Top
Image Alt

الحكم، والأسرار في تنجيم القرآن

  /  الحكم، والأسرار في تنجيم القرآن

الحكم، والأسرار في تنجيم القرآن

قال أبو شامة‏:‏ فإن قيل: ما السر في نزوله منجمًا، وهلّا أنزل كسائر الكتب جملة؟

قلنا‏:‏ هذا سؤال قد تولى الله جوابه؛ فقال تعالى: {وَقَالَ الّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} [الفرقان:32]، واحدة، يعنون كما أنزل على من قبله من الرسل، فأجابهم -تعالى- بقوله: {كَذَلِكَ}، ‏أي: أنزلناه كذلك مفرقًا ‏ {لِنُثَبّتَ بِهِ فُؤَادَكَ}، ‏أي: لنقوي به قلبك؛ فإن الوحي إذا كان يتجدد في كل حادثة كان أقوى بالقلب، وأشد عناية بالمرسل إليه، ويستلزم ذلك كثرة نزول الملك إليه، وتجدد العهد به وبما معه من الرسالة الواردة من ذلك الجناب العزيز؛ فيحدث له من السرور ما تقصر عنه العبارة؛ ولهذا كان أجود ما يكون في رمضان؛ لكثرة لقياه جبريل‏.

‏وقيل: معنى لنثبت به فؤادك‏:‏ أي: لتحفظه فإنه -عليه الصلاة والسلام- كان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب ففرق عليه؛ ليثبت عنده حفظه بخلاف غيره من الأنبياء، فإنه كان كاتبًا قارئًا فيمكنه حفظ الجميع.

فإن قلت: كان في القدرة إذا نزل جملة أن يحفظه النبي صلى الله عليه وسلم دفعة.

قلت: ليس كل ممكن لازم الوقوع.

وقال ابن فورك‏:‏ قيل أنزلت التوراة جملة؛ لأنها نزلت على نبي يكتب ويقرأ؛ وهو موسى، وأنزل الله القرآن مفرقًا؛ لأنه أُنزل غير مكتوب على نبي أميّ‏.‏

وقال غيره‏:‏ إنما لم ينزل جملة واحدة؛ لأن منه الناسخ والمنسوخ، ولا يتأتى ذلك إلا فيما أنزل مفرقًا‏.‏

ومنه ما هو جواب لسؤال، ومنه ما هو إنكار على قول قيل، أو فعل فعل، وقد جاء ذلك في قول ابن عباس‏:‏ ونزله جبريل بجواب كلام العباد وأعمالهم، وفسر به قوله:‏ {وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاّ جِئْنَاكَ بِالْحَقّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً} [الفرقان:33]، أخرجه عنه ابن أبي حاتم‏.‏

فالحاصل: أن الآية تضمّنت حكمتين لإنزاله مفرقًا‏.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ثابت بن الحجاج، قال‏:‏ جاءتهم التوراة جملة واحدة فكبّر عليهم، فأبوا أن يأخذوه، حتى ظلّل الله عليهم الجبل؛ فأخذوه عند ذلك‏.‏

ويُؤخذ من هذا الأثر حكمة أخرى لإنزال القرآن مفرقًا؛ فإنه أدعى إلى قبوله إذا نزل على التدريج، بخلاف ما لو نزل جملة واحدة؛ فإنه كان ينفر من قبوله كثير من الناس؛ لكثرة ما فيه من الفرائض والمناهي‏.‏

ويوضح ذلك ما أخرجه البخاري عن عائشة، قالت‏:‏ إنما نزل أول ما نزل سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام، نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنى أبدًا.

قال السيوطي: رأيت هذه الحكمة مصرحًا بها في الناسخ والمنسوخ المكي‏.

وقد فصل الزرقاني، هذه الحكم تفصيلًا رائعًا؛ فقال -رحمه الله-: لتنجيم نزول القرآن الكريم أسرار عدة، وحكم كثيرة نستطيع أن نجملها في أربع حكم رئيسية:

الحكمة الأولى: تثبيت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم وتقوية قلبه، وذلك من وجوه خمسة:

الأول: أن في تجدّد الوحي، وتكرار نزول الملك به من جانب الحق إلى رسوله صلى الله عليه وسلم سرورًا يملأ قلب الرسول صلى الله عليه وسلم وغبطة تشرح صدره، وكلاهما يتجدد عليه بسبب ما يشعر به من هذه العناية الإلهية، وتعهد مولاه إياه في كل نوبة من نوبات هذا النزول.

