Top
Image Alt

الحكم إذا أتى الحالف بالمخالف ناسيًا أو مكرهًا، هل يتعلق الحِنْث بكل المحلوف عليه أو بعضه؟ هل يتعلق اليمين بالمعنى أو المفهوم؟ هل اليمين على نية الحالف أو المستحلف؟ أحكام الكفارة

  /  الحكم إذا أتى الحالف بالمخالف ناسيًا أو مكرهًا، هل يتعلق الحِنْث بكل المحلوف عليه أو بعضه؟ هل يتعلق اليمين بالمعنى أو المفهوم؟ هل اليمين على نية الحالف أو المستحلف؟ أحكام الكفارة

الحكم إذا أتى الحالف بالمخالف ناسيًا أو مكرهًا، هل يتعلق الحِنْث بكل المحلوف عليه أو بعضه؟ هل يتعلق اليمين بالمعنى أو المفهوم؟ هل اليمين على نية الحالف أو المستحلف؟ أحكام الكفارة

القسم الثاني من الجملة الثانية من كتاب الأيمان: النظر في الكفارات:

يقول ابن رشد: وهذا القسم فيه فصول ثلاثة: وهي تعتبر قواعد: 

الفصل الأول: في موجب الحِنْث، وشروطه، وأحكامه.

الفصل الثاني: في رافع الحِنْث، وهي الكفارات التي تثبت بعدم البر في اليمين.

الفصل الثالث: متى ترفع الكفارة اليمين؟ وكم ترفع من الأيمان.

هذا ما يبينه ابن رشد -رحمه الله- في هذا القسم الثاني، من الجملة الثانية، من كتاب الأيمان.

الفصل الأول من القسم الثاني من الجملة الثانية من كتاب الأيمان: موجب الحِنْث: شروطه وأحكامه:

يقول: اتفقوا على أن موجب الحِنْث: هو المخالفة لما انعقدت عليه اليمين، بمعنى: أن اليمين انعقدت على فعل شيء أو على ترك شيء، فإذا خالف الإنسان الحالف ما انعقدت عليه اليمين ففعل ما لم يحلف عليه، أو ترك ما حلف على فعله كان حانثًا.

وفي ذلك يقول: إن موجب الحِنْث هو المخالفة لما انعقدت عليه اليمين؛ وذلك إما فعل ما حلف ألا يفعله، وإما ترك ما حلف على فعله إذا عُلم أنه قد تراخى عن فعل ما حلف على فعله إلى وقت ليس يمكنه فيه فعله.

يعني: حلف على فعل شيء، ومضى الوقت الذي يمكن أن يفعل فيه ذلك الشيء، أي: أصبح الفعل مستحيلًا، ومعنى ذلك: أن اليمين قد وقعت، حيث وقع المخالف لما انعقدت عليه اليمين، وذلك في اليمين بالترك المطلق، مثل: أن يحلف: لتأكلن هذا الرغيف، فيأكله غيره، أو إلى وقت هو غير الوقت الذي اشترط في وجود الفعل عنه أو فيه، وذلك في الفعل المشترط فعله في زمان محدود، يقسم على فعل شيء في ساعة معينة، وتمضي الساعة من غير أن يفعله فتكون اليمين قد وقعت، مثل أن يقول: والله لأفعلن اليوم كذا وكذا، فإنه إذا انقضى النهار ولم يفعل حَنِث ضرورة، حيث لم يعد هناك مجال للفعل، وهذا موضع اتفاق بين العلماء: أن موجب الحِنْث هو المخالفة لما انعقدت عليه اليمين، إما بفعل ما حلف ألا يفعله، أو بترك ما حلف أن يفعله، سواء كان ذلك بمضي الوقت الذي يتسع للفعل، حيث لم يعد هناك وقت أو بمضي الوقت الذي لم يعد يسمح بهذا الفعل.

ثم يعقب ابن رشد على هذا المتفق عليه بقوله: واختلفوا من ذلك من أربعة مواضع:

أحدها: إذا أتى بالمخالف ناسيًا أو مكرهًا، يعني: بعد أن اتفق العلماء على أن مخالفة اليمين المنعقدة تسمى: حِنْثًا، هذا الحِنْث أو المخالفة إذا وقعت من ناسٍ أو مكره هل تكون كالعامد؟: هذه إحدى المسائل المختلف فيها.

الثاني: هل يتعلق موجب اليمين بأقل ما ينطلق عليه الاسم أو بجميعه؟ يعني: من حلف على شيء كبير، وفعل بعضه، هل يكون ترك الباقي حنثًا أو لا؟. 

الثالث: هل يتعلق اليمين بالمعنى المساوي لصيغة اللفظ أو بمفهومه المخصص للصيغة، والمعمم لها – وذلك  لأن أي لفظ له معنى أو له صيغة وله مفهوم؟.

الرابع: هل اليمين على نية الحالف، أو المستحلف؟.

إذن بعد اتفاق العلماء على موجب الحِنْث اختلفوا في أربعة مواضع، وبدأ ابن رشد -رحمه الله- يعقد لكل موضع منها مسألة من المسائل.

المسألة الأولى: وهي الموضع الأول من المواضع المختلف فيها بين العلماء: إذا أتى بالمخالف لما انعقدت عليه اليمين ناسيًا أو مكرهًا، هل يكون حانثًا مثل العامد، أو لا يحنث؟:

القول الأول: يرى مالك وأبو حنيفة أن الساهي والمكره بمنزلة العامد، فلا عبرة عندهما بالنسيان أو السهو، ولا بالإكراه، فهم جميعًا في الحِنْث سواء، ما دام قد وقع المخالف لما انعقدت عليه اليمين، فالجميع حانثون، سواء كان الوقوع عمدًا أو سهوًا أو إكراهًا.

