Top
Image Alt

الحلول القرآنية للمشكلات الزوجية

  /  الحلول القرآنية للمشكلات الزوجية

الحلول القرآنية للمشكلات الزوجية

أولًا: في بداية هذه الحلول لابد من تأصيل الثقافة الإسلامية في موضوع العلاقة الزوجية، والتذكير بما تقتضيه هذه الثقافة في وقت الأزمات، فقد يسيطر الغضب على عقل الزوج، فيُنسيه ما علم من هدي ربه وهدي رسوله حتى يقع في المحذور. وخلاصة ما يجب أن يدركه الزوج: أن المرأة خلقت من ضلع أعوج, وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((إن المرأة خلقت من ضلع, لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج، وإن ذهبت تُقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها)).

وإن المسلم يستجيب في معاملته لزوجته إلى ما أوصاه به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوقن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أوصاه إلا بما فيه سعادته، وقد قال صلوات الله وسلامه عليه: ((استوصوا بالنساء خيرًا)), وبيّن سر هذه الوصية فقال: ((إنما هن عندكم عَوَان)) أي: أسرى أو كالأسرى، وقال: ((إنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله)).

فهذه المرأة التي انتقلت إليك من بيت أبيها، أصبحت في بيتك كالأسيرة لا تخرج من بيتك إلا بإذنك، ولا تتصرف في شيء إلا بتوجيه منك ورضا، إنها أمانة استأمنك الله عليها، وأمر آخر أعظم وأكبر؛ هو أن الله أحل لك أن تطلع منها على ما لا يجوز لأب أو لأم أو لأحد أن يطلع عليه، فمن الذي أعطاك هذا الحق؟ إنه الله، فحين أخذت هذه الفتاة بكلمته قلت لوليها: زوجني, فقال لك: زوجتك.

فمن يتأمل في ذلك, يراه أمرًا يدعو الرجل إلى أن يغضّ الطرف عن هفوات كثيرة، وإلى أن ينظر إلى الجوانب المشرقة والمضيئة عند زوجته، ويستطيع أن يستوعب التوجيه النبوي الذي ذكرناه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقًا رضي منها آخر)), وما إلى غير ذلك من التوجيهات للأزواج.

ويقابلها تذكير للزوجات بحسن عشرة أزواجهن، والقيام بحقهم، وأنها وقد انتقلت من بيت أبيها إلى بيت زوجها، إنما انتقلت إلى عشرة أبدية متواصلة, لا تقتصر على الدنيا إنما تمتد إلى الآخرة في جنات النعيم، ولهذه الحياة التي تفوق سنوات أمضتها في كنف أبويها وأهلها حقوق, وفي أدائها رضا الله، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها؛ قيل لها: ادخلي من أي أبواب الجنة شئت)).

إلى غير ذلك من الأحاديث التي تجمع بين قلوب الزوجين على طاعة الله ومحبته، ومع هذه التوجيهات النورانية قد يغلب الشيطان الزوجين، فيزرع في قلبيهما البغض والكراهة، ويبدأ هذا البغض بكلمات وأفعال كان يمكن تجاوزها، إلا أن الشيطان يسكب عليها من وساوسه ما يشعل فيها النيران، حتى تكاد تحرق هذا البيت وما فيه ومن فيه.

يروي الإمام مسلم بسنده عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا؟ فيقول: ما صنعت شيئًا، ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته، فيدنيه منه ويقول: نعم أنت, فيلتزمه)).

هذا إذًا هو الشيطان اللعين الذي يحاول أن يهدم البيوت المتحابّة، وهنا تكون حكمة كل من الزوجين في مثل هذا الحال, وقد وضع القرآن خطة محكمة، لو أحسن تنفيذها كل من الرجل والمرأة لتم القضاء على بذور الشقاق والخلاف، وهذه الحال هي التي تعرف بالنشوز، نشوز الزوجة ونشوز الرجل، فكل منهما يأبى أن يعطي حق صاحبه ويتعالى عليه.

فلنبدأ بخطة القرآن في علاج نشوز المرأة، وفيها يقول ربنا: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا * وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} [النساء: 34، 35]. ونشير إلى نشوز الزوج إلى أن نعود إليه، ذلكم ما جاء في قول الله تعالى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: 128].

فلنبدأ حديثنا عن هذا النشوز ببيان معنى قوامة الرجال على النساء؛ لأن هذه القوامة قد تكون من الأسباب التي أدت إلى نشوز الرجل، ولا بد أن نعلم أن هذه القوامة التي شرعها الله عز وجل ليست لضعف أو انتقاص في جنس النساء، وإنما هو التساوي العادل، والتسوية بين الحقوق والواجبات هي العدل الذي فرضته الفلسفة القرآنية للمرأة، وهو وضع المرأة في موضعها الصحيح من الطبيعة ومن المجتمع ومن الحياة الفردية، هكذا يقول العقاد في (الفلسفة القرآنية).

