Top
Image Alt

الخطابة الأندلسية، وسماتها، والعوامل التي أثرت فيها

  /  الخطابة الأندلسية، وسماتها، والعوامل التي أثرت فيها

الخطابة الأندلسية، وسماتها، والعوامل التي أثرت فيها

النثر -كما تعرفون- هو قسيم الشعر، والشعر والنثر هما جناحا الأدب، وكما أن الشعراءَ يعبرون عن أنفسهم وعواطفهم ومواقفهم وأفكارهم وبيئتهم وأحداث حياتهم بالشعر؛ فإن الخطباءَ والكُتَّاب يستخدمون النثر، وهو لغةٌ أدبيةٌ أيضًا لكنها لا تلتزم بنظام موسيقي معين، وهذا هو الفرق بين الشعر والنثر. الخطباء والكتاب يستخدمون النثر للتعبير عن عواطفهم وأفكارهم، ولتصوير المواقف التي يمرون بها في حياتهم والأحداث التي تحدث في بيئتهم.

والعوامل التي تؤدي نهضة الشعر هي العوامل التي تؤدِّي إلى نهضةِ النثرِ، وإذا حَدَثَ تَخَلُّفٌ في الحياةِ الثقافيةِ والاجتماعيةِ والسياسيةِ؛ ينتجُ عَنْهُ تَخَلُّفٌ للأدبِ؛ فإن هذا التخلف يصيب الشعر والنثر معًا؛ فإذًا النثر -كما قلت- هو قسيم الشعر، وكما حدثناك عن الشعر الأندلسي وأنه تأثر بشعر العربِ في المشرق، في العراق وفي الشام وفي مصر؛ فإننا نقول: إن النثر في الأندلس -كما يقول الدارسون- اقتفى أثر قرينه في المشرق، ونسج عن منواله، وصار على نهجه، وجرى في مضماره.

والنثر تتعدد فنونه، فمن فنون النثر: الخطابة، والكتابة، والكتابة لها أنماط؛ الكتابة الديوانية، والكتابة الإخوانية أو الرسائل الإخوانية -كما يسمونها- والنثر التأليفي، والمقامات والقصص… وهكذا.

الخطابة الأندلسية:

وإذا أردنا أن نتحدث عن الفن الأول من فنون النثر وهو الخطابة؛ فإننا نقول كما قال مؤرخو الأدب، وهم يتحدثون عن حاجة الأمم والدول إلى الخطابة، واستخدامهم إياها على لسان الخطباء المفوهين والفصحاء والبلغاء، يستخدمون هذه الخطابة غالبًا لإقناع الشعوب واستمالتهم، والتأثير في عقولهِم وعواطفهِم، ولإقناعِ الجماعاتِ بمذهبٍ معينٍ أو اتِّبَاعِ زعيمٍ مخصوصٍ أو التزامِ سياسةٍ أو خطةٍ في أمرٍ مَا، أو النزول على إرادة خاصة، وهذه العوامل والدوافع تكون واضحةً في فترات قيام الدول، وما يحدث من مواجهاتٍ سياسيةٍ واجتماعيةٍ وعسكريةٍ أحيانًا يكون للخطابةِ في هَذِهِ الأجواء دورٌ واضحٌ، وأهمية كبرى.

والأندلس منذ بدأ المسلمون يدخلونها توافرت فيها دواعي الخطابة، وتضافرت أسباب نموها، فقد كان هناك خطباء عرب فصحاء عندهم قوة البيان، وعندهم سرعة الخاطر، وحضور البديهة، وكانت ظروف الفتح بما فيها من مواجهات ومحاولات لإقناع الناس، وتقديم الدين الإسلامي إليهم؛ فالدواعي إذًا متوافرة لنشاط الخطابة والحاجة إليه، فهذه الحياة السياسية الجديدة كانت شديدة الحاجة إلى خطباء مفوهين يروجون لها، ويحرِّضُون على الدفاع عنه.

والقبائل العربية التي اتخذت من بلاد الأندلس موطنًا لها، وهم اليمنيون والمضريون دَبَّت بينهم خلافات، وحدثت في صفوفهم انقسامات، وهذه الخلافات والانقسامات داعيةٌ أيضًا للخطابة لأن يكون لها دور، والأعداء الذين عمل العرب على غزوهم في دورهم، ونشر الدعوة الإسلامية بينهم كانت الخطابة أيضًا توجه إليهم، وكان الخطباء يخطبون في الجيوش التي تحارب يشجعونهم ويحثونهم على الصبر والثبات والإقدام، ويرغبونهم فيما عند الله سبحانه وتعالى من الأجر الكريم والثواب العظيم للمجاهدين.