القول الثاني: وهو قول الشافعي وأحمد ويريان: أن لا حنث على الساهي ولا على المكره؛ إذن رأيهما مخالف لرأي الإمامين -مالك وأبي حنيفة- ولكلٍ حجته ودليله، وهذا هو سبب الاختلاف بين الفريقين.

يقول ابن رشد: وسبب اختلافهم: معارضة عموم قوله تعالى: {وَلَـكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ} [المائدة: 89] فهذه مؤاخذة عامة في الآية الكريمة: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَـكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ } فالمؤاخذة مطلقة وعامة، وفي جميع الأشخاص الذين حلفوا أيمانًا وعقدوها ثم خالفوها، لم يفرق الله سبحانه وتعالى في الآية بين عامد وناسٍ: {وَلَـكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ} حيث لا تفريق بين عامد وناسٍ ومكره.

هذه الآية بهذا الظاهر وبهذا العموم معارضة لقوله صلى الله عليه وسلم: ((رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه)) فحديث النبي صلى الله عليه وسلم يرفع الإثم في الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه؛ فيكون الآتي بمخالفة ما انعقدت عليه اليمين نسيانًا أو خطأ أو إكراهًا غير حانث.

وبهذا نستطيع أن نقول: إن حجة مالك وأبي حنيفة: الآية الكريمة، وحجة الشافعي وأحمد: الحديث الصحيح الذي رواه ابن ماجه وغيره وصححه ابن حبان والحاكم.

يجمع ابن رشد -رحمه الله- بين الفريقين بقوله: فإن هذين العمومين يمكن أن يخصص كل واحد منهما بصاحبه، فنقول: الآية الكريمة عامة في كل يمين منعقدة وكل من يأتي بمخالفة إلا المخطئ والناسي والمستكره، فيكون هذا تخصيصًا لها، ونقول: الحديث: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) هذا مخصص للآية الكريمة.

المسألة الثانية: وهي الموضع الثاني من المواضع الأربعة التي اختلف الفقهاء في الحِنْث أو استيفاء شروط الحِنْث بها أو عدم استيفائها؛ هل يتعلق موجب اليمين بأقل ما ينطلق عليه الاسم؟

حلف مثلًا ألا يأكل هذا الرغيف، ما الحكم إذا أكل بعضه؟ هل يحنث أو لا؟ حلف ألا يشرب هذا الكوب فشرب ربعه هل يحنث أو لا يحنث؟ وهكذا.

هل اسم اليمين أو موجب اليمين يتعلق بأقل ما ينطلق عليه الاسم حتى لو أكل من الرغيف شيئًا أو شرب من الكوب قليلًا، أو لا بد من استيفاء الكل؟ اختلف العلماء في ذلك.

وأما الموضع الثاني: فمثل أن يحلف ألا يفعل شيئًا ففعل بعضه، أو أنه حلف أن يفعل شيئًا ففعل جزءًا منه ولم يفعل بعضه؛ هل يكون حانثًا أو ليس حانثًا؟ هل تجب عليه الكفارة أو لا تجب؟ هذا هو موضوع المسألة الثانية.

عند مالك: إذا حلف ليأكلن هذا الرغيف فأكل بعضه لا يبرأ، يعني: لا يبر يمينه إلا بأكله كله، وإذا لم يأكله كله كان حانثًا، وكانت عليه الكفارة؛ لأنه حلف أن يأكل هذا الرغيف، فإذا أكل بعضه لا يبر، ولا يبرأ إلا بأكله كله. وإذا قال: لا آكل هذا الرغيف، فإنه يحنث إن أكل بعضه مع أنه لم يأكل كله، كما قال في المثال الأول، لأن مالكًا يحتاط، ففي الفعل يوجب الجميع، ولا يثبت البراءة إلا بالجميع، وفي الترك يأخذ بالقليل، ويوجب الحِنْث إن أكل أو فعل بعضه. هذا قول مالك.

وعند الشافعي وأبي حنيفة: أنه لا يحنث في الوجهين جميعًا، أي: من حلف أن يأكل الرغيف فأكل بعضه لا يحنث، أو حلف ألا يأكل الرغيف فأكل بعضه لا يحنث. عند الشافعي وأبي حنيفة: لا يحنث في الوجهين جميعًا، حملًا على الأخذ بأكثر ما يدل عليه الاسم، والبعض لا يدل على الكل، إنما الحِنْث عندهم للأكثر -أكثر ما ينطلق عليه الاسم- فمن حلف أن يأكل رغيفًا فأكل ثلثيه أو ثلاثة أرباعه فقد برأ وأكل، ومن حلف ألا يأكل الرغيف فأكل ثلثيه أو ثلاثة أرباعه فقد حنث،وأما البعض في الحالتين لا يوجب عليه شيئًا.

يقول ابن رشد: وأما تفريق مالك بين الفعل والترك فلم يجرِ في ذلك على أصل من الأصول، أو على أصل واحد؛ لأنه أخذ في الترك بأقل ما يدل عليه الاسم، وأخذ في الفعل بجميع ما يدل عليه الاسم، وكأنه ذهب في ذلك إلى الاحتياط، يعني: أنا حلفت ألا آكل فلا آكل البعض، حلفت أن آكل فعليّ أن آكل الجميع، فهناك مسافة في الأمرين عند الإمام مالك، وهو وإن كان لم يعتمد على أصل من الأصول في ذلك إلا أنه أخذ بالاحتياط.

