Top
Image Alt

الخطابة، والكتابة، والوصايا، والعظات

  /  الخطابة، والكتابة، والوصايا، والعظات

الخطابة، والكتابة، والوصايا، والعظات

أما الخطابة في عصر صدر الإسلام، فقد ازداد نشاطها، واتسع ازدهارها، وكثرت وتنوعت مجالاتها، وظهر أثر القرآن الكريم والهدي النبوي الشريف فيها سريعًا، ومَن يتتبع الخطب التي وردت في هذا العصر، ويتأملها؛ يلاحظ متانة أسلوبها وعذوبة ألفاظها، وشرف معانيها، واقتباسها من القرآن الكريم، وانتهاجها نهجه في الإرشاد والإقناع والبيان، وتأثرها بالحديث النبوي الشريف وإسهامها في الدعوة إلى دين الله، وبيان مقاصده، وشرح أركانه وآدابه وأخلاقه.

ولقد استخدمت الخطابة في صدر الإسلام في شرح حقائق الإسلام، وبيان أهدافه، ودعوة الناس إليه، وجُعِلَتْ من شعائر الجمعة، ومن شعائر العيدين، ومن شعائر الحج؛ فالخطبة في هذه الشعائر الدينية تُعدُّ مجالًا جديدًا أضافه الإسلامُ للخَطابة، وبقيت المجالات التي كانت معروفة قبل الإسلام كخطابة الوفود والمحافل، وخطب الزواجر، وخطب الصلح بين المتخاصمين، وغير ذلك من المجالات، ظلت كذلك في الإسلام، بل اتسع نطاقها.

ولقد كانت خطب الرسول صلى الله عليه  وسلم هي النموذج الأعلى والأرقى الذي اهتدى بهديه أصحابُه الكرام في خطبهم، واكتسبت الخطابةُ تقاليدَ جديدة في ظل الإسلام؛ إذ إن الخطيب يبتدئ خطبته بحمد الله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه  وسلم وشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله.

وهذه نماذجُ من خطبه صلى الله عليه  وسلم:

قال صلى الله عليه  وسلم في أول خطبةٍ خطبها بالمدينة المنورة بعد أن هاجر إليها:

((الحمد لله، أحمده وأستعينه وأستغفره وأستهديه، وأومن به ولا أكفره، وأعادي من يكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى والنور والموعظة على فترةٍ من الرسلِ، وقلةٍ من العلم، وضلالة من الناس، وانقطاعٍ من الزمان، ودنو من الساعة، وقربٍ من الأجل، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوي وفرط وضل ضلالًا بعيدًا، وأوصيكم بتقوى الله؛ فإنه خير ما أوصَى به المسلمُ المسلمَ أن يحضه على الآخرة، وأن يأمره بتقوى الله؛ فاحذروا ما حذركم الله من نفسه، ولا أفضل من ذلك نصيحةً، ولا أفضل من ذلك ذكرًا، وإن تقوى الله لمن عمل به على وَجل ومخافةٍ من ربه، عونُ صدقٍ على ما تبغون من أمر الآخرة.

ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمره في السر والعلانية لا ينوي بذلك إلا وجه الله، يكن له ذكرًا في عاجل أمره، وذخرًا فيما بعد الموت حين يفتقر المرء إلى ما قدم، وما كان مِن سِوَى ذلك، يود لو أن بينه وبينه أمدًا بعيدًا، ويحذركم الله نفسه، والله رءوف بالعباد، والذي صدق قوله، وأنجز وعده لا خلف لذلك؛ فإنه يقول عز وجل: {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيد} [ق: 29]، فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله، في السر والعلانية: {ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا} [الطلاق: 5].

ومن يتق الله فقد فاز فوزًا عظيمًا، وإن تقوى الله يُوَقِّي مَقْتَهُ، ويوقي عقوبته، ويوقي سخطه، وإن تقوى الله يبيض الوجوه، ويرضي الرب، ويرفع الدرجة، خذوا بحظكم، ولا تفرطوا في جَنب الله؛ قد علمكم الله كتابه، ونهج لكم سبيله؛ ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين، فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعَادُوا أعداءَه، وجاهدوا في الله حقَّ جهادِهِ هو اجتباكم، وسمَّاكم المسلمين؛ ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا مَن حي عن بينة، ولا قوة إلا بالله؛ فأكثروا ذكر الله، واعملوا لِمَا بعد اليوم؛ فإنه من يصلح ما بينه وبين الله يكفيه الله ما بينه وبين الناس؛ ذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه، ويملك من الناس ولا يملكون منه، الله أكبر، ولا قوة إلا بالله العظيم)).