وتلك القوامة التي جعلها الله للرجال مشروطة بشرطين: التفضيل في المواهب والاستعدادات، والإنفاق على الزوجة، فالقوامة التي فرضها الإسلام للرجال على النساء هي إذًا قيادة، يجب أن تتوافر فيها ما يتوافر في كل قيادة رشيدة، فالقائد يجب أن يكون أفضل مَن في الجماعة التي يقودها، وأن يكون أهلًا للمسئولية عن قيادتها.

وعلى ذلك, يجب أن تتوافر في قوامة الرجل على المرأة الشروط الآتية:

  1. أن يبلغ مبلغ الرجال سنًّا, وإدراكًا.
  2. أن تتوافر له صفة الفضل أو التفضيل، فالرجل الفاسد أو المجرم المطارد أو فاقد الحرية لا قوامة له على المرأة الصالحة.
  3. أن يقوم بواجبه في الإنفاق على من يعوله من النساء.

ومع أن الله قد جعل للرجل حق قيادة الأسرة، فإنه لم يجعلها قيادة مستبدة، إنما أقامها على التشاور والتراضي, وعند التنازع لا بد من حسم الموقف بكلمة من القائد حتى لا يتهدم البناء.

فالأسرة المسلمة لا تعرف الاستبداد بالرأي، ولا الظلم في المعاملة ولا الطاعة العمياء، بل هناك حقوق وواجبات؛ إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، بل الطاعة للشرع، فطاعة الزوجة لزوجها ليست لشخصه، بل للأوامر والقواعد والنظم التي بموجبها تم عقد الزواج، وطاعة الزوج ليست من قبيل المَنِّ أو العطف، بل من قبيل القيام بالواجب.

فإذا ما فهمت المرأة المسلمة والزوج المسلم حدود هذه القوامة؛ أدى كل منهما واجبه تجاه صاحبه، والآيات الكريمة تذْكر أن الزوجة الصالحة مطيعة حافظة لمغيب زوجها في نفسها وماله، أما التي يبدو منها عوارض التمرد والعصيان؛ فإن الزوج -كما أوضحت الآية- يوجه إليها النصيحة، ويذِّكرها بحق الله عليها، ويبين لها ما في عصيانها من خطر يهدد حياتهما وحياة أبنائهما، وما يترتب على ذلك من العواقب الوخيمة.

فإن لم يُجْدِ الوعظ فالهجر في المضاجع، وهو عقوبة نفسية تتأدب بها المرأة, وليست عقوبة جسدية تحرمها من لذة الجسد بضعة أيام أو بضعة أسابيع، وإلا لكانت عقوبة للرجل أيضًا, وهو درس قاسٍ يصيب المرأة في الصميم، فإذا لم يفلح الوعظ ولا الهجر فليس هناك إلا الضرب، فإنه هو الذي يصلحها له ويجعلها توفي له حقه.

والضرب في هذه الآية هو ضرب الأدب المبرِّح، وهو الذي لا يكسر عظمًا ولا يُشِين جارحة، فإن المقصود منه الصلاح، فلا جَرَم إذا أدى إلى الهلاك وجب الضمان.

يقول الإمام الشوكاني: “فإن اكتفى بالتهديد ونحوه كان أفضل. ومهما أمكن الوصول إلى الغرض بالإيهام لا يعدل إلى الفعل؛ لما في وقوع ذلك من النفرة المضادة لحسن المعاشرة المطلوبة في الزوجة، إلا إذا كان في أمر يتعلق بمعصية الله. والاكتفاء بالتهديد أفضل؛ لأنه من أخلاق الكرماء، وفي ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم منفّرًا من الضرب: ((يعمد أحدكم فيجلد امرأته جلد العبد، فلعله يضاجعها من آخر يومه))”.

فانظروا إلى هذا التوجيه النبوي الكريم، ومع هذا فإن الضرب الذي أباحه القرآن لا يتنافى مع المودة والرحمة؛ لأنه كما يقول صاحب (حقائق الإسلام): “لم ينفهما فيما هو أمس الأمور بالمودة والرحمة، وهو تربية البنين وتربية المتعلمين، وتخويل رب الأسرة حق التأديب بدلًا من أحوال كثيرة كلها غير صالح، وكلها غير معقول في شئون القوامة البيتية”.

فإما أن يكون لرب الأسرة هذا الحق في معظم الشئون البيتية، وإما أن يستغنى عن التأديب في الأسرة أو يوكل التأديب فيها إلى دور الشرطة والقضاء، في كل كبيرة وصغيرة تعرض للزوجين على الرضا والغضب, والجهر والنجوى، أو يكون التأديب المسموح به أن ينصرم حبل الزواج، وأن ينهدم بناء البيوت على من فيها من الآباء والأمهات والبنين.