المسألة الثالثة: وهي الموضع الثالث: تتعلق بلفظ اليمين، أو بمفهوم اليمين، هل يتعلق اليمين بالمعنى المساوي لصيغة اللفظ -يعني المعنى المباشر- أو بمفهومه وبكل ما يحتمله؟:

قال ابن رشد: وأما المسألة الثالثة فمثل: أن يحلف على شيء بعينه يفهم منه القصد إلى معنى أعم من ذلك الشيء الذي لفظ به، أو أخص من ذلك الذي لفظ به، أو يحلف على شيء وينوي به معنًى أعم أو أخص مثل من يحلف على عدم الأكل، فإنه يدخل في ذلك أكل الخبز وأكل البسكويت وغير ذلك من المأكولات، أو يكون للشيء الذي حلف عليه اسمان: أحدهما: لغوي، والآخر: عرفي، وأحدهما أخص من الآخر، وأما إذا حلف على شيء بعينه محدد؛ لا يقع الاحتمال فيه ولا الشك، فإنه لا يحنث عند الشافعي وأبي حنيفة، إلا بالمخالفة الواقعة في ذلك الشيء بعينه الذي وقع عليه الحلف، وإن كان المفهوم منه معنى أعم أو أخص من قبل الدلالة العرفية.

أما مالك فالمشهور من مذهبه: أن المعتبر أولًا عنده في الْأَيْمان التي لا يقضى على حالفها بموجبها هو النية، فإن عُدمت فعرف اللفظ، فإن عُدم فدلالة اللغة، وقيل: لا يراعى إلا النِّيَّة أو ظاهر اللفظ اللغوي فقط. وقيل: يراعى النية، وبساط الحال -أي: سياق الكلام – ولا يراعى العرف، وأما الْأَيْمان التي يقضى بها على صاحبها؛ فإنه إن جاء الحالف مستفتيًا كان حكمه حكم اليمين التي لا يقضى بها على صاحبها من مراعاة هذه الأشياء فيها على هذا الترتيب، وإن كان مما يقضى بها عليه؛ لم يراعَ فيها إلا اللفظ، إلا أن يشهد لما يدعي من النِّيَّة المخالفة لظاهر اللفظ قرينة الحال أو العرف.

المسألة الرابعة: الموضع الرابع من مواضع الاختلاف: هل اليمين على نية الحالف أو على نية المستحلف؟:

ويقول ابن رشد: فإنهم –أي: الفقهاء- اتفقوا على أن اليمين على نية المستحلف في الدعاوى، أي: أمام القاضي؛ حيث يحلِّف المدعي، فإن النِّيَّة هاهنا على نية المستحلف، وليست على نية الحالف.

واختلفوا في غير الدعاوى، مثل: الْأَيْمان على المواعيد، مثل التواعد على قضاء دين في يوم ما، واختلف: بين يوم عشرة، و يوم عشرين؛ فعلى نية من تكون اليمين؟

قال قوم: على نية الحالف، وقال قوم: على نية المستحلف، وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((اليمين على نية المستحلف)) رواه مسلم وأبو داود والترمذي، وقال صلى الله عليه وسلم: ((يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك))  يعني: على نية المستحلف، خرّج هذين الحديثين مسلم، ومن قال: “اليمين على نية الحالف”؛ فإنما اعتبر المعنى القائم بالنفس من اليمين، وليس ظاهر اللفظ.

وبعد أن ذكر ابن رشد ما اتفق عليه العلماء، وما اختلفوا فيه، قال: وفي هذا الباب فروع كثيرة، لكن هذه المسائل الأربع هي أصول هذا الباب؛ إذ يكاد أن يكون جميع الاختلاف الواقع في هذا الباب راجعًا إلى الاختلاف في هذه المسائل الأربع التي هي كالقواعد لهذا الباب وذلك في الأكثر.

ثم ساق لنا عددًا من الأمثلة التي وقع فيها الاختلاف بين العلماء ، مثل: اختلافهم فيمن حلف ألا يأكل رءوسًا، فأكل رءوس حيتان؛ هل يحنث أو لا يحنث؟:

فمن العلماء من راعى العرف، وقال: لا يحنث؛ لأن المقصود بالرءوس: رءوس البقر؛ لأن العرف يقتضي: رءوس البقر والغنم. ومن العلماء من راعى دلالة اللغة فقال: يحنث؛ لأن جميع الكائنات لها رءوس، وعلى ذلك مالك وأحمد. وعلى مراعاة العرف: أبو حنيفة والشافعي.

مثال آخر: اختلافهم فيمن حلف ألَّا يأكل لحمًا، فأكل شحمًا -شحمًا من نفس البهيمة- هل الشحم جزء من اللحم أم في عرف الناس أنه لحم؟ فمن اعتبر دلالة اللفظ الحقيقي، قال: لا يحنث؛ لأن اللحم شيء والشحم شيء آخر، وعلى هذا الجمهور: أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد: من أكل شحمًا وقد حلف ألَّا يأكل لحمًا لا يحنث.

ومن رأى: أن اسم الشيء قد ينطلق على ما يتولد منه -والشحم يتولد من اللحم- قال: يحنث.

ولو حلف لا يأكل لحمًا فأكل سمكًا، قال أبو حنيفة والشافعي: لا يحنث، وقال: ولو حلف لا يأكل هذا الدقيق فاستفَّ منه، أو خَبَزَه وأكله، حنث عند مالك وأحمد… وهكذا.

وبالجملة؛ فاختلافهم في المسائل الفرعية أو الفروعية التي في هذا الباب راجع إلى اختلافهم في هذه المسائل وأمثالها مما ذكرناه. وراجع أيضًا إلى اختلافهم في دلالات الألفاظ التي يحلف بها، وذلك أن منها ما هي ألفاظ مجملة، ومنها ما هي ألفاظ ظاهرة، ومنها ما هي نصوص ومنصوص عليها.

