبل الاستعمال، فليس بحقيقة ولا مجاز، وقولنا: “ما وضع له” أخرج المجاز إن قلنا: إنه ليس بموضوع، فإن قلنا: موضوع، قلنا: وضع أولًا.

وهل إطلاقها -أي: إطلاق الحقيقة- بهذا الاصطلاح حقيقة أو مجازًا؟ اختلفوا فيه؛ فذهب الإمام الرازي وأتباعه إلى أنه مجاز؛ لأن الحقيقة “فعيلة” من الحق إما بمعنى الفاعل أي: الثابت؛ ولهذا دخلت التاء، وإما بمعنى المفعول أي: المثبت، وعلى هذا فدخول التاء فيها لنقل الاسم من الوصفية إلى الاسمية، والحق أنها إن كانت بمعنى الفاعل فهي على بابها للتأنيث، وإن كانت بمعنى المفعول فيحتمل أنها للتأنيث والتاء لنقل الاسمية.

يقول السكاكي: هي عندي للتأنيث في الوجهين لتقدير لفظ الحقيقة قبل الاسمية صفة مؤنث غير مجاراة على الموصوف وهو الكلمة، ثم نقلت إلى الاعتقاد المطابق، ثم من الاعتقاد إلى اللفظ المستعمل فيما وضع له تحقيقًا لذلك الوضع، فظهر أن إطلاق لفظ الحقيقة على هذا المعنى المعروف ليس حقيقة لغوية، بل مجازًا واقعًا في المرتبة الثالثة، والذي يقتضيه إطلاق أكثر الأصوليين أنه حقيقة، وهو الذي يظهر ترجيحه بهذا المعنى، ويدل عليه كلام أهل اللغة.

قال ابن سِيده في (المحكم): الحقيقة في اللغة ما أقر في الاستعمال على أصل وضعه، والمجاز بخلاف ذلك، وحكاه في (المحصول) عن ابن جني، وقال: إنه غير جامع لخروج الشرعية والعرفية، وهو غير وارد؛ لأن كلامه كالمصرح بأن المراد اللغوية فقط، والظاهر أن مراده لفظ الحقيقة لا المعنى، ثم تعداد هذه المراتب وجعله مجازًا في المرتبة الثالثة لا ضرورة إليه، ولم لا يكون نقل من أول وهلة إلى المقصود والعلاقة موجودة؟ ثم إن دعوى المجاز في لفظي الحقيقة والمجاز إنما هو بحسب الوضع اللغوي، ولا إشكال في أنهما صفتان عرفيتان.

هل يجب العمل بالحقيقة؟

حكم الحقيقة وجوب العمل بها عند استعمال اللفظ في حقيقته من غير بحث عن المجاز، وادّعى بعض العلماء فيه الإجماع، وأنه لا يتخرج على الخلاف الآتي في العام من العمل به قبل البحث عن المخصص، ولعل الفرق بين العام والحقيقة أن احتمال وجود المخصص أقوى؛ إذ ما من عام إلا وقد تطرق إليه التخصيص، كما قال بذلك إمام الحرمين -رحمه الله.

لكن صرح القرافي بأن المسألتين -هو العمل بالحقيقة، والعمل بالعام- على السواء في جريان الخلاف، ويقويه إذا قلنا: إن المجاز غالبٌ في اللغات، وقال سليم الرازي في (التقريب): أما الحقائق فيمكن أن يقال: لا تحمل على مسمياتها حتى ينظر هل هناك ما يعدل به عن حقيقته، ويمكن أن يفرق بينهما بأنها إذا عدلت عن مقتضاها حملت على المجاز، وقيل: العموم إذا حمل على الخصوص لم يحمل على المجاز.

أقسام الحقيقة:

يقول صاحب (شرح الكوكب المنير): وهي أقسام:

الأول: لغوية، بمعنى أنها منسوبة إلى اللغة، وهي من حيث نسبتها إليها بالنسبة إلى العرفية والشرعية الأصل -أي: الأسبق- كأسد وأعلامها كأسامة.

