Top
Image Alt

الحكاية عن النبي صلى الله عليه وسلم

  /  الحكاية عن النبي صلى الله عليه وسلم

الحكاية عن النبي صلى الله عليه وسلم

مسألة الحكاية عن النبي صلى الله عليه  وسلم بلفظ عام:

يقول الإمام الطوفي -رحمه الله تعالى- في هذه المسألة: قول الصحابي: ((نهى رسول الله صلى الله عليه  وسلم عن المزابنة)) وقوله أيضًا: ((قضى رسول الله صلى الله عليه  وسلم بالشفعة)) يعم، خلافًا لقول، أي: أن قول الراوي: نهى وقوله: قضى، يقتضي العموم أي: أنه يصح التمسك به في عموم أمثال تلك القضية المحكية، نحو: ((نهى عن بيع الغرر))، و((قضى بالشفعة))، ((وحكم بالشاهد واليمين))، وقد خالف في ذلك قوم؛ منهم إمام الحرمين والإمام فخر الدين الرازي، وأكثر الأصوليين فيما حكاه الآمدي، واختار هو صحة الاحتجاج به على العموم.

والدليل على صحة التمسك به في العموم: أن الصحابة رضي الله  عنهم وغيرهم من السلف أجمعوا على التمسك في الوقائع بعموم هذا اللفظ في الأمر والنهي والترخيص، نحو أمر رسول الله صلى الله عليه  وسلم بوضع الجوائح، ورجع ابن عمر إلى حديث رافع بن خديج رضي الله  عنهما: ((نهى رسول الله صلى الله عليه  وسلم عن المخابرة))، وأخذ الصحابة رضي الله  عنهم بحديث: ((نهى رسول الله صلى الله عليه  وسلم عن المزابنة والمحاقلة))، و((عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه))، وعملوا أيضًا بحديث زيد: ((رخص رسول الله صلى الله عليه  وسلم في العرايا)) وأشباه ذلك كثير.

كل هذه الوقائع تدل على صحة التمسك بهذه الأخبار المحكية عن رسول الله صلى الله عليه  وسلم فهنا يشبه إجماعًا على ذلك، وهذا دليل على صحة التمسك به في العموم.

أما مَن منعَ العموم في هذه الصيغ فقد قالوا في هذا المنع: إنها قضايا الأعيان فلا تعم، ثم يحتمل أنه خاص، فوهم الراوي، والحجة في المحكي لا في لفظ الحاكي، هذا هو دليل من منع العموم.

تقرير هذا الدليل: أن هذا الأمثلة التي ذكرتموها إنما هي قضايا أعيان، أي: قضايا أحكام وقعت من النبي صلى الله عليه  وسلم في محال معينة، فحكاه الرواة عنه فلا عمومَ في لفظها ولا معناها، فلا تقتضي العموم. ثم إن الخطاب أو الحكم في تلك الوقائع يحتمل أنه كان خاصًّا بشخص فوهم الراوي فظن أنه عام كما قد ثبت أن النبي صلى الله عليه  وسلم جعل شهادة خزيمة بن ثابت بشهادة رجلين، ولم يجز التمسك به في العموم، وإذا احتمل ما ذكرناه لم يصح التمسك به في العموم مع تعارض الاحتمال، وهو قول النبي صلى الله عليه  وسلم أو فعله نحو: أمر وقضى وحكم، وذلك لا عمومَ فيه؛ لأن الإخبار عن ذلك يصدق وقوعه مرة واحدة، أي: يصح فيمن أمر مرة واحدة أن يقال له: أمر، وفيمن حكم مرة واحدة أو قضى مرة واحدة أن يقال له: حكم وقضى، وحينئذٍ لا يبقى على العموم دليلٌ.

وجواب هذا الدليل أن يقال: قولكم قضايا أعيان فلا تعم، قلنا: قضايا الأعيان تعم بما ذكرناه من إجماع السلف على التمسك بها في العموم، وأيضًا تعم بقوله صلى الله عليه  وسلم: ((حكمي على الواحد حكمي على الجماعة)).

أما قولكم: يحتمل أن الخطاب خاص، فوهم الراوي فظنه عامًّا، قلنا: الأصل عدم الوهم، والظاهر من الصحابي العدل العارف بدلالات الألفاظ ألا ينقل ما يشعر بالعموم إلا وهو عالِم بوجود العموم، وإلا كان مدلسًا ملبسًا في الدين، وهو بعيد عنه جدًّا، وبهذا يسقط قولهم: الحجة في المحكي لا في لفظ الحاكي، بل الحجة في عموم لفظ الحاكي كما سبق في المسألة التي قبلها: من أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

لكن للخَصم أن يقول: عموم اللفظ معتبر إذا كان لفظ الشارع، وها هنا ليس كذلك، بل هو لفظ الحاكي عن الشارع، وهذا فَرْق صحيح فالأولى ما ذكرناه قبل من أن عمومَ لفظ الحاكي معتبر؛ لأن الظاهر أنه فَهِمَ العموم وإلا كان ملبسًا.

وليس ها هنا احتمال لا في فَهم الراوي العموم من الخطاب الخاص، ولا في لفظه من وجهين:

أحدهما: الإجماع المذكور من السلف على التمسك به في العموم، وذلك ينفي الاحتمال أو ينفي كونه معتبرًا، وإلا وقع الخطأ في الإجماع.