الثاني: أن في التنجيم تيسيرًا عليه من الله في حفظه، وفهمه، ومعرفة أحكامه، وحِكَمِه، وذلك مطمئن له على وعي ما يوحى إليه حفظًا، وفهمًا، وحكامًا، كما أن فيه تقوية لنفسه الشريفة على ضبط ذلك كله.

الثالث: أن في كل نوبة من نوبات هذا النزول المنجم، معجزة جديدة غالبًا؛ حيث تحدّاهم كل مرة أن يأتوا بمثل نوبة من نوب التنزيل، فظهر عجزهم عن المعارضة، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، ولا شك أن المعجزة تشد أزره، وترهف عزمه باعتبارها مؤيدة له ولحزبه، خاذلة لأعدائه ولخصمه.

الرابع: أن في تأييد حقه، ودحض باطل عدوه المرة بعد الأخرى تكرارًا للذة فوزه، وفلجه بالحق والصواب، وشهوده لضحايا الباطل في كل مهبط للوحي والكتاب، وإن كل ذلك إلا مشجع للنفس، مقوٍّ للقلب والفؤاد، والفرق بين هذا الوجه والذي قبله، هو الفرق بين الشيء وأثره، أو الملزوم ولازمه؛ فالمعجزة؛ من حيث إنها قوة للرسول ومؤيدة له، مُطَمْئِنَةٌ له، ومثبتة لفؤاده بقطع النظر عن أثر انتصاره، وهزيمة خصمه بها.

الخامس: تعهّد الله إياه عند اشتداد الخصام بينه وبين أعدائه، بما يهون عليه هذه الشدائد، ولا ريب أن تلك الشدائد كانت تحدث في أوقات متعددة؛ فلا جرم كانت التسلية تحدث هي الأخرى في مرات متكافئة، فكلما أحرجه خصمه سلاه ربه، وتجيء تلك التسلية تارة عن طريق قصص الأنبياء والمرسلين التي لها في القرآن عرض طويل وفيها يقول تعالى: {وَكُـلاّ نّقُصّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرّسُلِ مَا نُثَبّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} [هود:120]، وتارة تجيء التسلية عن طريق وعد الله لرسوله بالنصر، والتأييد، والحفظ، كما في قوله –سبحانه-: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبّكَ فَإِنّكَ بِأَعْيُنِنَا} [الطور:48]، وقوله: {وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ} [المائدة:67]، ونحو ما في سورتي الضحى، وألم نشرح من الوعود الكريمة، والعطايا العظيمة، وطورًا تأتيه التسلية عن طريق إبعاد أعدائه، وإنذارهم نحو قوله تعالى: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلّونَ الدّبُرَ} [القمر:45]، وقوله -سبحانه-: {فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ} [فُصِّلَت:13]، وطورًا آخر ترد التسلية في صورة الأمر الصريح بالصبر، نحو قوله -جل شأنه-: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرّسُلِ} [الأحقاف:35]، أو في صورة النهي عن التفجع عليهم، والحزن منهم، نحو قوله تعالى: {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [فاطر:8]، ونحو قوله –سبحانه-: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مّمّا يَمْكُرُونَ} [النحل:127].

ومن موارد تسلية الله لرسوله، أن يخوفه عواقب حزنه من كفر أعدائه، نحو: {لَعَلّكَ بَاخِعٌ نّفْسَكَ أَلاّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 3]، ومنها أن يؤيسه منهم؛ ليستريح ويتسلّى عنهم، نحو: {وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِن اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأرْضِ أَوْ سُلّماً فِي السّمَآءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَآءَ اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىَ فَلاَ تَكُونَنّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35) إِنّمَا يَسْتَجِيبُ الّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَىَ يَبْعَثُهُمُ اللّهُ ثُمّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [الأنعام: 35، 36]، ويمكن أن تندرج هذه الحكمة بوجوهها الخمسة، تحت قول الله في بيان الحكمة من تنجيم القرآن: {كَذَلِكَ لِنُثَبّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتّلْنَاهُ تَرْتِيلاً} [الفرقان:32].