والقسم الثاني: حقيقة عرفية، وهي قولٌ خُصّ عرفًا، أي: في العرف ببعض المسميات، وإن كان وضعها للجميع حقيقة، ثم اعلم أن الحقيقة العرفية إما أن تكون عامة، وهي أن لا يختص تخصيصها بطائفة دون أخرى كدابة، فإن وضعها بأصل اللغة لكل ما يدب على الأرض من ذي حافر وغيره، ثم هجر الوضع الأول وصارت في العرف حقيقة للفرس، ولكل ذات حافر، وكذا ما شاع استعماله في غير موضوعه اللغوي كالغائط، والعذرة، والراوية، فإن حقيقة الغائط: المطمئنُ من الأرض، والعذرة: فناءُ الدار، والراوية: الجمل الذي يستقى عليه، أو تكون خاصة، وهي ما خصته كل طائفة من الأسماء بشيء من مصطلحاتهم كمبتدأ وخبر، وفاعل ومفعول، ونعت وتوكيد في اصطلاح النحاة، ونقد، وكسر، وقلب في اصطلاح الأصوليين، وغير ذلك مما اصطلح عليه أرباب كل فنٍّ.

القسم الثالث: حقيقة شرعية واقعة منقولة، وهي ما استعمله الشرع كلفظة صلاة للأقوال والأفعال، وكاستعمال أيضًا لفظة إيمان لعقد بالجنان، ونطق باللسان، وعمل بالأركان؛ فدخل كل الطاعات، وهما -أي: الصلاة والإيمان- لغة -أي: في اللغة-: الدعاء، والتصديق بما غاب، يعني: أن الصلاة في اللغة الدعاء، والإيمان في اللغة التصديق بما غاب، ويجوز الاستثناء فيه -أي: في الإيمان- بأن تقول: أنا مؤمن إن شاء الله، نص على ذلك الإمام أحمد والإمام الشافعي -رحمهما الله تعالى- وحكي عن ابن مسعود رضي الله  عنه أنه قال مثل ذلك.

وقال ابن عقيل: يستحب ولا يقطع لنفسه، ومنع ذلك الإمام أبو حنيفة -رحمه الله- وأصحابه والأكثر؛ لأن التصديق معلوم لا يتردد فيه عند تحققه، ومن تردد في تحققه لم يكن مؤمنًا، وإن لم يكن للشك والتردد فالأولى أن يقول: أنا مؤمن حقًّا دفعًا للإيهام.

واستدل للقول الأول -الذي يقول بجواز الاستثناء- بأدلة:

الأول: أن الاستثناء للتبرك بذكر الله تعالى، والتأدب بإحالة المأمور إلى مشيئة الله تعالى، والتبري من تزكية النفس والإعجاب بحالها.

الثاني: أن التصديق الإيماني المنوط به النجاة أمرٌ قلبيٌّ خفيٌّ، له معارضاتٌ خفية كثيرة من الهوى والشيطان والخذلان، فالمرء وإن كان جازمًا بحصوله لكنه لا يأمل أن يشوبه شيء من منافات النجاة، ولا سيما عند تفاصيل الأوامر والنواهي الصعبة المخالفة للهوى، والمستلذات من غير علم له لذلك؛ فلذلك يفوض حصوله إلى مشيئة الله تعالى.

الثالث: أن الإيمان ثابت في الحال قطعًا من غير شكٍّ فيه، ولكن الإيمان الذي هو علمُ الفوز وآية النجاة إيمان الموافاة، فاعتنى السلفُ به وقرنوه بالمشيئة، ولم يقصدوا الشك في الإيمان الناجز.

وأما الإسلام، فلا يجوز الاستثناء فيه، بأن يقول: أنا مسلم -إن شاء الله- بل يجزم، قاله ابن حمدان في (نهاية المبتدئين)، وقيل: يجوز إن شرطنا فيه العمل، وقد تصير الحقيقة اللغوية -وهي وضع الدابة لكل ما دب- مجازًا في العرف، يعني: أنا إذا أطلقنا الدابة في العرف لكل ما دبّ كان ذلك مجازًا فيه، وبالعكس، أي: وقد يصير المجاز -وهو إطلاق الدابة على ذوات الأربع في اللغة- حقيقةً في العرف، والمجاز وزنه “مفعل” من الجواز، وهو العبور والانتقال، وسيأتي تعريفه -إن شاء الله تعالى- بعد قليل.