الفصل الثاني من القسم الثاني من الجملة الثانية من كتاب الأيمان: ما يتعلق بالكفارة، ما هي؟ وكيف تكون؟ وهي التي سماها ابن رشد -رحمه الله-: رافع الحِنْث. ويضم هذا الفصل سبع مسائل مشهورة، اختلف العلماء في تفاصيلها. نقدم لها بهذه المقدمة:

رافع الحِنْث:

والمقصود به: الكفارة -كفارة اليمين- سميت رافع الحِنْث: ترفع العقاب عمن خالف اليمين التي عقدها؛ ولذلك سماها ابن رشد: رافع الحِنْث، وهي مساوية لكلمة الكفارة.

ولذلك قال ابن رشد في الشرح والتفصيل: اتفقوا -أي: العلماء- على أن الكفارة في الأيمان، هي الأربعة أنواع التي ذكر الله في كتابه في قوله تعالى: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المائدة: 89] هذه ثلاثة أنواع، {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ} [المائدة: 89] وهذا هو النوع الرابع.

والجمهور العلماء على أن الحالف إذا حنث فهو مخير بين الثلاثة الأولى منها التي وردت في الآية الكريمة، وهي الإطعام -إطعام المساكين- أو الكسوة، أو العتق. هكذا وردت في القرآن الكريم بلفظ: {أَوْ} ومعناه: التخيير، وأنه لا يجوز له الصيام -أي: الانتقال إلى النوع الرابع- إلا إذا عجز عن هذه الثلاثة، فلم يستطع إطعامًا ولا كسوة ولا تحرير رقبة، إذا عجز عن واحد من هذه الثلاثة انتقل إلى الصيام ثلاثة أيام؛ لقوله تعالى: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ} إلا ما روي عن ابن عمر: “أنه كان إذا غلّظ اليمين أعتق، أو كسا، وإذا لم يُغَلِّظْها أطعم” رواه مالك.

بيَّن ابن رشد في تلك المقدمة اتفاق العلماء وإجماعهم على أمرين:

الأمر الأول: أن كفارة الْأَيْمان أربعة أنواع.

الأمر الثاني: أنه لا ينتقل من الثلاثة الأولى إلى النوع الرابع وهو الصيام إلا إذا عجز عن الثلاثة أنواع الأولى. إلا ما روي عن ابن عمر، وهذا احتياط من ابن عمر: أنه كان إذا غلظ اليمين أعتق يعني: كفر بالعتق أو بالكساء، وإذا لم يغلظها أطعم؛ لأن الإطعام أخف من العتق، ومن الكساء.

ثم قال ابن رشد – رحمه الله- بعد هذا الاتفاق: إن العلماء اختلفوا من ذلك في سبع مسائل مشهورة، هي:

المسألة الأولى: في مقدار الإطعام لكل واحد من العشرة مساكين.

المسألة الثانية: في جنس الكسوة إذا اختار الكسوة وعددها.

المسألة الثالثة: في اشتراط التتابع في صيام الثلاثة أيام، أو عدم اشتراطه.

المسألة الرابعة: في اشتراط العدد في المساكين.

المسألة الخامسة: في اشتراط الإسلام والحرية فيهم.

المسألة السادسة: في اشتراط السلامة في الرقبة المعتقة من العيوب.

المسألة السابعة: في اشتراط الإيمان في هذه الرقبة.

تلك مسائل سبع مشهورة بين العلماء، وقد اختلفوا فيها، وحكى ابن رشد -رحمه الله- اختلافهم، وبين أسبابه في كل مسألة.

المسألة الأولى من المسائل المشهورة التي اختلف الفقهاء فيها: في مقدار الإطعام لكل واحد من العشرة مساكين.

يقول -رحمه الله-: أما مقدار الإطعام المستحق للمساكين لمن يُكَفر بالإطعام، فقال مالك والشافعي وأهل المدينة: يعطى لكل مسكين مُدٌّ من حنطة -القمح- بمد النبي صلى الله عليه وسلم وهو مكعب طول ضلعه 9.2 سم، إلا أن مالكًا قال: المد خاص بأهل المدينة فقط لضيق معايشهم، وأما سائر المدن فيعطون الوسط من نفقتهم، أي: يزيدون على المد ندبًا حسب الاجتهاد، وقال ابن القاسم -وهو من أصحاب الإمام مالك- يجري المد في كل مدينة مثل قول الشافعي. وقال أبو حنيفة: يعطيهم نصف صاع من حنطة أو صاعًا من شعير أو تمر، قال: فإن غدَّاهم وعشَّاهم أجزأه.

والسبب في اختلافهم في ذلك -كما يقول ابن رشد-: اختلافهم في تأويل قوله تعالى: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} [المائدة: 89]؛ هل المراد بذلك أكلة واحدة أو قوت اليوم، وهو غداءٌ وعشاء؟ فمن قال: أكلة واحدة، قال: المد وسط في الشبع، ومن قال: غداء وعشاء، قال: نصف صاع؛ لأن نصف الصاع مُدّان.

ثم قال: ولاختلافهم أيضًا سبب آخر: وهو تردد هذه الكفارة بين كفارة الفطر متعمدًا في رمضان، وبين كفارة الأذى في الحج، فمن شببها بكفارة الفطر قال: مد واحد، ومن شبهها بكفارة الأذى قال: نصف صاع.

ثم أضاف: واختلفوا أيضًا هل يكون مع الخبز في ذلك -أي: في تلك الكفارة- إدام –طعام: لحوم أو خضراوات أو نحو ذلك- أو زيت، أم لا، وإن كان مع الخبز إدام فما هو الوسط فيه؟ قال: يجزي الخبز كِفارًا، أي: منفردًا بدون إدام. وقال ابن حبيب: لا يجزي، وقيل: الوسط من الإدام: الزيت، وقيل: اللبن والسمن والتمر.