ومن خطبه أيضًا صلى الله عليه  وسلم خطبته الجامعة في حَجة الوداع، يقول فيها:

((الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهد الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أوصيكم عبادَ اللهِ بتقوى الله، وأحثكم على طاعته، وأستفتح بالذي هو خير، أما بعد: اسمعوا مني أُبين لكم؛ فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا. أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد. فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، وإن رِبَا الجاهلية موضوع، وإن أول ربًا أبدأ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب، وإن دماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وإن مآثر الجاهلية موضوعة غير السدانة والسقاية، والعمد قَوَدٌ، وشبه العمد ما قُتِلَ بالعصا والحجر وفيه مائة بعير، فمن زاد فهو من أهل الجاهلية.

أيها الناس، إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه، ولكنه رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم. أيها الناس، إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا؛ يحلونه عامًا ويحرمونه عامًا؛ ليواطئوا عدة ما حرم الله، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله يوم خلق الله السموات والأرض، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات، وواحد فرد؛ ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب الذي بين جُمادَى وشعبان. ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد.

أيها الناس، إن لنسائكم عليكم حقًّا، ولكم عليهن حقٌّ؛ لكم عليهن ألا يوطئن فرشكم غيركم، ولا يُدْخِلْنَ أحدًا تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم، ولا يأتين بفاحشةٍ، فإن فَعَلْنَ فإن الله قد أذن لكم أن تعضلوهن وتهجروهن في المضاجع، وتضربوهن ضربًا غير مبرح، فإن انتهين وأطعنكم؛ فعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وإنما النساء عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئًا، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، فاتقوا الله في النساء، واستوصوا بهن خيرًا، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد.

أيها الناس، إنما المؤمنون إخوة، ولا يحل لامرئٍ مالَ أخيْهِ إلا عن طيبِ نفسٍ منه، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد. فلا ترجعُنَّ بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقابَ بعض، فإني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد.

أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربي على عجمي فضلٌ إلا بالتقوى، ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد، قالوا: نعم، قال: فليبلغ الشاهد منكم الغائب.

أيها الناس، إن الله قد قسَمَ لكل وارثٍ نصيْبَهُ من الميراث، ولا يجوز لوارثٍ وصية، ولا تجوز وصية في أكثر من الثلث، والولد للفراش وللعاهر الحَجر، ومن ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرفٌ ولا عدلٌ، والسلام عليكم ورحمة الله)).

وأول ما يلفت النظر من ملامح البلاغة النبوية الشريفة: مطابقة كلامه صلى الله عليه  وسلم لمقتضى الحال:

فهو في هذه الخطبة الشريفة -خطبة الوداع- يغتنم فرصة اجتماع أكبر عدد من المسلمين معه في صعيد عرفة في مشهد أحس صلى الله عليه  وسلم أنه ربما قد لا يشهده مرةً أخرى، أو أن الله سبحانه وتعالى أعلمه ذلك، فألقى عليهم هذه الخطبة الجامعة.

كما تلاحظ افتتاح الخطبة بحمد الله والاستعانة به، واستغفاره والاستعاذة به من شرور النفس وسيئات العمل، وإعلان توحيده، ورسالة رسوله صلى الله عليه  وسلم للناس جميعًا، وهو افتتاح يجمع بين الثناء والدعاء، والخوف والرجاء، وفيه مقابلة بين قوله: ((مَن يهدِ الله فلا مضل له، ومَن يضلل فلا هادي له)).

كما تلاحظ تقديم التوصية بتقوى الله عز وجل على ما بعدها؛ لأن التقوى هي جِماع ما يأتي بعدها، وفي قوله صلى الله عليه  وسلم: ((أيها الناس)) تنبيه واجتلاب لاهتمامهم. وقد تكرر هذا النداء في الخطبة ليجدد انتباههم.

وقوله صلى الله عليه  وسلم: ((فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا)) إشارة إلى أنه صلى الله عليه  وسلم لا يعلم الغيب إلا إذا أعلمه الله به، وتنبيهٌ على شدة حرصه عليهم، ورغبته في النصح لهم، وتذكيرهم قبل أن يفارقهم، وفيه حَثُّ لهم على اغتنام الفرصة والإقبال على تعلم ما ينفعهم.

