Top
Image Alt

الحكم الشرعي لرتق غشاء البكارة

  /  الحكم الشرعي لرتق غشاء البكارة

الحكم الشرعي لرتق غشاء البكارة

مما تقدم من المصالح والمفاسد بين ما يحققه رتق غشاء البكارة من مصالح، وما يُؤدي إليه هذا الرتق من مفاسد، يتبين ما يأتي من أحكام:

1- إذا كان سبب التمزق أمرًا لا يُعتبر معصيةً، كأن يكون سبب التمزق حادثةً أو فعلًا لا يعتبر في الشرع معصيةً؛ كالأمراض أو العنوسة، وليس وطئًا في عقد نكاح، يُنظر إلى حكم هذا الرتق؛ فإن غلب على الظن أن الفتاة التي تَمزق غشاء بكارتها ستُلاقي عَنَتًا وظلمًا بسبب الأعراف والتقاليد السائدة -كان إجراء الرتق واجبًا؛ لِمَا فيه من دفع مفاسد يغلب على الظن وقوعها، فإن المفسدة المتوقعة بأغلبية الظن تعتبر في حكم الناجزة المحققة، فإذا غلَب وقوع المفسدة ولو في المآل -المستقبل- جُعلت كالمفسدة الواقعة.

فالرتق إذا كان التمزق نتيجة أفعال لا تُعتبر معصية؛ كالحوادث والأمراض والعنوسة، وليس في وطء في عقد صحيح، وغلب على ظن الطبيب أن الفتاة ستلاقي كثيرًا من العنت والمشقة في تمزق غشاء بكارتها، بسبب الأعراف والتقاليد الاجتماعية؛ يكون الرتق والإصلاح حينئذٍ واجبًا؛ لما فيه من دفع ودرء المفاسد التي يغلب على الظن وقوعها، والقاعدة الشرعية تقول: “درء المفاسد مقدم على جلب المصالح”.

وهذه الأغلبية في الظن أو التوقع في حكم الواقعة فعلًا، أو في حكم الناجزة المُحَقّقة، فما دام قد غلب على الظن وقوع مفسدة على هذه الفتاة التي تمزق غشاء بكارتها بسببٍ لا دخل لها فيه، ولا يُعتبر معصية؛ لأنه من حوادث أو من أمراض أو من كِبر سن؛ حتى لو كان هذا الظن بوقوع هذه المفاسد في المآل -أي: بعد فترة- فكل هذا الظن وما يئول إليه يجعل رتق غشاء البكارة في هذه الحالة واجبًا ومفروضًا.

وإن لم يغلب ذلك على الظن تكون الأمور أهون من ذلك، ولا يقف عندها كثيرٌ من الناس؛ فعُرف المجتمع أو البلد لا يعول على وجود غشاء أو عدم وجود غشاء، أي: لم يغلب على الظن وقوع مَفسدة للفتاة.

إذًا: يكون إصلاح الغشاء مندوبًا؛ لما فيه من دفع مفاسد مُحتملة، والذي يحدد المفاسد التي يغلب على الظن وقوعها والمفاسد المحتملة الطبيب والمجتمع، فالذي يحدد ما تقدم طبيعة المجتمع الذي تعيش فيه هذه الفتاة وأعرافه وتقاليده.

هذا عن الحكم الأول؛ قد يكون الرتق واجبًا وقد يكون مندوبًا؛ فيكون واجبًا إذا غلب على الظن وقوع مفاسد عديدة على هذه الفتاة مع أنها لم تقع، فتصبح هذه المفاسد في حكم الواقعة، ويكون دفع الضرر أمرًا شرعيًّا؛ فيكون رتق الغشاء واجبًا. أما إذا كان الظن بسيطًا لم يغلب على الظن وقوع مفاسد، يكون الرتق مندوبًا؛ لأنه من باب الستر.