ثم قال -كل هذه اختلافات في مقدار الطعام الذي يعطى للمساكين-: واختلف أصحاب مالك مَن الأهل الذين أضاف إليهم الوسط من الطعام في قوله تعالى: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}؟ فقيل: أهل قِطنية فقِطنية، القطنية: جميع الحبوب عدا القمح والشعير، وإن حنطة فحنطة، وقيل: بل هم أهل البلد الذي هو فيه؛ وعلى هذا، فالمعتبر في اللازم له هو الوسط من عيش أهل البلد لا من عيشه، أعني: الغالب.

وعلى هذين القولين يُحمل قدر الوسط من الإطعام، أعني: الوسط من قدر ما يطعم أهله، أو الوسط من قدر ما يطعم أهل البلد، أو يطعم أهل البلد أهليهم، إلا في المدينة خاصة.

المسألة الثانية من المسائل المشهورة التي اختلف الفقهاء فيها: المجزئ من الكُسوة:

القول الأول: فإن مالكًا وأحمد رأيا أن الواجب في ذلك: هو أن يكسي ما يجزئ فيه الصلاة، فإن كسا الرجل كسا ثوبًا، وإن كسا النساء كسا ثوبين: درعًا –قميصًا- وخمارًا.

القول الثاني: وقال الشافعي وأبو حنيفة: يجزئ في ذلك أقل ما ينطلق عليه الاسم، فيجوز إزار واحد، أو قميص واحد، أو سراويل، أو عمامة، لكل مسكين؛ {أَوْ كِسْوَتُهُمْ}.

القول الثالث: وهو قول أبي يوسف: لا تجزئ العمامة ولا السراويل، أي: يريد ثوبًا كاملًا.

وفي سبب اختلافهم يقول ابن رشد: هل الواجب الأخذ بأقل دلالة الاسم اللغوي -كما قال الشافعي وأبو حنيفة- يجزئ في ذلك أقل ما ينطلق عليه الاسم، هل الواجب الأخذ بأقل دلالة الاسم اللغوي، أو المعنى الشرعي؟ تلك هي المسألة الثانية.

وفي ذلك يقول الكمال بن الهمام: وإن شاء كسا عشرة مساكين، كل واحد ثوبًا فما زاد، أي: إن كسا ثوبين أو ثلاثة فهو أفضل.

ثم قال: وأدناه ما يجوز فيه الصلاة، وفي تفصيل ذلك قال في صفحة تالية: ثم المذكور في الكسوة في الكتاب -أي: (المبسوط) أو [مختصر القدوري]- في بيان أدنى الكسوة المسقطة للواجب من أنه ما يجوز فيه الصلاة هذا الحد الأدنى مروي عن محمد -رحمه الله- فيجزيه دفع السراويل، وعنه تقييده بالرجل.

فإن أعطى السراويل امرأة لا يجوز؛ لأنه لا يصح صلاتها فيه.

وعن أبي حنيفة وأبي يوسف: إن أدناه -أي: أدنى الكسوة- ما يستر عامة بدنه، ولا يجوز السراويل على هذا، وهو الصحيح، لأن لابس السراويل يسمى عريانًا عرفًا، فعلى هذا لا بد أن يعطيه قميصًا، أو جبة، أو رداء، أو قباء، أو إزارًا سابلًا بحيث يتوشح به عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وإلا فهو كالسراويل. ولا تجزئ العمامة، إلا إن أمكن أن يتخذ منها ثوبًا مجزئًا مما ذكرنا. أي: عمامة كبرى يجوز أن يأخذ منها ما يلف بدنه كله. وأما القلنسوة -وهي مثل القبعة غطاء الرأس- فلا تجزئ بحال، وإن كان روي عن عمران بن الحصين أنه سئل عن ذلك، فقال: “إذا قدم وفد على الأمير وأعطاهم قلنسوة قلنسوة، قيل: قد كساهم” فلا عمل على هذا. وعن ابن عمر رضي الله عنه: “لا يجزئ أقل من ثلاثة أثواب: قميص، ومئزر، ورداء”.

المسألة الثالثة من المسائل المشهورة التي اختلف الفقهاء فيها: حكم التتابع في صيام الأيام الثلاثة:

قال ابن رشد -رحمه الله: وأما المسألة الثالثة وهي اختلافهم في اشتراط تتابع الأيام الثلاثة في الصيام.

فإن مالكًا والشافعي لم يشترطا في ذلك وجوب التتابع، وإن كانا استحباه، واشترط ذلك أبو حنيفة، ومعه أحمد.

يقول ابن رشد: وسبب اختلافهم في ذلك شيئان:

أحدهما: هل يجوز العمل بالقراءة التي ليست في المصحف؟ لأن التتابع في قراءة عبد الله بن مسعود، ذلك أن في قراءة عبد الله بن مسعود: “فصيام ثلاثة أيام متتابعات” وليست متتابعات في مصحف عثمان؛ فهل يجوز الاستدلال والعمل بهذه القراءة التي ليست مثبتة في المصحف؟.

الثاني: اختلافهم: هل يحمل الأمر بمطلق الصوم على التتابع أم ليس يحمل؛ لأنه من عادة الصيام، أن يكون متتابعًا كما جاء في كفارة الظهار، وفي كفارة القتل الخطأ، وفي جماع الرجل لامرأته في نهار رمضان، فالموجود كله صيام متتابع -شهرين متتابعين- فهل يحمل الأمر بمطلق الصوم هنا في كفارة اليمين على التتابع في الكفارات الأخرى أم ليس يحمل؟.