الحكمة الثانية: التدرج في تربية هذه الأمة الناشئة علمًا وعملًا، وينضوي تحت هذا الإجمال، أمور خمسة أيضًا:

الأول: تيسير حفظ القرآن على الأمة العربية، وهي كما علمت كانت أمة أمّيّة، وأدوات الكتابة لم تكن ميسورة لدى الكاتبين منهم على ندرتهم، وكانت مشتغلة بمصالحها المعاشية، وبالدفاع عن دينها الجديد بالحديد والدم، فلو نزل القرآن جملة واحدة؛ لعجزوا عن حفظه، فاقتضت الحكمة العليا أن ينزله الله إليهم مفرّقًا؛ ليسهل عليهم حفظه، ويتهيّأ لهم استظهاره.

الثاني: تسهيل فهمه عليهم كذلك.

الثالث: التمهيد لكمال تخليهم عن عقائدهم الباطلة، وعباداتهم الفاسدة، وعاداتهم المرذولة، وذلك بأن يراضوا على هذا التخلي شيئًا فشيئًا، بسبب نزول القرآن عليهم كذلك شيئًا فشيئًا، فكلما نجح الإسلام معهم في هدم باطل، انتقل بهم إلى هدم آخر، وهكذا يبدأ بالأهمّ، ثم بالمهمّ حتى انتهى بهم آخر الأمر عن تلك الأرجاس كلها، فطهّرهم منها وهم لا يشعرون بعنت ولا حرج، وفطمهم عنها دون أن يرتكسوا في سابق فتنة أو عادة، وكانت هذه سياسة رشيدة لا بد منها في تربية هذه الأمة المجيدة، لا سيما أنها كانت أبية معاندة تتحمّس لموروثاتها، وتستميت في الدفاع عما تعتقده من شرفها، وتتهور في سفك الدماء، وشن الغارات لأتفه الأسباب.

الرابع: التمهيد لكمال تحليهم بالعقائد الحقة، والعبادات الصحيحة، والأخلاق الفاضلة، بمثل تلك السياسة الرشيدة السابقة؛ ولهذا بدأ الإسلام بفطامهم عن الشرك والإباحة، وإحياء قلوبهم بعقائد التوحيد، والجزاء من جراء ما فتح عيونهم عليه من أدلة التوحيد، وبراهين البعث بعد الموت، وحجج الحساب، والمسئولية والجزاء، ثم انتقل بهم بعد هذه المرحلة إلى العبادات؛ فبدأهم بفرضية الصلاة قبل الهجرة، وثنى بالزكاة، وبالصوم في السنة الثانية من الهجرة، وختم بالحج في السنة السادسة منها.

وكذلك كان الشأن في العادات؛ زجرهم عن الكبائر، وشدد النكير عليهم فيها، ثم نهاهم عن الصغائر في شيء من الرفق، وتدرج في تحريم ما كان مستأصلًا فيهم كالخمر، تدرجًا حكيمًا حقّق الغاية وأنقذهم من كابوسها في النهاية، وكان الإسلام في انتهاج هذه الخطة المثلى أبعد نظرًا، وأهدى سبيلًا، وأنجح تشريعًا، وأنجع سياسة من تلكم الأمم المتمدنة المتحضّرة، التي أفلست في تحريم الخمر على شعوبها أفظع إفلاس، وفشلت أَمَرّ فشل، وما عهد أمريكا في مهزلة تحريمها الخمر ببعيد، أليس ذلك إعجازًا للإسلام في سياسة الشعوب، وتهذيب الجماعات وتربية الأمم؟؟ بلى، والتاريخ على ذلك من الشاهدين.

الخامس: تثبيت قلوب المؤمنين، وتسليحهم بعزيمة الصبر واليقين، بسبب ما كان يقصه القرآن عليهم الفينة بعد الفينة، والحين بعد الحين من قصص الأنبياء والمرسلين، وما كان لهم ولأتباعهم مع الأعداء والمخالفين، وما وعد الله به عباده الصالحين من النصر، والأجر، والتأييد، والتمكين، والآيات في ذلك كثيرة، حسبك منها قوله تعالى: {وَعَدَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنّ لَهُمْ دِينَهُمُ الّذِي ارْتَضَىَ لَهُمْ وَلَيُبَدّلَنّهُمْ مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور:55]، وقد صدق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ للّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام:45].