يقول الإمام الزركشي -رحمه الله-: إن الحقيقة اللغوية هي التي عليها جُلُّ الشريعة عند قوم من العلماء، وهم المثبتون للنقل الشرعي والعرفي، أو كلها عند آخرين، وهم النافون للنقل الشرعي والعرفي، فيقولون: إن جميع ما ورد في الشرع بحروف اللغة ونظمها، والمقصود به من نطق الشرع هو المقصود عندهم، ثم لا خلاف في إمكانها ووقوعها في المعنى الواحد، أي: الحقيقة الشرعية، وأما المفيدة للشيء وخلافه على طريق الاشتراط فمنعه قوم، وقال بعضهم: يمكن النزاع في الحقائق اللغوية بأن يقال: إنها انتسخت وصارت الألفاظ بأسرها شرعية أو عرفية لكثرة النقل والتغيير في انتقالات الشرع والعرف، وعلى هذا يجب تتبع الحقائق الشرعية إن وجدناها في ألفاظ الخطاب، فإن لم نجدها فالحقائق العرفية.

وأما ما ينقل من واضعي اللغات فلا يجوز العمل به؛ لأنها تغيرت وانتسخت، فلا يخاطبنا الشرع بها، والجواب: هذا ممنوعٌ بإجماع الأمة على الوقوع لنقل اللغة في مدلولات الألفاظ الشرعية كما في الأمر بالوضوء عند الأكل، وبالصلاة لمن دُعي إلى وليمة وهو صائم… وغير ذلك، وأما العرفية فكما سبق أن أوضحنا معنى العرفية.

وزاد الأمر إيضاحًا الإمام القاضي أبو بكر في (التقريب)؛ فقال: إن العرفية معنى وصف الاسم بأنه عرفيٌّ أن المفهوم من إطلاقه بغلبة الاستعمال في بعض ما وضع له أو غيره مجازًا لا حقيقة، والدليل على أن هذا المعنى عرفي: أنه لا يجوز أن يكون معناه أنه ابتدئ وضعه لما جرى عليه؛ لأن ذلك يقتضي أن يكون جميع الأسماء عرفية، ولا يجوز أن يكون معناه أنها أسماء مجردة مبتدئة؛ لأن ذلك سبيل سائر الأسماء اللغوية، ولا يصح أن يكون معناه أنها أسماء ابتدأها ووضعها غير أهل اللغة من العلماء بضروب العلامات، ولا يمكن أن يكون أنه نقل عن معناه إلى غيره؛ لأن ذلك هو المجاز، وتسميته مجازًا أحق وأولى.

أما الحقيقة الشرعية، فهي تنقسم إلى أربعة أقسام:

القسم الأول: أن يكون اللفظ والمعنى معلومين لأهل اللغة لكنهم لم يضعوا ذلك الاسم لذلك المعنى.

القسم الثاني: أن يكونا غير معلومين لهم.

القسم الثالث: أن يكون اللفظ معلومًا لهم، والمعنى غير معلوم.

القسم الرابع: عكسه.

والمنقولة الشرعية أخص من الحقيقة الشرعية، ثم من المنقولة ما نقل إلى الدين وأصوله كالإيمان، والإسلام، والكفر، والفسق، وتخص بالدينية، وما نقل إلى فروعه كالصلاة، والزكاة، وتختص بالفرعية.

يقول الصفي الهندي: وهذه الأقسام الأربعة الأشبه وقوعها، أما الأول فكلفظ “الرحمن” لله، فإن هذا اللفظ كان معلومًا لهم، والثاني كأوائل السور “حم”، و”الم”… إلى آخره، والثالث كلفظ “الصلاة” و”الصوم”، والرابع كلفظ “الأبّ”؛ ولهذا لما نزل قول الله تعالى: {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} [عبس: 31]، قال عمر: “ما الأب؟”، والنزاع في الكل على السواء.

واعلم أن هذا القسم ذكره الإمام الرازي في (المحصول) فتابعوه، وإنما ذكره صاحب (المعتمد) على أصل المعتزلة، وكذلك التفسير الشرعي بما سبق، وهو ماشٍ على مذهبهم الآتي.

