Top
Image Alt

الحكم بالنكول عن اليمين

  /  الحكم بالنكول عن اليمين

الحكم بالنكول عن اليمين

“النكول” مصدر للفعل نكل يَنْكُل، كقَعَد يَقعد، ومعنى نكل:  نكص، نكص أي: رجع عن شيء؛ فنكل معناه رجع عن شيء قاله، أو رجع عن شهادة أرادت أداءها، أو رجع عن يمين وجبت عليه، أو رجع عن عدو قاومه؛ فيقال: نكل عن اليمين، امتنع منها، والنكول نوعان: “نكول حقيقي، ونكول حكمي”.

النوع الأول: النكول الحقيقي فهو: كأنْ يَقُول للمدعى عليه: لا أحلف؛ فالقاضي يقول له: إني أعرض عليك اليمين ثلاث مرات، احلف احلف احلف ثلاث مرات؛ فإن حلفت برئت، وإلا قضيت عليك بالمال أو للدعوى. أي: يبين له أنه لن يترجاه إلى غير أجل، فما أمامه من حَقّه شرعًا أن يكرر القاضي عليه هذا الطلب ثلاث مرات؛ فإن أصَرّ على قوله  اعتبر القاضي ذلك نكولًا، وطلب من المدعي أن يحلف ويستحق الدعوى، أو يستحق ما ادعى به.

لكن؛ لماذا ثلاث مرات؟ ذلك ليكون أبلغ في البيان، عندنا على ذلك شواهد كثيرة: أن الشرع راعى المرات الثلاث، بعد الثلاثة. الطلاق ثلاث مثلًا سيدنا موسى مع الخضر  وجد أنه لا عذر له بعد ثلاث: {قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لّدُنّي عُذْراً} [الكهف: 76].  فلما حدث بينهما ما جعله يخرج عن هذا التعهد انتهى؛ فاعتبر ذلك من أبلغ الأعذار أن يتكرر ثلاث مرات. هذا هو النكول الحقيقي.

النوع الثاني: النكول الحُكْمي وهو مِثْلُ أنْ يَعرض القاضي اليمين على المدعى عليه ثلاث مرات؛ فيسكت في كل مرة ولا يجيبه؛ فيجعل ناكلًا: احلف احلف احلف، وهو لا يستجيب ساكت،  فيعتبر ناكلًا حُكمًا ذلك؛ لأنّه امتنع عن اليمين، اللّهُمّ إلّا إذا كان امتناعه عنها بسبب آفة تمنعه عن الجواب، أو بأذنه آفة تمنعه من السماع.

إذا كان عِنْده عذرٌ قولي؛ فإن سُكوته لا يُعتبر  نكولًا؛ لأنه لم يسمع أو لأنه سمع، ولكن لا يَقْدِرُ على الجواب؛ فلا يَصِيرُ ظالمًا؛ فلا يجعل القاضي امتناعه عن اليمين نكولًا حُكمًا، ولو سأله القاضي عن الدعوى فسكت ولم يُجِبْه: ما رأيك يا فلان، فلان يدعي عليك أنك أخذت كذا من ماله ولم ترده، أو أودع عندك مالًا ماذا تقول؟ أو أنك لم تدفع أجرة الدابة أو السيارة التي استأجرتها منه، ماذا تقول؟ القاضي يأمر المدعي أن يأخذ منه كفيلًا إذا سكت.

لو سأل القاضي عن الدعوى -أي: سأل المدعي عليه- عن الدّعوى فسكت ولم يُجبه؛ فالقاضي يأمُر المُدّعي أن يأخذ منه كفيلًا يعني: خُذ كفيل يضمن لك؛ لإحضاره عند الطلب وسؤاله عن حاله، هل به آفة تمنعه من السمع؟ هل به آفة تمنعه من الكلام؟ وإن ظهر أنه لا آفة به، أعاده إلى مجلس القضاء، وسأله عن الدعوى، فإن سأله فلم يجب؛ فالقاضي يعرض عليه اليمين ثلاث مرات: تحلف تحلف تحلف؛ فإذا استمر سكوته فإنه يجعله ناكلًا عند الحنفية، وهذا هو الراجح أو لأنه ليست عنده آفة، أو ما يمنعه من الجواب، ومع ذلك هو ساكت يريد أن يضيع الحق على صاحبه.

ولما كان النكول في معنى الإقرار؛ لأن القاضي يقول له: احلف يسكت، أو يقول: لا أحلف، فالنُّكول في هذه الحالة يُعتبر في معنى الإقرار؛ كأنّه يُقِرّ أنّ الدّعوى صحيحة، وأنّ ما يقوله المدعي هو الحق؛ ولذلك لأنها في معنى الإقرار، فهي حجة قاصرة أيضًا، ومن حق المدعي أن يقدم بينة على دعواه، كما يُمكن أن يتعدى الحكم على الغير.

