Top
Image Alt

الخراج: حقيقته – نشأته

  /  الخراج: حقيقته – نشأته

الخراج: حقيقته – نشأته

أولًا: حقيقة الخراج:

“الخراج” لغة: الكراء والغلّة، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم ((الخراج بالضّمان)). قال تعالى: {فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَىَ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً} [الكهف: 94]، وقال: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ} [المؤمنون: 72]، ومعنى {خَرْجاً} أي: أجرًا ونفعًا. {فَخَرَاجُ رَبّكَ} فيه وجهان: أحدهما: رزق ربك. والثاني: أجْر ربّك في الآخرة.

والفَرْق بين “الخَرج” و”الخَراج”: أنّ الخَرْج في الرقاب، والخَرَاج من الأرض. قيل: “الخراج” لغة: التخريج، كأنّ هذا المقدار المأخوذ خارج من الشيء الذي وقعت الضريبة عليه أداءً لحقٍّ من الحقوق.

في (القاموس المحيط): “الخَرْج”: الإتاوة, كالخراج, جمْعه: أخراج، وأخاريج، وأخرجة. وفي (لسان العرب): “الخَرْج” والخراج واحد، وهو شيء يُخرجه القوم في السَّنة من مالِهم بقدر معلوم”. ومعنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((الخراج بالضّمان)) أي: غلّة العبد للمشتري، بسبب أنه في ضمانه؛ وذلك بأن يشتري عبدًا ويستغلّه زمانًا، ثم يعثر فيه على عيب دسّه البائع، فله ردّه والرجوع بالثمن. أمّا الغلّة التي استغلّها فهي له طيّبة لأنه كان في ضمانه. فلكلمة “الخراج” إذًا المعاني الآتية: الأجر، الغلّة، الإتاوة، أو اسم لِما يخرج, أي: الحصة من المال يُخرجها القوم في السّنة.

وثمة رأي بأن الكلمة ليست عربية أصيلة، وأنها منقولة عن اللغة اليونانية عن طريق البيزنطيِّين، وكانت تعنى: الضريبة بصفة عامة. وفي “دائرة المعارف الإسلامية”: “الخراج” كلمة عربية استعارها العرب من مصطلحات الروم الإدارية، وكان معناها بصفة عامة: الضريبة التي فُرضت على غير المسلمين في دار الإسلام.

وفي بداية القرن الأوّل الهجري أصبحت تدل بخاصة على الضريبة التي تجب على الأرض المملوكة في مقابل “الجزية” التي تُستعمل بمعنى: خراج الرأس.

هذا؛ ولاصطلاحَي “خراج” و”جزية” معنى عام للضريبة مميّز عن “إتاوة”، كما أنّ كلًا منهما قد يعني: ضريبة الأرض، أو ضريبة الرأس، حسب العبارة التي تحدّد ما إذا كان ضريبة على الأرض أو على الرأس. وإلى جانب هذا المعنى العام، لكلّ من هذيْن الاصطلاحيْن معنى خاص؛ فـ”الخراج” يعني: أنه ضريبة الأرض، و”الجزية” تعني: أنها ضريبة الرأس. وهذا المعنى الخاص المميّز لكل منهما كان موجودًا في عهود الإسلام الأولى.

أمّا “الخراج” شرعًا فهو: ما يُفرض على الأرض التي فتحها المسلمون عنوة أو صلحًا. فهو: ما يأخذه السلطان من وظيفة الأرض, أي: ما وُضع على رقاب الأرضين من حقوق تؤدّى عنها، وهو بخلاف العشور التي تُفرض على إنتاج الأرض. ويقابله في زماننا الآن ما نُطلق عليه: “الضريبة العقارية” على الأراضي الزراعية، أو “ضريبة الأطيان”، أو “الأموال الأميرية”، ونحو هذا…

هذا، ويقول الدكتور عبد الوهاب خلاف في كتابه القيِّم على صغير حجمه، أعني كتاب “السياسة الشرعية”: “الأرض الزراعية من حيث الضريبة الواجبة فيها نوعان: أرض يجب فيها عُشر ما يخرج منها، أو نصف عُشره، وتُسمّى: “الأرض العشرية”، وأرض يجب فيها مقدار يعيّن عليها باعتبار مساحتها أو الخارج منها، يسمّى: الخراج, تسمى: “الأرض الخراجية”. ومرجع هذا التقسيم إلى صفة اليد الموضوعة على الأرض ابتداءً وقتَ فرض ضريبتها؛ فإن كانت يدًا إسلامية كانت الأرض عشرية، وإن كانت غير إسلامية كانت الأرض خراجية. فكل أرض استأنف المسلم إحياءها من أرض الموات، أو أسلم أهلها عليها طوعًا وكانوا أحق بها، أو غنمها المسلمون وقسموها بين الفاتحين، فهي أرض عشرية، يُجبى منها عُشر الخارج أو نصفه، على ما هو مفصّل في أحكام الزكاة في الزروع والثمار”.