خطابة التحميس وتشجيع الجنود في القتال:

نجد في كتب التاريخ الأدبي خطبةً تنسب إلى طارق بن زياد، وبعض الدارسين يشككون في نسبتها إلى طارق؛ لأنه كان في الأصل بربريًّا، ويُستبعد أن يكون قد استوعب اللغة العربية ونطق لسانه بهذه الخطبة الفصيحة، وهذا في الحقيقة كلامٌ وجيهٌ؛ فإذا كانت هذه الخطبة يمكن أن نشك في نسبتها إلى طارق بن زياد؛ لكننا لا نشك في أنها قيلت في الفتح الإسلامي لبلاد الأندلس، ويمكن أن يكون أحد القادة غير طارق بن زياد هو الذي قالها.

تقول الخطبة:

“أيها الناس، أين المفر؟ البحر وراءكم، والعدو أمامكم، وليس لكم والله إلا الصدق والصبر، واعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام، ولا أقوات لكم إلا ما تستخلصون من أيدي عدوكم، وإن امتدت بكم الأيام على افتقاركم ولم تنجزوا لكم أمرًا ذهب ريحكم، وتعوضت القلوب من رعبها منكم الجرأة عليكم، فادفعوا عن أنفسكم خذلان هذه العاقبة من أمركم بمناجزة هذا الطاغية، فقد ألقت به إليكم مدينته الحصينة، وإن انتهاز الفرصة فيه لممكن إن سمحتم لأنفسكم بالموت، وإني لم أحذركم أمرًا أنا عنه بنجوة، ولا حملتكم على خطة أرخص متاع فيها النفوس أبرء منها بنفسي.

واعلموا أنكم إن صبرتم على الأشق قليلًا استمتعتم بالألذ الأرفَهِ طويلًا، فلا ترغبوا بأنفسكم عن نفسي، فما حظكم فيها بأوفر من حظي، وقد بلغكم ما أنشأت هذه الجزيرة من الحورِ الحسان من بنات اليونان، الرافلات في الدر والمرجان، والحلل المنسوجة بالأقيان، المقصورات في قصور الملوك ذوي التيجان.

وقد انتخبكم الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين من الأبطال عربانًا، ورضيكم لملوك هذه الجزيرة أصهارًا وأختانًا؛ ثقةً منه بارتياحكم للطعان، واستماحكم بمجالدة الأبطال الفرسان؛ ليكون حظه منكم ثواب الله على إعلاء كلمته، وإظهار دينه بهذه الجزيرة، وليكون فتحها خالصًا لكم من دونه ومن دون المؤمنين سواكم، والله تعالى ولي إنجادكم على ما يكون لكم زخرًا في الدارين، واعلموا أني أول مجيب لما دعوتكم إليه، وأني عند ملتقى الجمعين حاملٌ بنفسي على طاغية القوم لزريق، فقاتلوه إن شاء الله تعالى، فاحملوا معي فإن هلكت بعده فقد كفيتكم أمره، ولم يعوزكم بطل عاقل تسندون أموركم إليه، وإن هلكت قبل وصولي إليه فاخلفوني في عزيمتي هذه، واحملوا بأنفسكم عليه، واكتفوا إليهم من فتح هذه الجزيرة بقتله، فإنهم بعده يخذلون”.

والخطابة -كما ترى- خطبةٌ فصيحة تجرى على نسقٍ متصلٍ من تتابع الأفكار، وتتابع العبارات المستقيمة، ولا تعمد إلى الزينةِ اللفظيةِ؛ لأن المقام ليس مقام زينة، وإنما هو مقامُ تحميسٍ وتشجيعٍ، وحثٍّ على القتال، فيمكن أن يكون هذا النصُّ من الخطابة المبكرة في الأندلس، ونحن يمكن أن نعتقد أن قائل هذه الخطبة بطلٌ أو قائدٌ من المشارقة الذين ذهبوا إلى فتحِ الأندلسِ لكن باعتبار أنها قيلت في بلاد الأندلس؛ فإنها تنتمي إلى الأدب الأندلسي.

الخطابة الحفلية:

استخدمت الخطابة في الأندلس في مجالاتٍ كثيرةٍ غير مجال التحميس وتشجيع الجنود في القتال، استخدمت الخطابة الحفلية في قصور الخلفاء في استقبال الوفود، واستخدمت الخطابة الدينية في الوعظ والتذكير بالله سبحانه وتعالى واليوم الآخر، والترغيب في ثوابه، والترهيب من عقابه.

والمناسبات الدينية في الإسلام -كما تعرفون- متصلة، يكفي أن نذكر أن الجمعة هذا الاحتفال الأسبوعي من شعائره الخطبة، واستخدمت أيضًا الخطابة في بعض الأغراض الاجتماعية التي لا ينفك الناس عن ممارستها في حياتهم الاجتماعية كالاحتفال بزواجٍ أو صلحٍ أو غير ذلك مما يمكن أن يكون للخطباء فيه دور.