الثاني: أن الأصل عدم الاحتمال، وهذا معنى قوله: ولا احتمال للإجماع المذكور، ولأصالة عدمه، أي: عدم الاحتمال.

أثناء البحث في هذه المسألة وقع ما يشعر بأن النزاع فيه لفظي من جهة أن المانع للعموم ينفي عموم لفظ الصيغ المذكورة، نحو: أمر وقضى وحكم وهو صحيح، والمثبت للعموم يثبته فيه من دليل خارج وهو إجماع السلف على التمسك بها، وقوله صلى الله عليه  وسلم: ((حكمي على الواحد حكمي على الجماعة)) فظهر أن دليل الخصمين ليس متواردًا على محل واحد، والأقرب أن يقال: إن التعميم في المسألة حاصل بطريق القياس الشرعي، كما قاله أبو زيد الدبوسي في كتابه (تقويم الأدلة)، وبيانه: أنَّا إذا رأينا النبي صلى الله عليه  وسلم قد حكم بحكم أو قضى بقضاء في واقعة معينة، ثم حدثت لنا واقعة مثلها، قلنا: الحكم فيها كذا؛ لأن النبي صلى الله عليه  وسلم حكم في واقعة كذا وهذه الواقعة مثلها. فليكن الحكم فيها كذلك؛ لأن حكم المثلين واحد، أما أن يكون قضاؤه صلى الله عليه  وسلم بحكم في واقعة معينة منزل منزلةَ قوله: هذا الحكم هو حكم الله في هذه الواقعة ونظائرها، أو كلما وقعت هذه الواقعة فاحكموا فيها بهذا الحكم، فهذا بعيدًا جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب.

يقول الإمام ابن النجار -رحمه الله تعالى- في كتابه (شرح الكوكب المنير): فائدة: نحو قول الصحابي: ((نهى عن بيع الغرر))، وقوله: ((قضى رسول الله صلى الله عليه  وسلم بالشفعة للجار))، يعم كل غرر ويعم كلَّ جار، وخالف في ذلك أكثر الأصوليين.

لنا: أن الصحابي الراوي عدل عارف باللغة، فالظاهر أنه لم ينقل صيغة العموم -وهي الجار والغرر- لكونهما معرفين بلام الجنس، إلا إذا علم أو ظنَّ صيغة العموم، وإذا كان كذلك في الظاهر أنه سمع صيغة العموم، وإذا كان كذلك، كان الظاهر من حاله الصدق فيما فعله، فيجب اتباعه.

واحتج الخَصم -أي: الذين قالوا بأن مثل هذه الصيغ لا عموم فيها- لأنه حكاية الراوي، وحينئذ هذه الحكاية تحتمل أن يكون خاصًّا بأن رأى النبي صلى الله عليه  وسلم بأنه نهى عن غرر خاص، أو قضى لجار خاص، فنقل صيغة العموم لظنه عموم الحكم، وهذا يكون مخالفًا للواقع ونفس الأمر؛ لأن الرسول نهى عن غرر خاص، وحكم لجار خاص، والراوي رواها على أنها عامة بكل غرر وبكل جار. ويحتمل أيضًا أن يكون سمع صيغة خاصة فتوهم أنها عامة، الصحابي يكون توهم أن هذه الصيغة التي هي في الواقع ونفس الأمر خاصة، توهم أنها عامة، فنقلها على أنها عامة، وحينئذٍ فلا يمكن الاحتجاج به؛ لأن الاحتجاج بالمحكي لا بالحكاية. أي: أن الاحتجاج يكون بالمتن المحكي، وليس بنفس الحكاية، إلا إذا طابقت الحكايةُ المحكيَّ. ومطابقة الحكاية للمحكي هنا غير معلوم، غير متيقن؛ للاحتمالين المذكورين.

فيجاب عن هذا الدليل: بأن ما ذكرتم من الاحتمالين وإن كان قادحًا في هذه المسألة، فهو خلاف الظاهر، أي: أن الاحتمالين مخالفان للظاهر؛ لأن الظاهر من حال الراوي أنه عدل عارف بمعاني دلالات اللغة، عارف بالعموم والخصوص، وأنه يستحيل عليه أن ينقل لفظًا خاصًّا على أنه عام. أيضًا الألف واللام غالبًا ما تأتي للاستغراق، وإتيانها لغير الاستغراق قليل في اللغة، فعندئذٍ لو حملناها على العهد سواء كان العهد الذهني أو العهد الذكري حينئذٍ يكون خلاف الغالب، وخلافُ الغالب لا يصح.

وقد ذكر القاضي أبو بكر الباقلاني، والأستاذ أبو منصور، والشيخ أبو إسحاق، والقاضي عبد الوهاب وصححه، وحكاه عن أبي بكر القفال التفصيل هنا بين أن يقترن الفعل بحرف “أن” فيكون للعموم كقوله -أي: كقول الراوي-: ((قضى أن الخراج بالضمان))، فهنا ذكر لفظة أو حرف “أن”، وبين أن لا يقترن، فإذا اقترن يكون للعموم، وإذا لم يقترن فيكون خاصًّا، نحو قوله -أي: قول الصحابي-: ((قضى رسول الله صلى الله عليه  وسلم بالشفعة للجار)).

وذهب بعض المتأخرين إلى أن النزاع لفظي من جهة أن المانع للعموم ينفي عموم الصيغة المذكورة، والمثبت للعموم فيها هو باعتبار دليل خارجي.

error: النص محمي !!