ويمكن أن تندرج هذه الحكمة الثانية بما انضوى تحتها في قول الله تعالى في سورة الإسراء {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلَىَ مُكْثٍ وَنَزّلْنَاهُ تَنْزِيلاً} [الإسراء:106].

كما يمكن أن يفسر بها قوله تعالى في سورة الفرقان، في بيان أسرار التنجيم: {وَرَتّلْنَاهُ تَرْتِيلاً}، باعتبار أن التنوين للتعظيم؛ إشارة إلى المعاني المنطوية تحت هذا الترتيل.

الحكمة الثالثة: مسايرة الحوادث والطوارئ في تجددها وتفرقها؛ فكلما جد منهم جديد نزل من القرآن ما يناسبه، وفصل الله لهم من أحكامه ما يوافقه، وتنتظم هذه الحكمة أمورا أربعة:

الأول: إجابة السائلين على أسئلتهم عندما يوجهونها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم سواء أكانت تلك الأسئلة لغرض التثبت من رسالته، كما قال تعالى في جواب سؤال أعدائه إياه: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرّوحِ قُلِ الرّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّي وَمَآ أُوتِيتُم مّن الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً} [الإسراء:85].

وقوله: {وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مّنْهُ ذِكْراً} [الكهف: 83].

 أو كانت لغرض التنور، ومعرفة حكم الله، كقوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} [البقرة:219]،

و{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىَ قُلْ إِصْلاَحٌ لّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} [البقرة:220]، ولا ريب أن تلك الأسئلة كانت ترفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم في أوقات مختلفة، وعلى نوبات متعدّدة، حاكية أنهم سألوا، ولا يزالون يسألون؛ فلا بدع أن ينزل الجواب عليها كذلك في أوقاتها المختلفة، ونوباتها المتعددة.

الثاني: مجاراة الأقضية والوقائع في حينها، ببيان حكم الله فيها عند حدوثها، ووقوعها.

ومعلوم أن تلك الأقضية والوقائع لم تقع جملة؛ بل وقعت تفصيلًا وتدريجًا؛ فلا مناص إذن من فصل الله فيها بنزول القرآن على طبقها تفصيلًا وتدريجًا، والأمثلة على هذا كثيرة، منها: قوله –سبحانه-: {إِنّ الّذِينَ جَآءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مّنْكُمْ} [النور:11] إلى قوله: {أُوْلَـَئِكَ مُبَرّءُونَ مِمّا يَقُولُونَ لَهُم مّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [النور:26]، وهن عشر آيات، نزلن في حادث من أروع الحوادث، وهو اتهام أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بالإفك، وفيها دروس اجتماعية لا تزال تقرأ على الناس، كما لا تزال تسجل براءة الحصان الطاهرة من فوق سبع سموات.

ومن الأمثلة: قوله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِيَ إِلَى اللّهِ وَاللّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ إِنّ اللّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [المجادلة:1] إلى قوله تعالى: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المجادلة:4].

وهنّ ثلاث آيات، نَزَلْنَ عندما رفعت خولة بنت ثعلبة شكواها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن زوجها أوس بن الصامت ظاهر منها، وجادلت الرسول بأن معها صِبْيَة صغارًا، إن ضمتهم إلى زوجها ضاعوا، وإن ضمتهم إليها جاعوا.

الثالث: لفت أنظار المسلمين إلى تصحيح أغلاطهم التي يخطئون فيها، وإرشادهم إلى شاكلة الصواب في الوقت نفسه، ولا ريب أن تلك الأغلاط كانت في أزمان متفرقة؛ فمن الحكمة أن يكون القرآن النازل في إصلاحها متكافئًا معها في زمانها، اقرأ إن شئت قوله -سبحانه-: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوّىءُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} [آل عمران:121].