واختلفوا في الحكم بالنكول: هل يقضي القاضي بناءً على هذا النكول من المدعى عليه أو لا؟ اختلف الفقهاء في ذلك إلى ثلاثة أقوال:

القول الأول: أنّ القَاضي يَقضي بمقتضاه، وهو قول الحنفية، ورواية عن الإمام أحمد، وهو قول عثمان بن عفان، والقاضي شُريح، ودليل هذا ما روي: “أن عبد الله بن عمر باع عبدًا له بثماني مائة درهم بالبراءة -بالبراءة يعني يقول: أنا بريء من أي عيب في هذا العبد، أنا لست مسؤلًا عنه- فاشتراه المشتري، ودفع ثمان مائة على شرط البراءة، ثم بعد ذلك اكتشف المشتري أن بالعبد عيبًا؛ فخاصم في ذلك لدى سيدنا عثمان، فقال عثمان لابن عمر: “احلف بالله لقد بعته وما به من داء علمته؛ فأبى ابن عمر أن يحلف على هذا، رفض، فرَدّ عليه عثمان العبد يعني رد عليه العبد. قال: انتهى انفسخ هذا العقد، فالعبد يعود عليك، وأنت تعطي هذا الرجل الثمن الذي دفعه إليك”.

وقد جاء في هذه الرواية: “أن  ابن عمر  لم يرفض اليمين إلا  تعظيمًا لاسم الله عز وجل أن يزجّ باسمه في مثل هذه الأمور، فعوَّضه الله أنه باع هذا العبد بثمن أغلى.

 الشاهد: أنّ ابن عمر لما باع العبد باعه بشرط البراءة، ثُمّ لما اكتشف المُشتري أنّ به عيبًا خاصمه، والخصومة هنا: هل يا ترى هذا العيب جديدًا أو قديمًا؟ وإذا كان قديمًا فهل ابن عمر يعلم بهذا العيب وكتمه، أو أنه لا يعلم؟ فلما اختصما إلى سيدنا عثمان بن عفان كل ما طلبه من ابن عمر أن يحلف، على أن هذا العيب لم يكن يعلمه، وأنه باع هذا العبد دون علمه بأن به عيبًا، وهذا هو في الواقع القضاء السليم الصحيح.

ابن عمر على حق أيضًا في أنه لم يُرد أن يَزج باسم المولي عز وجل في مِثل هذه الأمور، وأنّه كان ينبغي أن يُصَدّق دون قَسمٍ؛ فأمر عثمان برد هذا العبد عليه،  واسترداد الثمن، فبارك الله له في بيعه فيما بعد.

 موضع الشاهد: أن سيدنا عثمان وهو الحاكم والقاضي رَدّ هذا العبد على البائع؛ كأنه أبطل هذا البيع بسبب نكول ابن عمر عن القسم. هذا هو القول الأول وهو قول الحنفية ورواية عن أحمد وقول عثمان، والقاضي شريح.

القول الثاني: أنه لا يقضي القاضي بالنكول لمجرد أنّ المدعى عليه رفض القسم، بل تُرَدُّ اليَمِينُ على المدعي؛ نقول له:  تحلف أنت؛ فإن حلف قضى له، وإلا صرفها عنه  وهذا مذهب الشافعي ومالك، ويبدو أن الخلاف شكلي؛ لأنه هل بمجرد الامتناع يلزم الرد، ويلزَمُ فسخ العقد أو أنْ يُعرض الأمر على المُدّعي فيحلف ويستحق.

فمذهب الشافعي أن القاضي لا يقضي بالنكول بل ترد اليمين على المدعي؛ فكأنّ القضية حكم فيها بالدعوى، ويمين المدعي، وجهة نظر القول الأول أنه  حكم بالنكول مجرد إنه رفض المدعي أن يحلف كان هذا دليلًا على صدق المدعي.

القول الثالث: وهو مذهب الظّاهرية: أنْ يُجبر المدعى عليه على اليمين، هذا والله من ظاهريتهم، مبالغة في الأخذ بالظاهر؛ لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه)) أخذوا بهذا الظاهر،  وقالوا: إنّ القاضي يَجْبُر أي: يكرهه؛ فيضطر القاضي لإجباره على الحلف، ولا يقضي بنكوله، ولا يرد اليمين على المدعي.

وقصر أصحاب هذا الرأي رد اليمين على ثلاثة مواضع فقط هي: “القسامة، والوصية في السفر إذا لم يشهد فيها إلّا كافر واحد، وإذا قام المدعي شاهدًا واحدًا حلف معه؛ بمعنى أنهم قصروا رَدّ اليمين إلى المدعي على ما ورد في السنة في الأحاديث فقط،  دليل هذا القول وقول الظاهرية، هو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بينتك أو يمينك، وليس لك إلا هذا)) “بينتك أو يمينك” وقد قال ذلك للمدعي.

فصحّ يقينًا أنه لا يجوز أن يعطي المدعي بدعواه دون بينة؛ لا بد من البينة؛ فبَطُل بهذا  أن يعطى شيء بنكول خصمه، أو يمين المدعي إذا نكل المدعى عليه؛ لأنه يكون بذلك قد أعطي بمجرد الدعوى، وصح أن اليمين تكون بحكم الله على لسان رسوله، تكون على المدعى عليه، ووجب بذلك أنه لا يعطي المدعي يمينًا أصلًا  لا يعطى القاضي .

على أي حال: يعني هذه أقوال ثلاثة؛ لعل أعدلها أوسطها، وهو قول الشافعي ومالك، وهو المروي عن عمر، وعلي، وزيد بن ثابت، وأبي ابن كعب، وهذا القول هو الراجح  فالقاضي لا يكتفي بمجرد النكول إنما يعيد اليمين على المدعي، وبذلك يكون جانب المدعي قويًّا؛ فهو في هذه الحالة معه اليمين، ومعه نكول المدعى عليه. على أية حال: هذه هي أقوال أهل العلم في هذا الموضوع، وهو موضوع النكول.

error: النص محمي !!