وقد عُرِفَ في الأندلس خطباء كثيرون كان منهم منذر بن سعيد، وكان منهم أيضًا لسان الدين بن الخطيب، وكان منهم كذلك القاضي عياض.

ومن نماذج الخطابة الحفلية: خطبة لمنذر بن سعيد قالها عندما جاءت الوفود إلى عبد الرحمن الناصر لتهنئه بالخلافة، فقام أبو علي القالي صاحب كتاب (الأمالي) فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ثم أرتج عليه وانقطع -أي: لم يستطع أن يكمل، وهذا يحدث لكثيرٍ من الخطباء- فقام منذر بن سعيد، وكان حاضرًا، ووصل افتتاح أبي عليٍّ بكلامٍ من عنده، فكانت هذه الخطبة المنسوبة إليه.

قال: “أما بعد: حمد الله والثناء عليه، والتعداد لآلائِهِ، والشكرِ لنعمائِهِ، والصلاةِ والسلامِ على محمدٍ صفيِّهِ وخاتمِ أنبيائِهِ؛ فإنه لكلِّ حادثةٍ مقامًا؛ ولكلِّ مقامٍ مقالًا، وليس بعدَ الحقِّ إلا الضلال، وإني قد قُمْتُ في مقامٍ كريمٍ، بين يدي ملكٍ عظيمٍ، فاصغوا إليَّ يا معشر الملأ بأسماعِكُم، وافقَهُوا عنِّي بأفئدتِكُم، إن من الحق أن يقال للمُحِقِّ صدقت، وللمبطل كذبت، وإن الجليل تعالى في سمائه، وتقدس بصفاتِهِ وأسمائِهِ، أمر كليمه موسى -على نبينا وعليه وعلى جميع الأنبياء الصلاة والسلام- أن يُذَكِّرَ قومَهُ بأيامِ اللهِ -جلَّ وعز- عندهم، وفيه وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة.

وإني أذكركم بأيام الله عندكم، وتلافِيهِ لكم بخلافة أمير المؤمنين التي لمَّتْ شعثكم، وأَمَّنَتْ سربكم، ورفعت قوتكم، كنتم قليلًا فكثركم، ومستضعفين فقوَّاكُم، ومستذلِّين فنصركم، وولَّاه الله رعايتكم، وأسند إليه إمامتكم، أيام ضربت الفتنة سرادقَهَا على الآفاق، وأحاطت بكم مِشْعَلَ النفاق؛ حتى صرتم في مثل حدقة البعيرِ من ضيق الحال، ونكدِ العيشِ، فاستبدلتم بخلافتِهِ من الشدة بالرخاء، وانتقلتم بِيُمْنِ سياسته إلى تمهيدِ كنفِ العافيةِ بعد استيطانِ البلاء.

أنشدكم اللهَ معاشرَ الملأ ألم تكن الدماء مسفوكةً فحقنها، والسُّبُل ُمخوفةً فَأَمَّنَاهَا، والأموال منتهبةً فأحرزَهَا وحصَّنَها، ألم تكن البلاد خرابًا فعمَّرَهَا، وثغور المسلمين مهتضمةً فحمَاهَا ونصرَهَا، فاذكروا آلاء الله عليكم بخلافته، وتلافيه جمْعَ كلمتكم بعد افتراقها بإمامته، حتى أذهب الله عنكم غيظكم، وشفى صدوركم، وصرتم يدًا على عدوكم بعد أن كان بأسكم بينكم.

فأنشدكم الله ألم تكن خلافته كُفْلَ الفتنةِ بعد انطلاقِهَا من عقالِها، ألم يتلافَ صلاح الأمور بنفسه بعد اضطراب أحوالِهَا، ولم يَكَل ذلك إلى القوادِ والأجنادِ حتى باشره بالقوة والمُهْجة والأولاد، واعتزل النسوانَ، وهجر الأوطانَ، ورفض الدَّعَة وهو محبوبة، وترك الركون إلى الراحة وهي مطلوبة، بطويةٍ صحيحةٍ، وعزيمةٍ صريحةٍ، وبصيرةٍ نافذةٍ ثاقبةٍ، وريحٍ هابَّةٍ عاليةٍ، ونصرةٍ من اللهِ واقعةٍ واجبةٍ، وسلطانٍ قاهرٍ، وجدٍّ ظاهرٍ، وسيفٍ منصورٍ تحت عدلٍ مشهور، متحملًّا للنَّصَبِ مستقل لما ناله في جانب الله من التعب حتى لَانَتِ الأحوال بعدَ شدَّتِهَا، وانكسرت شوكةُ الفتنة بعد حِدَّتِها، فلم يَبْقَ لها غاربٌ إلا جبَّه، ولا ظهرَ لأهله قرنٌ إلا جَدَّهُ، فأصبحتم بنعمة الله إخوانًا وبِلَمِّ أميرِ المؤمنين لشعثِكُم على أعدائه أعوانًا، حتى تواترت لديكم الفتوحات، وفتح الله عليكم بخلافته أبواب الخيرات والبركات.