وقوله صلى الله عليه  وسلم: ((إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم)) ساق الكلام فيه في معرض التأكيد باستخدام “إن”، وقَوَّىَ هذا التأكيد بامتداد أمد التحريم بقوله: ((إلى أن تلقوا ربكم))، ثم عضدده بتشبيه هذه الحرمة بحرمات متعددة مجتمعة: ((كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا ))، والبدء بالكلام عن حرمة الدماء والأموال لأهميتهما الفائقة؛ ولأن أكثر ما يكون الظلم بين الناس متعلقًا بهما، وتقديم الدماء على الأموال للاهتمام بها أيضًا.

وقوله صلى الله عليه  وسلم: ((ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد)) فيه إقامة للحجة، وقطع للعذر، وإبراء للذمة. وقد تكرر هذا القول في الخطبة عدة مرات.

ومن ملامح البلاغة النبوية في الخطبة: اشتمالها على سائر الحقوق الواجبة لكلِّ مسلمٍ على أخيه: وهذه الحقوق تشمل حقوق الأخوة الإيمانية، والمحافظة على الدم والعرض والمال؛ ولأنها جميعًا أمانات، قدَّم الرسول صلى الله عليه  وسلم لها بقوله: ((فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها)).

وفي قوله صلى الله عليه  وسلم: ((إنَّ رِبَا الجاهليةِ موضوع…)) إلى آخر ما قال، تأكيدٌ على تحريم ما حرم الله، وكلمة: ((موضوع)) تعني: إبطاله، وهي توحي بالحط والازدراء لشأن الجاهلية وما كان فيها من مساوئ. والأمر كذلك في قوله: ((وإن دماء الجاهلية موضوعة، وإن مآثر الجاهلية موضوعة)).

وبدء الرسول صلى الله عليه  وسلم بوضع ربا العباس ودم عامر، إشارة إلى أن الإمام يبدأ بنفسه، ودليل على أنه صلى الله عليه  وسلم خير قدوة، وأحسن أسوة، واستثناء السدانة والسقاية من المآثر الموضوعة يدل على شرفهما؛ لتعلقهما ببيت الله الحرام، وخدمة قاصديه.

قوله صلى الله عليه  وسلم: ((إن الشيطان قد يئس أن يُعبد في أرضكم هذه))، بيان لمصائد الشيطان وطرق كيده، وتحذير للأمة منها، وكلامه صلى الله عليه  وسلم عن النسيء بعد ذلك؛ لأنه من تلبيس إبليس وتزيينه، في كلامه صلى الله عليه  وسلم عن حقوق النساء وواجبهن إقامةٌ لميزان العدل، ونشر لمظلة الرحمة.

وقوله صلى الله عليه  وسلم: ((وإنما النساء عندكم عَوان)) يدل على شفقته صلى الله عليه  وسلم وعظيم رأفته، وفيه بيان لطبيعة النساء، ومزيد توصية بهن: ((فاتقوا الله في النساء، واستوصوا بهن خيرًا)).

وقوله صلى الله عليه  وسلم: ((أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله)) فيه إيماء إلى أن أمانة الله جديرة بأن تُصان، وكلمته جديرة بأن تحفظ.

ومن ملامح البلاغة النبوية الشريفة في هذه الخطبة: التركيز على معنى الأخوة بين المؤمنين، وروابط هذه الأخوة متمثلةً في أن ربهم واحد وكتابهم واحد، وأنهم يرجعون في النسب إلى أب واحد هو آدم، التذكير بالأصل الذي خلق منه الناس وهو التراب حتى لا يعلو أحد على أحد، ولا يطغى أحد على أحد؛ فليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى.

قوله صلى الله عليه  وسلم: ((فليبلغ الشاهد الغائب)) إرساء لمبدأ التبليغ، وتوضيح لمسئولية الدعوة، وإشارة إلى أن جماعة المؤمنين مسئولة عن ميراث النبوة وتبليغه للناس.

وفي نهاية الخطبة توالت جمل حاسمة تؤكد الحقوق وتبين الحدود في مجال المواريث، وتتوعد من يدخل نفسه في قوم غير قومِهِ، أو يَدَّعِي نسبًا غير نسبه؛ لِمَا في ذلك من الضرر البالغ الذي يلحق الناسَ في أعراضهم ودينهم وأموالهم.