إذا كان الأصل في الصيام الواجب بالشرع -صيام رمضان-: هو التتابع وصيام الكفارات الأخرى فيها التتابع، فهل يحمل المطلق على المقيد أو لا يحمل؟:

قال ابن قدامة -رحمه الله- في ذلك: فإن لم يجد من هذه الثلاثة واحدًا، أي: الإطعام أو الكسوة أو العتق، أجزأه صيام ثلاثة أيام متتابعة، يعني: إن لم يجد طعامًا، ولا كسوة، ولا عتقًا انتقل إلى صيام ثلاثة أيام؛ لقوله تعالى: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ}.

ثم قال: وهذا -أي: صيام الثلاثة أيام بعد العجز عن الأنواع الثلاثة الأولى- لا خلاف فيه، إلا في اشتراط التتابع في الصوم، وظاهر المذهب -أي: الحنبلي- اشتراطه، كذلك قال إبراهيم النخعي والثوري وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي، وروي نحو ذلك عن علي رضي الله عنه وبه قال عطاء ومجاهد وعكرمة. وحكى ابن أبي موسى عن أحمد رواية أخرى: أنه يجوز تفريقها، وبه قال مالك والشافعي في أحد القولين، لأن الأمر بالصوم مطلق ولا يجوز تقييده إلا بدليل؛ ولأنه صام الأيام الثلاثة فلم يجب التتابع فيه كصيام المتمتع ثلاثة أيام في الحج.

وقال: ولنا: أن في قراءة أُبيّ وعبد الله بن مسعود: “فصيام ثلاثة أيام متتابعات”؛ كذلك ذكره الإمام أحمد في التفسير عن جماعة، وهذا إن كان قرآنًا فهو حجة؛ لأنه كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وإن لم يكن قرآنًا؛ فهو رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم إذ يحتمل أن يكون أُبي وابن مسعود سمعاه من النبي صلى الله عليه وسلم تفسيرًا فظناه قرآنًا، فثبتت له رتبة الخبر، ولا ينقص عن درجة التفسير للنبي صلى الله عليه وسلم للآية.

وعلى كلا التقديرين؛ فهو حجّة يصار إليه؛ ولأنه صيام في كفارة فوجب فيه التتابع؛ ككفارة القتل والظهار، والمطلق يحمل على المقيد على ما قررناه فيما مضى، فعلى هذا، إن أفطرت المرأة لمرض أو حيض أو الرجل لمرض لم ينقطع التتابع، وبهذا قال أبو ثور وإسحاق. وقال أبو حنيفة: ينقطع فيهما؛ لأن التتابع لم يوجد، وفوات الشرط يبطل به المشروط، أي: الكفارة.

وقال الشافعي: ينقطع في المرض في أحد القولين، ولا ينقطع في الحيض، قال ابن قدامة: ولنا أنه عذر يبيح الفطر أشبه الحيض في كفارة القتل. هذا ما قاله ابن قدامة -رحمه الله- في مسألة التتابع.

المسألة الرابعة من المسائل المشهورة التي اختلف الفقهاء فيها: اشتراط العدد في المساكين؛ لأن الآية الكريمة نصَّت على العشرة:

قال ابن رشد: وأما المسألة الرابعة وهي اشتراط العدد في المساكين؛ فإن مالكًا والشافعي وأحمد قالوا: لا يجزيه إلا أن يطعم عشرة مساكين، وقال أبو حنيفة: إن أطعم مسكينًا واحد عشرة أيام أجزأه، والسبب في اختلافهم: هل الكفارة حق واجب للعدد المذكور: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} كما جاء بالآية، أو حق واجب على المكفِّر قُدِّر بالعدد المذكور؟ فإن قلنا: إنه حق واجب للعدد كالوصية، فلا بد من اشتراط العدد، وإن قلنا: حق واجب على المكفِّر، لكنه قدر بالعدد أجزأ من ذلك إطعام مسكين واحد على عدد المذكورين.

وعلى كل حال؛ فالمسألة محتملة -أي: يجوز فيها هذا القول، وذلك القول- ولذلك قال ابن قدامة -رحمه الله-: والواجب في الإطعام: إطعام عشرة مساكين لنص الله تعالى على عددهم إلا ألّا يجد عشرة مساكين، فيأتي ذكره -إن شاء تعالى- وقد قال هناك فيما أحال عليه: إنه يجوز أن يطعم مسكينًا واحدًا عشرة أيام -كما قال أبو حنيفة.

ثم قال: ويعتبر في المدفوع إليهم أربعة أوصاف: الصفة الأولى: أن يكونوا مساكين وهما الصنفان اللذان تدفع إليهم الزكاة المذكورة في أول أصنافهم في قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ} [التوبة: 60] والفقراء مساكين وزيادة؛ لكون الفقير أشد حاجة من المسكين على ما بيناه؛ ولأن الفقر والمسكنة في غير الزكاة شيء واحد؛ لأنهما جميعًا اسم للحاجة إلى ما لا بد منه في الكفاية؛ ولذلك لو وصّى للفقراء أو وقف عليهم أو للمساكين؛ لكان ذلك لهم جميعًا، وإنما جعل صنفين في الزكاة وفرق بينهما؛ لأن الله تعالى ذكر الصنفين جميعًا باسمين فاحتيج إلى التفريق بينهما، فأما في غير الزكاة فكل واحد من الاسمين يعبر به عن الصنفين؛ لأن جهة استحقاقهم واحدة، وهي الحاجة إلى ما تتم به الكفاية، ولا يجوز صرفها إلى غيرهم سواء كان من أصناف الزكاة أو لم يكن، لأن الله تعالى أمر بها للمساكين وخصهم بها، فلا تدفع إلى غيرهم.