2- إذا كان سبب التمزق وطئًا في عقد نكاح صحيح، أو بعد وفاة الزوج؛ يكون إجراء الرتق حرامًا، فيحرم إرجاء الرتق لمطلقة أو أرملة؛ لأن هذا فعلٌ لا مصلحة فيه، فالجميع يعلم أنها تزوجت وأنها أرملة؛ فكيف تبقَى على بكارتها؟ أو كيف تذهب إلى مَن يقوم بإصلاح ما حدث من تمزق صحيح؛ بسبب الجماع الصحيح؟

إذًا: هذا فعلٌ لا مصلحة فيه، ومن باب أولى يَحْرُمُ إجراؤه للمتزوجة لأنه لعب ولهو، ولا يجوز للطبيب النظر إلى عورة المرأة دون ضرورة أو حاجة.

ومما يؤسف له أن بعض الأطباء الذين يؤتمنون، أو من المفترض أن يكونوا أمناء على عورات النِّساء، يخون هذه الأمانة ويرتكب أعمالًا سيئة، حيث فُوجِئنا عبر صفحات الجرائد بأن طبيبًا يصور النساء أو يمارس معهن الفاحشة، وقد يكون ذلك تحت تأثير تخدير أو تهديد، أو غير ذلك.

فالمرأة المتزوجة أو التي مات زوجها، ما المصلحة في أن تذهب إلى الطبيب وتكشف عوراتها عليه، ويقوم برتق غشاء البكارة، وهي قد تمزقت بسبب شرعي صحيح معروف لكل الناس، ألا وهو الزواج؟!

فلا ضرورةَ ولا حاجةَ لهذا الرتق، وعليه يكون إجراؤه حرامًا للمرأة المتزوجة، أو المرأة المطلقة، أو المرأة الأرملة.

3- إذا كان سبب التمزق زنا، وهذا الزنا اشتُهر بين الناس، كما نعلم أن هناك بعض النساء يقمن بهذا العمل -فطبيعة العمل ارتكاب الفاحشة- مثل الغانيات أو البغايا كما كان معروفًا في الجاهلية، وكما سماه القرآن الكريم: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا} [النور: 33] فالبغي أو البغايا: اللاتي تمزق غشاء بكارتهن بسبب استمرارهن في الزنا، وقد اشتُهر أمرهن بين الناس، سواء كان الاشتهار نتيجة ظهور حكم قضائي كما يفعل “بوليس” الآداب، ويُحيل هؤلاء الفتيات الساقطات إلى المحكمة؛ فيصدر حكم قضائي على الفتاة بالزنا، أو كان نتيجة تكرار الزنا من الفتاة دون أن يصدر حكمٌ بذلك.

بل إنها تعلن ذلك على الناس؛ لتستحوذ على أكبر قدر من الراغبين في الفاحشة، ولها على كل عمل مكافأة، وهي تعلن ذلك واشتهرت بين الناس بالبغاء؛ ففي هذه الحالة يحرم على الطبيب رتق غشاء البكارة؛ لعدم وجود المصلحة، ولعدم خلوّ فعله هذا من المفسدة؛ لأنها قد تتزوج في يوم من الأيام وقد تتوب، فيتقدم لها إنسان فاضل لا يعلم عن هذا الماضي شيئًا؛ فيكون في رتق الغشاء غش كبير لهذا الرجل، ما دامت المرأة قد اشتُهِرَ أمرُها وافتُضِح بين الناس، أو صدر حكم قضائي بذلك.

4- إذا كان سبب التمزق زنا لم يُشتهر بين الناس بالمعنى السابق، أي: لم يَصدر فيه حكم قضائي، ولا هي تُعلن عن ذلك، ولا يعرف الناس عن سلوكها إلا الخير؛ فحينئذٍ يكون الطبيب مُخيرًا في إجراء عملية الرتق أو عدم إجرائها؛ أي: الأمرُ مباح ولكنَّ إجراءها أولى إذا كان ذلك بإمكانه؛ لأنّ فعله هذا من باب الستر -كما تقدم- والستر على العصاة تتناوله أحكام عدة:

أولًا: قد يكون الستر حرامًا إذا ترتب عليه تضييع حق من حقوق العباد، وهذا العمل ليس فيه تضييع لحق أحد.