فإذا اشتد النزاع واتسعت هوة الخلاف، ولم ينفع وعظ ولا هجر ولا ضرب، وفشلت كل الأساليب وقاربت الأسرة الهوة الخطرة، ووهَى وضعف حبل المودة؛ أصبح من واجب المجتمع أن يتدخل لِيَحُولَ دون سقوط هذا الحجر من بنائه الاجتماعي، ويتحمل هذا الواجب الحاكم الذي اختارته الأُمة، وعليه أن ينتدب لذلك حكمًا من أهل الزوج وحكمًا من أهلها في محاولة لإصلاح ما فسد، كما قال تعالى: {فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا} [النساء: 35].

يقول البيضاوي: “فابعثوا أيها الحكام -متى اشتبه عليكم حالهما لتبيين الأمر, أو إصلاح ذات البين- رجلًا وسطًا، يَصلح للحكومة والإصلاح من أهله وآخر من أهلها؛ فإن الأقارب أعرف ببواطن الأحوال وأطلب للصلاح. ولم يدع القرآن وسيلة إلا وسلكها للمحافظة على هذا الرباط، فرأى أن النشوز كما قد يكون من جانب الزوجة قد يكون -كما قلنا- من جانب الزوج أيضًا, بأن يقل محادثتها ومؤانستها؛ وذلك لبعض الأسباب من طعن في سن أو دمامة، أو شيء في خَلق أو خُلق أو ملال، وطموح عين إلى أخرى، وما إلى ذلك، ولو ترك هذا ربما أدى إلى تشريد الأسرة وهدم بيت الزوجية”.

لذلك دعا القرآن الزوجة للتنازل عن بعض حقها في المبيت أو النفقة، فقال ما تلوناه من قبل: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ}. نعم الصلح خير من الفرقة؛ فإن التمادي على الخلاف والشحناء والمباغضة هي قواعد الشر، وقد قال صلى الله عليه وسلم في البغضة بأنها الحالقة، يعني: حالقة الدين لا حالقة الشعر.

ولعلنا نلمس دعوة القرآن للإحسان والتقوى في مثل هذا الأمر، وأولى الناس بالإحسان زوجة رضيت أن تتنازل عن حقها، وأحق الناس محافظة على مشاعرها امرأة ضعيفة لم تجد بُدًّا من ترك ما لها على زوجها، فتقوى الله وخشيته تدفعان إلى مراعاة كل ذلك {إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} [النساء: 35], وهو ختام للآية يحمل ترهيبًا شديدًا للأزواج الناشزين.

ولهذا رأى المالكية أن القاضي إذا عرض عليه الأمر وعظ الزوج أولًا، فإن لم يفد أمره بهجره, وإن لم يفد ضربه، وقالوا في الزوج بأنه يسجن.

هذه هي الوسائل التي وضعها رب العزة والجلال لإصلاح نشوز الرجل، ولإصلاح نشوز المرأة، لكن ما الرأي إذا استمر هذا النشوز، ولم تنتظم حياة هذين الزوجين؟ هل يمكن أن يستمر هؤلاء في حياة زوجية؟ ألا يمكن أن يؤدي هذا إلى انحرافات خطيرة, تهدد المجتمع في أساسه؟

إذًا, ليس هناك في تشريع الله إلا أن تقف هذه العلاقة مدة من الزمن؛ يراجع فيها كل منهما نفسه، وبعدها تستأنف حياة جديدة يسودها الصفاء والوئام، وهذا التوقف هو ما يعرف بالطلاق، وهو علاج ناجع، شُرع لدفع الضرر عن الزوجين إذا استحال أو صعبت المعيشة المشتركة بينهما، بحيث يصبح الفراق لازمًا وضرورة لا بد منها.

وهذا العلاج لا يؤدي نتيجته المرجوة إلا إذا تعاطاه المجتمع بالصورة التي أرشد إليها رب العزة سبحانه, وهذه الصورة هي ما شرعه فيه من تقييده بعدد معين، بعد أن كان عند العرب وغيرهم لا حد له، فلا يتجاوز تطليقتين متفرقتين، أما الثالثة فلا تحل بعدها الزوجة إلا أن تتزوج غير زوجها هذا. قال تعالى: {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229], وقال: {فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} [البقرة: 230]. والطلاق مقيد أيضًا بالزمن، فلا طلاق في الحيض، وبالوصف فلا يطلقها في طهر جامعها فيه, قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ} [الطلاق: 1].

ولا يعني هذا أن الطلاق لا يقع في الحيض، وأن الطلاق لا يقع في طهر جامعها فيه، إنما هو جاء على خلاف السنة، فهذا طلاق بدعي الذي وقع في الحيض والذي وقع في طهر جامعها فيه وتحسب طلقة، ولكنها مخالفة لهدي الله وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم.