هل الحقيقة الشرعية ممكنة عقلًا؟

يقول الإمام الآمدي -رحمه الله-: هناك إجماع على إمكان الحقيقة الشرعية، وأن الخلاف، إنما هو في الوقوع وليس كذلك، أي: أن الأمر ليس كذلك، فقد اختلفوا في الإمكان وقد اختلفوا في الوقوع، ففي (شرح العمد) لأبي الحسين عن قوم إنكار إمكانها؛ فقال: وقد أبَى قوم جواز ذلك، واختلف تعليلهم، فَعِلّةُ بعضهم دالة على أنه منع من إمكان ذلك، وعلة الآخرين دالة على أنهم منعوا من حسنه.

وممن حكى الخلاف أيضًا الإمام ابن برهان في كتابه (الأوسط في أصول الفقه) فقال: وأما إمكان نقل الأسماء أو نقلها من اللغة إلى الشرع فقد جوزه كافة العلماء ومنعه طائفة يسيرة، وبناء المسألة على حرف واحد، وهو أن نقلها من اللغة إلى الشرع لا يؤدي إلى قلب الحقائق، وعنده يؤدي.

الثالث: إذا ثبت إمكان الحقيقة الشرعية، فهو حسن وليس بقبيح، وإنما هو بمثابة النسخ في الأحكام الشرعية فإنه يجوز نسخها وتبديلها باعتبار المصالح، ويكون ذلك حسنًا، فلأن يحسن ذلك في الأسامي أولى، وقيل: وإن جاز عقلًا لكنه لا ينتقل؛ لأنه قبيح لإفضائه إلى إسقاط الأحكام الشرعية، وهو لا يجوز إلا بالنسخ، ذكره ابن برهان.

هل وقع النقل من اللغة إلى الشرع؟

فيه مذاهب:

– المذهب الأول: أنها ليست بواقعة مطلقة -أي: أن الحقيقة الشرعية ليست بواقعة مطلقة- سواء الدينية، وهي المتعلقة بأصول الدين كالإيمان والكفر، والفرعية وهي المتعلقة بالفروع. يقول الإمام المذري في (شرح البرهان): وهو رأي المحققين من أئمتنا الفقهاء والأصوليين، وهو قول القاضي أبي بكر، والإمام أبي ناصر بن القشيري، ونقله عن أصحابنا فقال: وقال أصحابنا: لم ينقل الشرع شيئًا من الأسامي اللغوية، بل النبي صلى الله عليه  وسلم كلم الخلق بلسان العرب، وإلى هذا مال القاضي أبو بكر الباقلاني.

ونقله الأستاذ أبو منصور عن القاضي أبي حامد المروزي، والشيخ أبو الحسن الأشعري؛ فقال: أجمع أصحاب الشافعي على أنه قد نقل بالشرع أسماء كثيرة عن معانيها في اللغة إلى معانٍ سواها، إلا أبا حامد المروزي فإنه زعم أن الأسامي كلها باقية على مقتضاها في اللغة قبل الشرع، وبه قال أبو الحسن الأشعري، ومثال ذلك: الإيمان في اللغة بمعنى التصديق، وقد صار بالشرع عند أصحاب الشافعي اسمًا لجميع الطاعات، وعند الأشعري أنه الآن أيضًا بمعنى التصديق، وكذلك الصلاة والحج والعمرة أسماء لأفعال مخصوصة زائدة على ما كان مفعولًا منها في اللغة قبل الشرع عندنا، وهي عند الأشعري ثابتة على ما كان عليه قبل الشرع إلا أنها لا يحتسب بها إلا إذا أتى بها على الشروط التي علقتها الشريعة بها.

وكذلك حكاه عن الأشعري الأستاذ أبو بكر بن فورك في جزء جمعه في بيان الإسلام والإيمان؛ فقال: واختلفوا في مسألة الإيمان هل نقلت الشريعة أسماء اللغة عن موضوعاتها إلى غيرها، فمنهم من قال: إنها نقلت، وإن من ذلك الإيمان فإنه لغة التصديق، وإنما قيل في الشريعة للطاعات كلها إيمان، وذلك شرعي لا لغوي، وكذلك لفظ الصلاة، والزكاة، والحج، والوضوء، فجميعه منقول عن اللغة، وأنه لا إيمان إلا بتصديق، وأنه لا تصديق إلا بإيمان، وقال أبو الحسن الأشعري: إن الصلاة لغة الدعاء، والحج القصد، والزكاة النماء، والوضوء النظافة، ولكن الشرع أتى بفعلها على وجه دون وجه.