والخطبة الشريفة على تعدد فَقراتها وكثرة أفكارها مستوية البناء، محكمة الصياغة، متينة الحبك، جيدة السبك، أولها مثل آخرها في وضوح البيان، وجلاء البرهان، وجلال المعنى، وفصاحة الكلام ولا تظنن أنه صلى الله عليه  وسلم كان يتكلف شيئًا من كلامه أو يُعِدُّهُ أو يحتشد له، وكيف يكون كذلك وقلبه صلى الله عليه  وسلم وِعاء الوحي، ولسانه ترجمان السماء.

ومن خطب أصحابه الكرام وخلفائه الراشدين:

– خطبة أبي بكر التي خطبها يوم بُويع، حمد الله وأثنى عليه ثم قال: “أما بعد: فإني وليت عليكم ولست بخيركم، ولكن نزل القرآن وسَنَّ النبي صلى الله عليه  وسلم وعَلَّمَنَا فَعَلِمْنَا، واعلموا أن أكيس الكيس التقى، وأن أحمق الحمق الفجور، وأن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذَ له الحق، وأن أضعفكم عندي القوي حتى آخذ منه الحق، أيها الناس، إنما أنا متبع ولست بمبتدع، فإذا رأيتموني على حق فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فردوني، أطيعوني ما أطعت الله فيكم؛ فإن عصيته فلا طاعةَ لي عليكم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم”.

وخَطَبَ عليٌّ رضي الله  عنه   لما أريد على البيعة بعد قتل عثمان رضي الله  عنه   فقال: “دعوني والتمسوا غيري؛ فإنا مستقبلون أمرًا له وجوه وألوان، لا تقوم له القلوب، ولا تثبت عليه العقول،وإن الآفاق قد أغامت والمحجة قد تَنَكَّرَتْ. واعلموا إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب، وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، وأنا لكم وزيرًا خير لكم مني أميرًا”.

وعلى هذا النحو من البلاغة كانت لعلي رضي الله  عنه   وغيره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه  وسلم وخلفائه الراشدين خطب كثيرة.

أما الكتابة: فهي أقوى وسائل الحضارة والمدنية، وأوثق أسباب التقدم والعمران، ولقد بدأ اهتمام الرسول صلى الله عليه  وسلم بالكتابة مبكرًا؛ حيث إنه صلى الله عليه  وسلم جعل فداء أسرى بدر من المشركين لِمَن يعرف القراءة والكتابة منهم، أن يعلم عددًا من المسلمين القراءة والكتابة، وظل صلى الله عليه  وسلم يشجع أصحابه على تعلم القراءة والكتابة، ويتخذ منهم كُتَّابًا للوحي، وكتابًا لأعماله، ولم يلحق صلى الله عليه  وسلم بالرفيق الأعلى حتى أناف الكتَّاب على خمسمائة بين رجلٍ وامرأةٍ وفتًى وفتاة.

وتتسم الكتابة في عصر النبوة وعصر الخلفاء الراشدين من بعده بطابعها السهل، وبُعْدِهَا عن التكلف، وميلها للإيجاز، وقصدها إلى الغرض، وخلوها من عبارات التفخيم، واحتذائها حذو القرآن الكريم في جزالة أسلوبه، ونصاعة بيانه، وكانوا يبتدئون الرسائل “بسم الله” ويذكرون أنها من فلانٍ إلى فلان، ثم يقولون: “أما بعد” ويدخلون في الموضوع.

وكانت الكتابة ترمي إلى الغرض دون إطالة ولا تكلف؛ بعيدةً عن فضول الكلام، واستخدمت الكتابة في الدعوة إلى الإسلام، وبيان مقاصده، كما استخدمت في تبادل الآراء والمشورة بين الولاة والأمراء، والقضاة والعلماء، وأشرف الرسائل وأجلُّها وأعظم نماذج للكتابة في هذا العصر كُتب رسول الله صلى الله عليه  وسلم إلى الملوك يدعوهم فيها إلى الإسلام، من هذه الكتب:

كتابه صلى الله عليه  وسلم إلى ملِك الفرس، رسالة يقول فيها: ((بسم الله الرحمن  الرحيم، من محمدٍ رسولِ الله إلى كسرى عظيم فارس، سَلام على مَن اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، أدعوك بدعاية الله عز وجل فإني أنا رسول الله إلى الناس كافةً؛ لأنذر مَن كان حيًّا ويحق القول على الكافرين، أسلِمْ تسلَمْ، فإن توليت فإن إثم المجوس عليك)).