هذا؛ وكل أرض ظهر عليها المسلمون عنوة وتركوها في يد أهليها، أو صولح أهلها عليها بخراج يؤدّى عنها، فهي أرض خراجية يُجبى منها ما يعيّن عليها.

وكل من الخراج والعشر ونصف العشر، هو ضريبة الأرض الزراعية. ولكن منشأ هذا التفصيل: أن الأرض الزراعية إذا كانت اليد عليها في مبدأ فرض ضريبتها يد مسلم، يكون ذو اليد مخاطَبًا بقوله تعالى: {وَآتُواْ حَقّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141]، وهذا الحق المجمل بيّنتْه السّنّة في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ((ما سقتْه السماء؛ ففيه العُشر، وما سُقي بنضْح أو دالية أو آلة؛ ففيه نصْف العشر))، أو كما قالصلى الله عليه وسلم؛ فيكون المفروض عليه في أرضه الزراعية مقدارًا نسبيًّا معيّنًا بالنصوص، ولا يتدخّل في تقديره أحد. ويكون من أنواع الزكاة، ومَصرفه مصارفها.

أما إذا كانت اليد التي على الأرض في مبدأ فرض ضريبتها يدَ غير مسلم؛ فلا يخاطَب ذو اليد عليها بالآية الكريمة التي معنا -وهي قوله تعالى: {وَآتُواْ حَقّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141]- وذلك لأنّ غير المسلمين لا يخاطَبون بفروع الشريعة؛ فلا يُفرض عليها ما قضت به النصوص، ولا يسوغ ترْكها بدون فرض ضريبة عليها، لأنه لا بدّ للأرض من مئونة يكون بها بقاؤها واستثمارها وصلاحها؛ ولهذا جعل الشارع للإمام أن يفرض عليها خراجًا حسبما يقدِّره. فالخراج من الأرض الخراجية هو في مقابلة العُشر من الأرض العشرية، غير إنه للفارق الذي بيّنّاه عُدّ العُشر أو نصفه من الزكاة وصُرف في مصارفها، وعُدّ الخراج من الفيء وصُرف في مصارفه؛ ولهذا لا يوضع الخراج ابتداء على أرض في يد مسلم، ولا يوضع العشر أو نصفه ابتداء على أرض في يد غير مسلم. أما بعد حال الابتداء، فقد تنتقل الأرض الخراجية إلى يد المسلم وتبقى خراجية، وتنتقل العشرية إلي يد غير المسلم وتبقى عشرية.

وقد يُضرب الخراج قدرًا معيّنًا على كلّ مساحة من الأرض، كأن يُضرب على كل فدّان قدْر معيّن، وهذا يسمّى: “خراج وظيفة”؛ لأن الحاكم أو الإمام أو وليّ الأمر هو الذي وظّف هذا المقدار أو عيّنه على هذه الأرض. ويُسمّى أيضًا: “خراج المقاطعة”، و”خراج المساحة”.

وقد يُضرب أيضًا حصة شائعة فيما يخرج من الأرض، وهذا يسمّى: “خراج مقاسمة”. ولا حدّ لأقلّ ما يُضرب ولا لأكثره.

ولو قارنّا بين النوعيْن من الخراج: خراج الوظيفة، وخراج المقاسمة، يظهر لنا الآتي:

  1. خراج الوظيفة يجب في الذمة، ويتعلق بالتمكن من الانتفاع بالأرض. أمّا خراج المقاسمة فيتعلّق بالخارج من الأرض لا بالتمكّن من الزراعة؛ حتى إذا عطّل الأرض صاحبُها مع التمكن من الانتفاع، لم يجب عليه شيء. في هذه الحالة، يكون خراج الوظيفة أفضل للدولة؛ لأنها تحصل على حقها بمجرد التمكن من الانتفاع بالأرض، حتى ولو لم ينتفع بها صاحبها.
  2. خراج الوظيفة ضريبة ثابتة تُفرض على الأرض متى كانت صالحة للزراعة. وخراج المقاسمة ضريبة نسبية تؤخذ بنسبة محصول الأرض. وهو عادة يتراوح ما بين الخُمس والنصف. وهنا يكون خراج الوظيفة أنسب للمموّل؛ لأنه يعرف مقدار الواجب عليه فيدفعه للسلطان، ويتصرّف في إنتاجه. أمّا في خراج المقاسمة؛ فإنّ الفلاح أو الزارع سينتظر عامل الخراج ليخرص له الثمار ويعرف حقّ وليّ الأمر، وبعد ذلك يستطيع المموّل التصرف في إنتاجه.
  3. خراج الوظيفة لا يؤخذ إلاّ مرة واحدة في السّنة؛ حتى لو أنتجت الأرض مرّتين، على حين يُجبى خراج المقاسمة كلّما تجدّد المحصول.
  4. خراج الوظيفة يُجبى نقدًا أو عينًا، وخراج المقاسمة يُجبى عينًا ممّا تنتجه الأرض.