إلى آيات كثيرة بعدها، وكلها نزلت في غزوة أحد؛ إرشادًا للمسلمين إلى مواضع أخطائهم في هذا الموقف الرهيب والمأزق العصيب، وكذلك قوله –سبحانه-: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمّ وَلّيْتُم مّدْبِرِينَ (25) ثُمّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىَ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُوداً لّمْ تَرَوْهَا وَعذّبَ الّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَآءُ الْكَافِرِينَ (26) ثُمّ يَتُوبُ اللّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَىَ مَن يَشَآءُ وَاللّهُ غَفُورٌ رّحِيمٌ} [التوبة: 25 – 27]، وهي آيات تردع المؤمنين عن رذيلة الإعجاب والاغترار في يوم من أيام الله، وتلفت نظرهم إلى مقدار تدارك الله لهم في شدتهم، وإلى وجوب أن يثوبوا إلى رشدهم، ويتوبوا إلى ربهم.

الرابع: كشف حال أعداء الله المنافقين، وهتك أستارهم وسرائرهم للنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين؛ كيما يأخذوا منهم حذرهم، فيأمنوا شرهم، وحتى يتوب من شاء منهم، اقرأ إن شئت قوله تعالى: {وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الاَخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة:8] إلى قوله: {إِنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة:20]، وهنّ ثلاث عشرة آية، فضحت المنافقين، كما فضحتهم سورة التوبة في كثير من الآيات، وكما كشف القرآن أستارهم في كثير من المناسبات، ويمكن أن تندرج هذه الحكمة الثالثة بمضامينها الأربعة، في قوله تعالى في سورة الفرقان: {وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاّ جِئْنَاكَ بِالْحَقّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً}.

الحكمة الرابعة: الإرشاد إلى مصدر القرآن، وأنه كلام الله وحده، وأنه لا يمكن أن يكون كلام محمد صلى الله عليه وسلم ولا كلام مخلوق سواه، وبيان ذلك أن القرآن الكريم تقرؤه من أوله إلى آخره، فإذا هو محكم السّرد، دقيق السبك، متين الأسلوب، قوي الاتصال، آخذ بعضه برقاب بعض في سوره وآياته وجمله، يجري دم الإعجاز فيه كلّه من ألفه إلى يائه كأنه سبيكة واحدة، ولا يكاد يوجد بين أجزائه تفكك، ولا تخاذل كأنه حلقة مفرغة، أو كأنه سمط وحيد، وعقد فريد يأخذ بالأبصار؛ نظمت حروفه وكلماته، ونسقت جمله وآياته، وجاء آخره مساوقًا لأوله، وبدا أوله مواتيًا لآخره.

وهنا نتساءل، كيف اتّسق للقرآن هذا التأليف المعجز، وكيف استقام له هذا التناسق المدهش، على حين أنه لم يتنزل جملة واحدة؛ بل تنزل آحادًا مفرّقة تفرق الوقائع، والحوادث في أكثر من عشرين عامًا؟

الجواب: أننا نلمح هنا سرًّا جديدًا من أسرار الإعجاز، ونشهد سمة فذّة من سمات الربوبية، ونقرأ دليلًا ساطعًا على مصدر القرآن، وأنه كلام الواحد الديان: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً} [النساء:82]،  وإلا فحدثني بربك، كيف يستطيع الخلق جميعًا أن يأتوا بكتاب محكم الاتصال والترابط، متين النسج والسرد، متآلف البدايات والنهايات، مع خضوعه في التأليف لعوامل خارجة عن مقدور البشر، وهي وقائع الزمن وأحداثه التي يجيء كل جزء من أجزاء هذا الكتاب تبعًا لها، ومتحدثًا عنها سببًا بعد سبب، وداعية إثر داعية، مع اختلاف ما بين هذه الدواعي، وتغاير ما بين تلك الأسباب، ومع تراخي زمان هذا التأليف، وتطاول آماد هذه النجوم إلى أكثر من عشرين عامًا؟

لا ريب أن هذا الانفصال الزماني، وذاك الاختلاف الملحوظ بين هاتيك الدواعي، يستلزمان في مجرى العادة التفكك والانحلال، ولا يدعان مجالًا للارتباط والاتصال بين نجوم هذا الكلام.