ثانيًا: قد يكون الستر واجبًا إذا ترتب على الإظهار وقوع مفسدة أو معصية، كما لو كان الشخص وحيدًا عندما رأى حادثة الزنا، فإنه لا يستطيع أن يُبْلغ؛ لأنه يحتاج إلى ثلاثة شهود معه، فإن بلغ ولم يقر المتهم كان ذلك منه قَذْفًا وأقيم عليه الحد، وعدم قيام الطبيب بالرتق لا يوقعه في القذف.

ثالثًا: يكون الستر مندوبًا إذا تبين أن الذي وقع في المعصية قد نَدِمَ وتاب ولم يكررها، فإذا جُهل حالُ العاصي من حيث التوبة وعدمها؛ لا ندري إن كان قد تاب أو لم يتب، فمقتضى ما تقدم أن يكون الستر عليه جائزًا أو مستحبًّا؛ فإذا قلنا بحمل أمر الناس على الصلاح في المجتمع الإسلامي، وأن الأصل فيهم عدم الإصرار على الإثم، أي: من جُهل حالُه ولم ندرِ عن توبته أو عدم توبته شيئًا؛ فإن تغليب جانب الظن الحسن وتغليب جانب التوبة وتفويض الأمر إلى الله سبحانه وتعالى يجعل الطبيب أمام أمر جائز له، بل هو مستحب.

فيكون مستحبًّا إذا قلنا بأن المفترض أن يُحمل أمر الناس على الصلاح، وعلى الاستغفار، وعلى التوبة؛ لأننا في مجتمع إسلامي، ومن شأن الإنسان إذا عصَى الله أن يرجع إليه، وأن يتوب، وأن يذكر الله عز وجل ويندم ويتحسر، ويُعاهد الله ألا يعود إلى هذا الأمر مرة أخرى كما قال تعالى: { وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [آل عمران: 135، 136]

ومن هذا نستطيع القول بأنّ رتق غشاء البكارة تعتريه الأحكام الشرعية الخمسة، فالحُكم الشرعي منه ما هو تكليفي، ومنه ما هو وضعي.

أما التكليفي فينقسم إلى أحكام خمسة: “الوجوب أو الفريضة، والندب والاستحباب، والإباحة، والكَراهة، والتحريم”، هذه تسمى أقسام الحكم التكليفي الشرعي الخمسة.

وهناك الحكم الوضعي، أي: الذي وضعه الشارع؛ ليكون سببًا لشيء، أو ليكون شرطًا لتحقق شيء، أو ليكون مانعًا من تحقق شيء؛ السبب والشرط والمانع أو الرخصة والعزيمة؛ متى يكون عزيمة؟ ومتى يكون رخصة؟ والصحة والبطلان؛ هذه الأقسام الخمسة تسمى أقسام الحكم الوضعي.

ففي الحكم التكليفي، نجد أن رتق غشاء البكارة تعتريه الأحكام التكليفية الخمسة:

أولًا: يكون واجبًا حين يكون التمزق من مرض، أو حادثة، أو فعلٍ لا يعتبر معصية.

ثانيًا: يكون مندوبًا حين تكون طبيعة المجتمع وأعرافه تميل إلى الظن السيئ بمَن تمزق غشاء بكارتها؛ لمرض أو حادث.

ثالثًا: يكون جائزًا -أي: مباحًا- حين يكون سبب التمزق خطأً في زنا لم يُشتهر بين الناس، والرتق أولى حينئذٍ من باب تغليب جانب الستر.

رابعًا: يكون الرتق مكروهًا لِمَن أخطأت مرةً ولم يُعرف عنها الزنا، لكنها لم تتب.

خامسًا: يكون حرامًا في حالتين:

الحالة الأولى: لمن تكرر خطؤها، واشتهر أمرُها بين الناس مع إصرارها على المعصية. الثانية: لامرأة أرملة أو مطلقة من عقد زواج صحيح حيث لا مصلحة؛ بل المفسدة حينئذٍ ظاهرة.

error: النص محمي !!