ونعود مرة أخرى إلى كلام الشيخ عبد الوهاب خلَّاف في كتابه: (السياسة الشرعية) الذي قال بعد بيانه أنواع الخراج: خراج الوظيفة، وخراج المقاسمة، قال: “وأوّل إمام اجتهد في فرض الخراج: عمر بن الخطاب رضي الله عنه ضرَبه على أرض السواد في العراق لما حبسها أهلها على خراج يؤدّونه بعد أن استشار كبار المهاجرين والأنصار. وكان عمله سُنّة متّبعة في كل أرض يظهر عليها المسلمون، ويقرّون أهلها عليها”.

ويقول الشيخ عبد الوهاب خلَّاف أيضًا: “والسياسة التي وُضعت لضرب الخراج أو لتقديره سياسية عادلة. وقد نصّ الفقهاء على: أنّ الأرض تختلف من وجوه ثلاثة، لكل وجْه منها أثر في زيادة الخراج ونقصانه.

أحدها: ما يختص بالأرض من جودة يزكو بها زرعها، أو رداءة يقلّ بها ريعها.

والثاني: ما تختص بالزرع ممّا يكثر ثمنه وما يقلّ.

والثالث: ما يختص بالسّقي، لأنّ ما احتمل المئونة في سقْيه بالآلات لا يسوّى بما سقي بالسيول والأمطار, أي: بدون تكلفة ومشقة. وقالوا: لا بد لوضع الخراج من اعتبار هذه الأوجه الثلاثة، واعتبار كلّ ما تتفاوت به الأرضون، ليعلم قَدْر ما تحتمله الأرض من خارجها، فيقصد العدل فيها من غير زيادة تُجحف بأهل الخراج، ولا نقصان يضرّ بالمصالح.

وكما أوجبوا أن يراعَى في كل أرض ما تحتمله، أوجبوا ألاّ يستقصي غاية المحتمل، وأن يترك لأرباب الأرض ما يَجبرون به النوائب والجوائح؛ كما قال الماوردي. وقد قرّر علماء أصول الفقه: أن العُشر مئونة فيها معنى العبادة، والخراج مئونة فيها معنى العقوبة.

أما كوْن كل منهما مئونة الأرض، فوجْهه واضح؛ لأن مئونة الشيء: ما به بقاؤه وقوامه. وبقاء الأرض بأيدي أهليها وصلاحها واستثمارها، إنما هو بما يؤدّى عنها ممّا يستعان به على دفع العدوان عليها، وتمهيد ريِّها، وطُرق استثمارها من العُشر أو الخراج.

وأمّا كون العشر فيه معنى العبادة، فكذلك وجهه واضح لأنه من أنواع الزكاة، وفي أدائه امتثال لما نصّ عليه في الكتاب، وما بيّنتْه السّنّة المطهرة.

وأما كون الخراج فيه معنى العقوبة، فليس له وجّه ظاهر؛ لأن أحاديث عمر مع الصحابة في بدء وضعه، والآراء التي تبودلت في تلك الشورى صريحة, إنما وضع ليستعان به على حماية التعذر، وإدرار العطاء على الجند، وسائر ما تقتضيه المصالح العامة.، وليس فيه ذكر العقوبة.

ومن هذا يتبيّن: أنَّ الخراج هو ما يُضرب ابتداء على الأرض الزراعية التي يقرّ عليها غير المسلمين، وأن أساسه هو اجتهاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكبار الصحابة.

وقد يُطلق “الخراج” على كلّ ما يرد للدولة من الموارد الدورية وغير الدورية، إطلاقًا على سبيل التغليب، ومن هذا كتاب (الخراج) للقاضي أبي يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة، كتبه لأمير المؤمنين هارون الرشيد، مُبيِّنًا له موارد الدولة، وكيف يُجبى المال منها، وفيما يصرف. وهو كتاب قيّم جمع شتات هذا الموضوع بأبلغ الأساليب وأفصح العبارات. وضمّنه من العظات والنصائح ما يهتدي به إلى أقوم الطّرُق في تدبير الشئون المالية. وكذلك كتاب (الخراج) للإمام يحيى بن آدم المتوفى سنة (203هـ)، وهو لا يبلغ مرتبة الأوّل، لكنه يمثل فكرًا آخَر للنظام المالي في الإسلام.

error: النص محمي !!