المسألة الخامسة من المسائل المشهورة التي اختلف الفقهاء فيها: اشتراط الإسلام، والحرية في المساكين:

يقول ابن رشد -رحمه الله-: وأما المسألة الخامسة: وهي اشتراط الإسلام والحرية في المساكين؛ فإن مالكًا والشافعي اشترطاهما -أي: الإسلام والحرية- ولم يشترط ذلك أبو حنيفة -رحمه الله.

سبب اختلافهم: هل استحقاق الصدقة هو بالفقر فقط أو بالإسلام؟ إذ كان السمع -أي: الأخبار- قد أنبأ أنه يثاب بالصدقة على الفقير غير المسلم، فمن شبه الكفارة بالزكاة الواجبة للمسلمين اشترط الإسلام في المساكين الذين تجب لهم هذه الكفارة، وهم: مالك والشافعي، ومن شبهها بالصدقات التي تكون عن تطوع أجاز أن يكونوا -أي: العشرة مساكين المستحقين للكفارة- غير مسلمين؛ لأن صدقة التطوع تجوز على غير المسلم. هذا عن اشتراط الإسلام.

أما عن شرط الحرية: فقد اشترطه مالك والشافعي، ولم يشترطْه أبو حنيفة. قال ابن رشد: وأما سبب اختلافهم في العبيد فهو: هل يتصور فيهم -أي: في العبيد- وجود الفقر أم لا؟ لأن المفروض أن العبد وما ملكت يداه لسيده، وأن نفقته على سيده، فهو ليس فقيرًا، فهل يتصور وجود الفقر في العبيد؛ إذ كانوا مكفيين من ساداتهم في غالب الأحوال أو ممن يجب أن يُكْفَوا؟.

فمن راعى وجود الفقر فقط -الصفة- قال: العبيد والأحرار سواء؛ بل إن العبيد أشد فقرًا من الأحرار، حيث لا يملكون فتيلًا ولا قطميرًا؛ إذ قد يوجد من العبيد من يجوعه سيده، فتكون الصدقة عليه أو إطعامه معينًا له على ما فيه من ظلم. ومن راعى وجوب الحق له على الغير بالحكم قال: يجب على السيد القيام بهم، ويقضى بذلك عليه، وإن كان معسرًا قضي عليه ببيعه فليس يحتاجون إلى المعونة بالكفارات وما جرى مجراها من الصدقات.

المسألة السادسة من المسائل المشهورة التي اختلف الفقهاء فيها: اشتراط سلامة الرقبة المعتقة:

وفيها يقول ابن رشد -رحمه الله-: وأما المسألة السادسة وهي: هل من شرط الرقبة أن تكون سليمة من العيوب؟ فإن فقهاء الأمصار شرطوا ذلك -يعني: جمهور العلماء في الشرق والغرب شرطوا ذلك- يعني خُلُوَّ الرقبة من العيوب المؤثرة في الثمن، وقال الظاهرية: ليس ذلك من شرطها.

وسبب اختلافهم -كما يقول ابن رشد-: هل الواجب الأخذ بأقل ما يدل عليه الاسم يعني: يقول الله -تبارك وتعالى-: {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المائدة: 89]؛ فهل الواجب أيُّ رقبة أقل ما يدل عليه الاسم، أو بأتم ما يدل عليه بأن تكون رقبة كاملة بجميع أوصافها؟.

اشتراط سلامة الرقبة المعتقة وضحه ابن قدامة -رحمه الله- في قول الخرقي: “وإن شاء أعتق رقبة مؤمنة قد صلّت وصامت؛ لأن الإيمان قول وعمل، وتكون سليمة ليس فيها نقص يضر بالعمل”، جمع ابن قدامة -رحمه الله- في هذه المسألة جميع الأوصاف الخاصة بالرقبة؛ ولذلك قال: وجملته أن إعتاق الرقبة أحد خصال الكفارة بغير خلاف -أي: أحد أنواعها- لنص الله تعالى عليه بقوله: {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} ويعتبر في الرقبة ثلاثة أوصاف:

الشرط الأول: أن تكون مؤمنة في ظاهر المذهب: وهو قول مالك والشافعي وأبي عبيد، وعن أحمد رواية أخرى: أن الذمية تجزئ، وهو قول عطاء وأبي ثور وأصحاب الرأي لقول الله تعالى: {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} وهذا مطلق فتدخل فيه الكافرة، ولنا: أنه تحرير في كفارة فلا تجزئ فيه الكافرة ككفارة القتل الخطأ، والجامع بينهما: أن الإعتاق يتضمن تفريغ العبد المسلم لعبادة ربه، وتكميل أحكامه، وعبادته، وجهاده، ومعونة المسلم، فناسب ذلك شرع إعتاقه في الكفارة تحصيلًا لهذه المصالح والحكم مقرون بها في كفارة القتل المنصوص على الإيمان فيها، فيعلل بها، ويتعدى ذلك الحكم إلى كل تحرير في كفارة، فيختص بالمؤمنة؛ لاختصاصها بهذه الحكمة.

وأما المطلق الذي احتجوا به فإنه يُحمل على المقيد في كفارة القتل كما حُمل مطلق قوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ} [البقرة: 282] على المقيد في قوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} [الطلاق: 2] وإن لم يُحمل عليه من جهة اللغة حُمل عليه من جهة القياس. هذا هو الشرط الأول، وسيذكره ابن رشد بعد ذلك في المسألة السابعة.