أما القرآن الكريم، فقد خرق العادة في هذه الناحية أيضًا، نزل مفرقًا منجمًا، ولكنه تمّ مترابطًا محكمًا، وتفرقت نجومه تفرق الأسباب، ولكن اجتمع نظمه اجتماع شمل الأحباب، ولم يتكامل نزوله إلا بعد عشرين عامًا، ولكن تكامل انسجامه بداية وختامًا، أليس ذلك برهانًا ساطعًا على أنه كلام خالق القوى والقدر، ومالك الأسباب والمسببات، ومدبِّر الخلق والكائنات، وقيوم الأرض والسموات، العليم بما كان وما سيكون، الخبير بالزمان وما يحدث فيه من شئون.

لاحظ فوق ما أسلفنا، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا نزلت عليه آية أو آيات، قال: ((ضعوها في مكان كذا من سورة كذا))، وهو بشر لا يدري ما ستجيء به الأيام، ولا يعلم ما سيكون في مستقبل الزمان، ولا يدرك ما سيحدث من الدواعي والأحداث؛ فضلًا عمّا سينزل من الله فيها، وهكذا يمضي العمر الطويل، والرسول صلى الله عليه وسلم على هذا العهد، يأتيه الوحي بالقرآن نجمًا بعد نجم، وإذا القرآن كله بعد هذا العمر الطويل يكمل ويتمّ، وينتظم ويتآخى، ويأتلف ويلتئم، ولا يؤخذ عليه أدنى تخاذل ولا تفاوت؛ بل يعجز الخلق طرًّا بما فيه من انسجام، ووحدة، وترابط {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمّ فُصّلَتْ مِن لّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود:1].

وإنه ليستبين لك سرّ هذا الإعجاز، إذا ما علمت أن محاولة مثل هذا الاتساق والانسجام، لن يمكن أن يأتي على هذا النمط الذي نزل به القرآن، ولا على قريب من هذا النمط، لا في كلام الرسول صلى الله عليه وسلم ولا كلام غيره من البلغاء وغير البلغاء.

انظر -مثلًا- إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم وهو ما هو في روعته، وبلاغته، وطهره، وسموّه، لقد قاله الرسول صلى الله عليه وسلم في مناسبات مختلفة لدواعٍ متباينة في أزمان متطاولة، فهل في مُكْنَةِ البشر أن ينظموا من هذا السّرد الشتيت وحده كتابًا واحدًا يصقله الاسترسال والوحدة من غير أن ينقصوا منه، أو يتزيدوا عليه، أو يتصرفوا فيه ذلك ما لن يكون، ولا يمكن أن يكون، ومن حاول ذلك فإنما يحاول العبث، ويخرج للناس بثوب مرقع، وكلام ملفّق، ينقصه الترابط والانسجام، وتعوزه الوحدة والاسترسال، وتمجّه الأسماع والأفهام.

إذن؛ فالقرآن الكريم ينطق نزوله منجمًا، بأنه كلام الله وحده، وتلك حكمة جليلة الشأن ترشد الخلق إلى الحق، في مصدر القرآن {قُلْ أَنزَلَهُ الّذِي يَعْلَمُ السّرّ فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِنّهُ كَانَ غَفُوراً رّحِيماً} [الفرقان:6].

تتمة: كان بين أول نزول القرآن وآخره عشرون، أو ثلاث وعشرون، أو خمس وعشرون سنة، وهو مبنيّ على الخلاف في مدة إقامته بمكة بعد النبوة؛ فقيل: عشرة، وقيل: ثلاث عشرة، وقيل خمس عشرة، والصواب على ما قرّرناه في صحيح السيرة: أنها ثلاث عشرة سنة، منها ثلاث سنوات في الدعوة السّرّيّة، وعشر سنوات في الدعوة الجهريّة، ولم يختلف في مدة إقامته بالمدينة أنها عشر، وكان كلما أنزل عليه شيء من القرآن أمر بكتابته، ويقول في مفترقات الآيات: ضعوا هذه الآية في موضع كذا وكذا من سورة كذا.

وكان يعارضه جبريل في شهر رمضان كل عام مرة، وعام مات مرتين.

وفي صحيح البخاري، قال مسروق عن عائشة عن فاطمة رضي الله عنها أسر النبي صلى الله عليه وسلم إلي أن جبريل كان يعارضني بالقرآن كل سنة، وأنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضور أجلى.

error: النص محمي !!