ومع هذه الحقيقة التي تجعل الرجل يقوم على حل عقدة الزواج، وهو واعٍ لكل ما يترتب على ذلك من نتائج، قدر القرآن ما لعامل الزمن من أثر في تهدئة النفوس، وما لرؤية كل من الزوجين لصاحبه من دوافع المراجعة والاعتذار؛ لذلك جعل مدة قضاء العدة -وهي غالبًا ثلاثة أشهر- في منزل الزوجية لا خارجها, قال: {لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاَ تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [الطلاق: 1].

فإذا ما انتهت العدة ومرت هذه الأشهر، ولم يراجع الزوج زوجته، دل هذا على أن العداء مستحكم بينهما ولا حيلة في الرجوع، وإلا كان الإمساك مضارّة وعدوانًا؛ ولهذا نبه القرآن على ما في هذا الإمساك من ظلم الزوج لنفسه ولزوجته، وما فيه من اعتداء على حدود الله وشريعته، فقال: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لَّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم} [البقرة: 231].

فإذا ما تم الطلاق عن اقتناع كامل بوجوب انتهاء الحياة الزوجية, بقي الود والمعروف والإحسان روابط تحيط بالمجتمع المسلم، ولزم الزوج دفع ما عليه من مؤخر الصداق، كما يدفع تعويضًا ماليًّا سماه القرآن بالمتعة، فقال: {وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِين} [البقرة: 236].

ولزم الزوج الإنفاق على الزوجة في أثناء الحمل، وعليه أن يدفع أجر إرضاع أبنائه إذا كان له أبناء في سن الرضاع، كما قال تعالى: {وَإِن كُنَّ أُولاَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} [الطلاق: 6].

وهذا هو التسريح بالمعروف الذي أمر به كتاب الله, إذ قال: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [الطلاق: 2].

وهو فراق تأخذ فيه الزوجة حقها كاملًا، محاطة بالعناية والرعاية دون تجريح أو إساءة؛ حتى لا يكون الطلاق معول هدم ينشر العداوة بين الأسر، ويفكك أواصر المجتمع، ومن حق الزوجة أن تجعل عصمة الزواج بيدها، وأن تشترط هذا في أثناء العقد، ولها أيضًا أن تطلب فسخ العقد إذا أبى زوجها تطليقها مضارة وتضييقًا، وهو ما يعرف بالخلع، فتفتدي نفسها بما أخذته منه من مال، كما قال تعالى: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُون} [البقرة: 229].

وهذا هو الطريق الذي جعله كتاب الله منهجًا يقوم به مجتمع الإسلام، إذ جعل الطلاق حيلة مَن لا حيلة له، وعَدّه مِن أبغض الحلال إلى الله، ولعن الله كل ذواق مطلاق وكل مزواج مطلاق، وجعله بعد أن استنفد كل وسائل العلاج والإصلاح بين الزوجين كما رأينا، وحتى بعد أن وقع لم يجعله نهاية للحياة الزوجية، إنما اعتبره مؤقتًا موقوتًا بزمن، ووضع له من الشروط، وسَنّ له من طرق الترغيب في الرجوع عنه, وإزالة أسبابه ما يجعله في أضيق الحدود. ولم يجعله للزوج وحده يتحكم في زوجته، إنما جعل لها هذا إن اشترطته, وأقر لها نظام المخالعة حتى لا تنطوي القلوب على البغضاء والعداء.

والطلاق بهذه الصفة علاج لأمراض المجتمعات، وميزة للشريعة الإسلامية. يقول “بنتام” في أصول الشرائع ساخرًا مِن حظر الطلاق: “إن القانون يتدخل بين المتعاقدين في الزواج حال التعاقد، ويقول لهما: أنتما تقترنان لتكونا سعداء، فلتعلما أنكما تدخلان سجنًا سيحكم عليكما بابه، وتصم الآذان دونكما، وإن علا منكما الصياح واشتد بكما الألم، ولن أسمح بخروجكما ولو تقاتلتما بسلاح العداوة والبغضاء، لو وضع قانون للنهي عن فض الشركات، ورفع الوصايا، وعزل الوكيل، ومفارقة الرفيق؛ لصاح الناس أجمعون.

إنها نهاية الظلم، والزوج رفيق ووصي ووكيل وشريك، وفوق كل هؤلاء ومع ذلك حكمت قوانين أكثر البلاد المتمدنة بأن الزواج أبدي. إنّ أقبح الأمور عدم انحلال ذلك الاتفاق؛ لأن الأمر بعدم الخروج من حالة أمر بعدم الدخول فيها”. فما أعظم هذا الدين، وما أعظم ما شرع من هذا التشريع المحكم العظيم، الذي فيه سعادة بني الإنسان!

error: النص محمي !!