الشرط الثاني: أن تكون قد صلّت وصامت، وهذا قول الشعبي، ومالك، وإسحاق، قال القاضي: لا يجزئ من له دون السبع -أي: السبع سنوات- لأنه لا تصح منه العبادات في ظاهر كلام أحمد لقوله صلى الله عليه وسلم: ((مروا أولادكم بالصلاة لسبعٍ)) وظاهر كلام الخرقي: المعتبر الفعل دون السن، فمن صلى وصام ممن له عقل يعرف الصلاة والصيام ويتحقق منه الإتيان به بنيته وأركانه فإنه يجزئ في الكفارة وإن كان صغيرًا، ولم يوجدا منه -يعني: إذا لم يوجدا منه أي: الصلاة والصيام- لم يجزئ في الكفارة وإن كان كبيرًا.

يقول ابن قدامة: ولا يجزئ إعتاق الجنين -جنين الأمة من عبد- ولا يجزئ إعتاق الجنين في قول أكثر أهل العلم وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، وقال أبو ثور: يجزئ؛ لأنه آدمي مملوك فصح إعتاقه عن الرقبة كالمولود.

الشرط الثالث وهو شاهد مسألتنا: ألا يكون بها -أي: بالرقبة المعتقة- نقص يضر بالعمل، وقد شرحنا ذلك في الظهار، ويجزئ الصبي وإن كان عاجزًا عن العمل؛ لأن ذلك ماضٍِ إلى زوال -أي: سيكبر- وصاحبه -أي: الصبي- سائر إلى الكمال، ولا يجزئ المجنون؛ لأن الجنون نقص وهذا النقص لا غاية لزواله معلومة؛ فأشبه الزّمِنْ -أي: المريض مرضًا مزمنًا- وإن أعتق غائبًا تعلم حياته وتجيء أخباره -صحّ وأجزأه عن الكفارة كالحاضر، وإن شك في حياته وانقطع خبره لم يحكم بالإجزاء فيه؛ لأن الأصل شَغْل ذمته ولا تبرأ بالشك.

ثم أضاف: وإن أعتق غيره -والده أو زوجته- عنه بغير أمره – لم يقع عن المعتق عنه إذا كان حيًّا وولاؤه للمعتق، ولا يجزئ عن كفارته وإن نوى ذلك، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي… إلى آخر ما قال -رحمه الله- في هذه القضية.

المسألة السابعة من المسائل المشهورة التي اختلف الفقهاء فيها: اشتراط الإيمان في الرقبة:

يقول ابن رشد -رحمه الله- في المسألة السابعة: إن مالكًا والشافعي ومعهما أحمد اشترطا ذلك أن تكون الرقبة مؤمنة حملًا للآيات المطلقة على الآيات المقيدة بالإيمان، وأجاز أبو حنيفة أن تكون الرقبة غير مؤمنة -كما ذكرنا منذ قليل عند الكمال بن الهمام.

وسبب اختلافهم هو: هل يُحمل المطلق على المقيد؛ لأن آية القتل الخطأ: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} [النساء: 92] فيها لفظ المؤمنة أو قيد الإيمان، وفي كفارة اليمين جاءت مطلقة: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المائدة: 89] ولم يذكر الإيمان، فهل يحمل المطلق على المقيد فتكون جميع الرقاب التي يجوز عتقها مؤمنة أو لا يحمل؟.

حمل الإمام مالك والشافعي وأحمد المطلق على المقيد؛ فاشترطوا في جميع الرقاب أن تكون مؤمنة، وأبو حنيفة لم يحمل المطلق على المقيد؛ لذلك أجاز أن تكون الرقبة غير مؤمنة.

وسبب اختلافهم هو: هل يحمل المطلق على المقيد في الأشياء التي تتفق في الأحكام وتختلف في الأسباب، أي: الجميع عتق رقبة بصرف النظر عن أنها في قتل خطأ، أو في ظهار، أو في جماع في رمضان، أو في كفارة يمين، الحكم متفق والسبب مختلف، كحكم حال هذه الكفارات مع كفارة الظهار؟ فمن قال: يحمل المطلق على المقيد في ذلك؛ قال باشتراط الإيمان في ذلك حملًا على اشتراط ذلك في كفارة القتل في قوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} [النساء: 92] ومن قال: لا يحمل المطلق على المقيد؛ وجب عنده أن يبقى موجب اللفظ على إطلاقه كما جاء في آية كفارة الأيمان: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} بالإطلاق.

الفصل الثالث من القسم الثاني من الجملة الثانية من كتاب الأيمان: متى ترفع الكفارةُ الحنثَ:

وفيها يشير ابن رشد -رحمه الله- ويبين متى ترفع الكفارةُ الحنثَ -أي: تزيل الإثم- وكم ترفع؟ يعني: هل الكفارة تصدق على عدة أيمان منعقدة أو على يمين واحدة؟ أو بعبارة أخرى: هل تتداخل الكفارات المتعددة فتصبح كفارة واحدة أو لا؟ هل ترفع الكفارة الحنث قبل المخالفة أو بعدها؟ يعني: إذا أدى الإنسان الكفارة قبل الوقوع في المخالفة التي تخالف اليمين المنعقدة ويثبت الحنث؛ هل يعتبر ذلك تكفيرًا أو لا بد أن تكون الكفارة بعد الحنث فعلًا؟.

أما متى ترفع الكفارةُ الحنثَ وتمحوه؟ فإنهم اختلفوا في ذلك، فقال الشافعي وأحمد: إذا كفّر بعد الحنث أو قبله فقد ارتفع الإثم عنه. وقال أبو حنيفة: لا يرتفع الحنث إلا بالتكفير الذي يكون بعد الحنث لا قبله. وروي عن مالك في ذلك القولان جميعًا؛ قول يوافق فيه رأي الشافعي وأحمد بجواز الكفارة قبل الحنث وبعده، وقول يوافق فيه قول أبي حنيفة بأن الكفارة لا تكون إلا بعد الحنث.

error: النص محمي !!