وفرق أبو الحسن بين الإيمان والإسلام؛ فقال: كل إيمان إسلام، وليس كل إسلام إيمان، وقال: إن الإسلام هو الاستسلام والانقياد والمتابعة لله في طاعته والإيمان به، وهو الاستسلام له بالتصديق بالقلب، وقال: إن المنافق مسلم غير مؤمن؛ لأنه مستسلم في الظاهر غير مصدق في الباطن؛ ولذلك قال الله تعالى: {قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات: 14]، ففرق بين الإسلام والإيمان، ثم إن النافون للحقيقة الشرعية اختلفوا على مذهبين:

أحدهما: إنها مقرة على حقائق اللغات لم تنقل ولم يزد في معناها، ونقله إمام الحرمين وابن السمعاني عن القاضي أبي بكر.

الثاني: أنها أقرت وزيد في معناها في الشرع، ونقله عن طائفة من الفقهاء. يقول الإمام الزركشي: وهو ما نصه ابن فورك في كتابه فقال: وليس ذلك بنقل الاسم عن اللغة إلى الشرع، وإنما هو إبانة موضع ما أريد بإيقاعه فيه، فالصلاة في اللغة من معانيها الدعاء، ولم يخرج بالشرع عن معناه، بل أتى بوضعه الذي جعل فيه فقيل: ادع على صفة كذا، ولا يتغير معنى الاسم بذلك.

ويخرج من أدلتهم مذهب ثالث، وهو: التفصيل بين أن يتعلق بالاسم فرض، فلا يجوز نقله عن معناه؛ لأن النقل يؤدي إلى تغيير الأحكام وبين أن لا فلا يمتنع، وقد سبق نقله صريحًا في الحقيقة الشرعية، ولا شك أن قائله يطرده ها هنا.

– المذهب الثاني: يرى الجمهور أنها واقع، وهو قول جمهور الفقهاء والمعتزلة كما قال أبو الحسين في (المعتمد)، واختلف هؤلاء في كيفية وقوعها على مذهبين:

الأول: أنها حقائق وضعها الشرع مبتكرة، لم يلاحظ فيها المعنى اللغوي أصلًا، وليس للعرب فيها تصرف، وهو مذهب المعتزلة، قالوا: وتارة يصادف الوضع الشرعي علاقة بينه وبين المعنى اللغوي فيكون اتفاقيًّا غير ملتفت إليه، وتارة لا يصادفه، وقالوا: نقل الشارع هذه الألفاظ من الصلاة والصيام وغيرهما من مسمياتها اللغوية وابتداء وضعها لهذه المعاني، فليست حقائق لغوية ولا مجازات عنها.

الثاني: هي أنها مأخوذة من الحقائق اللغوية على سبيل المجاز بأن يكون استُعير لفظها للمدلول الشرعي لعلاقة، وهذا ما اختاره الإمام الرازي في (المحصول)، وهو في الحقيقة توسط بين المذهبين الأولين.

والتحقيق أن الموضوعات الشرعية مسميات، لم تكن معهودة من قبل، فلا بد من أسماء تعرف بها تلك المسميات، وعند هذا لا بد من الجواب عن شبهة المعتزلة، فإنهم يقولون: هذا وضع ابتداء من قبل الشرع.

ونحن نقول في الجواب: جعله عرفيًّا على مثال أهل العرف أولى لوجهين:

الوجه الأول: أن الشارع يضع الشرعيات أبدًا على وزن العرفيات حتى تكون الطباع أقبل عليها.

والوجه الثاني: أن اللفظ أطلق وأمكن اعتباره على الوجه الذي ذكرناه فوجب حمله عليه؛ لأنه الأصل. هذا هو التقرير.

ومن فوائد هذا الخلاف: أنه هل يحتاج المعنى الشرعي إلى علاقة أم لا؟ فعلى الأول: لا يحتاج، وعلى الثاني: يحتاج.

error: النص محمي !!