وكتب إلى ملك الروم يقول: ((بسم الله الرحمن  الرحيم، من محمدٍ رسولِ اللهِ إلى هِرقل عظيم الروم، سلام على مَن اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم؛ يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت؛ فإنما عليك إثم الأريسيين -وهذه الكلمة قيل: معناها هم الخدم، والخول؛ لصده إياهم عن الدين، وقيل: هم عبدة النار، فجعل عليه إثمهم- و{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُون} [آل عمران: 64])).

وكتب إلى النجاشي ملك الحبشة يقول صلى الله عليه  وسلم: ((بسم الله الرحمن  الرحيم، من محمد رسول الله صلى الله عليه  وسلم إلى النجاشي ملك الحبشة، إني أحمد إليك اللهَ الملك القدوس السلام المؤمن المهيمنَ، وأشهد أن عيسى ابن مريم البتول الطيبة الحصينة حملته من روحه ونفخه، كما خلق آدم بيده، وإني أدعوك إلى الله وحدَه لا شريك له، وأن تتبعني، وتؤمن بالذي جاءني؛ فإني رسول الله صلى الله عليه  وسلم وإني أدعوك وجنودك إلى الله عز وجل وقد بلغتُ ونصحتُ؛ فاقبلوا نصيحتي، لقد بعثت إليكم ابن عمي جعفرًا ومعه نفر من المسلمين، والسلام على مَن اتبع الهدى)).

واستخدم الصحابة رضي الله  عنه  م الكتابةَ في العهد والتوصية، من ذلك عهد أبي بكر الصديق رضي الله  عنه   إلى عمر بالخلافة عند موته، إذ قال: “بسم الله الرحمن  الرحيم، هذا ما عهد به أبو بكر خليفة محمد رسوله صلى الله عليه  وسلم عند آخر عهده بالدنيا، وأول عهده بالآخرة، في الحال التي يؤمن فيها الكافر، ويتقي الفاجر؛ إني استعملت عليكم عمرَ بنَ الخطاب، فإن بر وعدل فذلك عِلمي به ورأيي فيه، وإن جار وبدل فلا علم لي بالغيب، والخيرَ أردتُ، ولكل امرئ ما اكتسب، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون”.

في وصيته رضي الله  عنه   لعمر رضي الله  عنه   يقول أبو بكر: “إني مستخلفك من بعدي وموصيك بتقوى الله؛ إن لله عملًا بالليل لا يقبله بالنهار، وعملًا بالنهار لا يقبله بالليل، وإنه لا تقبل نافلة حتى تؤدَّى الفريضة؛ فإنما ثقلت موازين مَن ثقلت موازينُه يوم القيامة باتباعهم الحق في الدنيا، وثقله عليهم، وحُق لميزانٍ لا يوضع فيه إلا الباطلُ أن يكون خفيفًا، إن الله ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسنِ أعمالهم، وتجاوز عن سيئاتهم، فإذا ذكرتهم قلتَ: إني أخاف ألا أكون من هؤلاء، وذكر أهل النار، فذكرهم بأسوأ أعمالهم، ولم يذكر حسناتهم، فإذا ذكرتهم قلتَ: إني لأرجو ألا أكون من هؤلاء، وذكر آية الرحمة مع آية العذاب؛ ليكون العبد راغبًا راهبًا، ولا يتمنَّى على الله غير الحق، ولا يلقي بيده إلى التهلكة”.

ومن إرشادهم لقضاتهم: كتاب عمر رضي الله  عنه   إلى أبي موسى الأشعري، وقد ولاه القضاء، يقول: “بسم الله الرحمن  الرحيم، من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس، سلام عليك، أما بعد: فإن القضاء فريضة محكمة، وسُنة متبعة؛ فافهم إذا أُدْلِيَ إليك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذَ له، آسي بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك؛ حتى لا يطمع شريف في حَيْفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك، البينة على من ادَّعى، واليمين على مَن أنكر. والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا، لا يمنعك قضاء قضيته اليوم فراجعت نفسك، وهديت فيه لرشدك، أن ترجع إلى الحق؛ فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل؛ الفهم الفهمَ فيما يتلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة، ثم اعرف الأشباه والأمثال، فَقِس الأمور عند ذلك، واعمد إلى أقربها إلى الله وأشبهها بالحق، واجعل لمن ادعى حقًّا غائبًا أو بينةً أمدًا ينتهي إليه، فإن أحضر بينة وإلا استحللت عليه القضية، فإنه أتقَى للشك وأجلى للعمى.

والمسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودًا في حدٍّ، أو مجربًا عليه شهادة زور، أو ظنينًا في ولاء أو نسب -الظنين أي: المتهم- فإن الله تولى منكم السرائرَ، ودرأ بالبينات والأيمان، إياك والغلق والضجرَ، والتأذي بالخصوم، والتنكرَ عند الخصومات؛ فإن الحق في مواطن الحق يعظم الله به الأجرَ، ويحسن الذخر، فمن صحت نيته وأقبل على نفسه؛ كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تخلق للناس بما يعلم الله أنه ليس من نفسه؛ شانه الله، فما ظنك بثواب الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته والسلام؟”.

ومن مناشيرهم إلى عامة المسلمين: ما كتبه عثمان رضي الله  عنه   إذ يقول: “أما بعد: فإنما بلغتم ما بلغتم بالاقتداء والاتباع؛ فلا تلفتنكم الدنيا عن أمركم؛ فإن أمر هذه الأمة صائر إلى الابتداع بعد اجتماع ثلاث فيكم، تكامل النعم، وبلوغ أولاد السبايا، وقراءة الأعراب والأعاجم القرآن؛ فإن رسول الله صلى الله عليه  وسلم قال: ((الكفر في العجمة فإذا استعجم عليهم أمرٌ تكلفوا وابتدعوا))”.

ومما كتبه علي رضي الله  عنه   إلى معاوية رضي الله  عنه   بعد وقعة الجمل هذا الكتاب يقول فيه: “سلام عليك، أما بعد: فإن بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام؛ لأنه بايعني الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بُويعوا عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار؛ فإذا اجتمعوا على رجل وسموه إمامًا، كان ذلك لله رضًا، وإن خرج عن أمرهم خارج ردوه إلى ما خرج عنه؛ فإن أبَى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، وولَّاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا، وإن طلحة والزبير بايعاني ثم نقضَا بيعتهما، وكان نقضهما كردهما فجاهدتهما بعدما أعزرت إليهما حتى جاء الحق وظهر أمر الله، وهم كارهون فادخل فيما دخل فيه المسلمون؛ فإنَّ أحب الأمور إليَّ قبولك العافية، وقد أكثرتَ في قتلة عثمان، فإن أنت رجعت عن رأيك وخلافك، ودخلت فيما دخل فيه المسلمون، ثم حاكمت القوم إليَّ حملتك وإياهم على كتاب الله، وأما تلك التي تريدها فهي خدعة الصبي عن اللبن، ولعمري لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدنني أبرأ قريش من دم عثمان.

واعلم أنك من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة، ولا يدخلون في الشورى، وقد بعثتُ إليك وإلى من قِبَلَكَ جرير بن عبد الله، وهو من أهل الإيمان والهجرة، فبايعه ولا قوة إلا بالله”.

فكان جواب معاوية على هذه الرسالة: “من معاوية بن صخر إلى علي بن أبي طالب، أما بعد: فلعمري لو بايعك القوم الذين بايعوك، وأنت بريء من دم عثمان، كنتَ كأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله  عنه  م ولكن أغريت بعثمان المهاجرين، وخذلت عنه الأنصار، فأطاعك الجاهل وقوي بك الضعيف، وقد أبَى أهل الشام إلا قتالك حتى تدفع إليهم قتلة عثمان؛ فإن فعلت كانت شورى بين المسلمين، ولعمري ما حجتك عليَّ كحجتك على طلحة والزبير؛ لأنهما بايعاك ولم أبايعك، وما حجتك على أهل الشام كحجتك على أهل العراق؛ لأن أهل العراق أطاعوك ولم يطعك أهل الشام. وأما شرفك في الإسلام وقرابتك من رسول الله صلى الله عليه  وسلم وموضعك من قريش فلست أدفعه”.

وقد رد عليه علي بن أبي طالب واستمرت المكاتبات بينهما طويلًا، حتى كانت الحرب.  والملاحظ على النثر بألوانه المختلفة في هذا العصر -الخطابة والرسائل والوصايا- براءته من التكلف، وقلة السجع فيه، وخلوصه إلى الغرض المرجو من الكتاب أو الخطبة أو الرسالة، وتأثره بالقرآن الكريم، واهتداؤه بهدي الإسلامي في قيامه وتعاليمه وعقيدته.

error: النص محمي !!