وصارت وفود الرومِ وافدةً عليه وعليكم، وآمال الأقْصَيْنِ والأدْنَيْنَ متجهةً إليه وإليكم، يأتون من كل فجٍّ عميقٍ، وبلدٍ سحيقٍ؛ للأخذ بحبلٍ بينه وبينكم جملةً وتفصيلًا لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا، ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ؛ ولهذا الأمر ما بعده، وتلك أسباب ظاهرةٌ باديةٌ، تدل على أمور باطنةٍ خافيةٍ تجدها قائمٌ وجفنُهَا غيرُ نائم، {وَعَدَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } [النور: 55].

وليس في تصديق ما وعد الله ارتياب، ولكل نبأ مستقر، ولكل أجلٍ كتاب، فاحمدوا اللهَ أيها الناس على آلائه، واسألوا المزيدَ من نعمَائِه، فقد أصبحتم بين خلافة أمير المؤمنين أيَّدَهُ الله بالسداد، وألهمه التوفيق إلى سبيل الرشاد، أحسن الناس حالًا، وأنعمهم بالًا، وأعزهم قرارًا، وأمنعهم دارًا، وأكثفهم جمعًا، وأجملهم صنعًا، لا تُهَاجَمُون، ولا تذادون، وأنتم بحمد الله على أعدائكم ظاهرون، فاستعينوا على صلاح أحوالكم بالمناصحة لإمامكم، والتزام الطاعةِ لخلافتِكُم، وابن عم نبيكم صلى الله عليه وسلم فإن من نزَعَ يدًا من الطاعة، وسعى في تفريق الجماعة، ومَرَقَ من الدين فقد خسر الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين.

وقد علمتم أن في التعلُّقِ بعصمَتِهَا، والتمسكِ بعروتِهَا حِرَّ الأموال، وحقْنَ الدماءِ، وصلاحَ الخاصة والدهماء، وأن بقيام الطاعة تقام الحدود، وتُوَفَّى العهود، وبها وُصِلَت الأرحام، ووضحت الأحكام، وبها سدَّدَ الله الخلل، وأمَّنَ السُّبُلَ، ووطئ الأكناف، ورفع الاختلاف، وبها طاب لكم القرار واطمأنت بكم الدار، فاعتصموا بما أمركم الله بالاعتصام به، فإنه -تبارك وتعالى- يقول: {أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ } [النساء: 59].

وقد علمت ما أحاط بكم في جزيرتكم هذه من ضروبِ المشركين، وصنوفِ الملحدين، الساعين في شقِّ عصاكُم، وتفريق ملأكم، الآخذين في مخاذلةِ دينكُم، وهتك حريمِكُم، وتوهينِ دعوةِ نبيكم صلوات الله وسلامه عليه وعلى جميع النبيين والمرسلين. أقول قولي هذا، وأختم بالحمد الله رب العالمين، مستغْفِرًا اللهَ الغفور الرحيم فهو خير الغافرين”.

وهذه الخطبة قالها منذر بن سعيد ارتجالًا؛ لأنه لم يكن مستعدًّا لها، وَلَم يَكُن يَعْرِفُ أنه هو الخطيب، وكما ذكرت كان الذي بدأ الخطبة هو أبو علي القالي، لكنه أرْتِجَ عليه -أي: أُغْلِقَ عليه- باب القول، ولم يستطع أن يتكلم بعد أن حمد الله وأثنى عليه، فقام هذا الخطيب مُتِمًّا لما بدأه أبو علي على غيرِ توقعٍ منه واستعداد، وذلك يدل على حضور بديهته وفصاحتِهِ، وطلاقَةِ لسانِهِ، وثقافتِهِ اللغوية والأدبية التي مكَّنَتْهُ من أن يقول هذه الخطبة التي وَفَّتْ بالغرض، وفيها -كما ترى- دعوة للناس للالتفاف حول أميرهم، وعدم التمرد عليه، وفيها من الناحية الفنية استرسالٌ أحيانًا.

وأحيانًا نجد الخطيبَ يلتزمُ ببعضِ السجعِ، وبعض الجِنَاسِ، ويقتبس من القرآن الكريم مُؤيِّدًا ما يدعو إليه الناس من الاعتصامِ بحبلِ اللهِ والاجتماعِ وعدمِ التفرقِ، ويحذرهم من عاقبةِ التفرق، والاختلاف؛ لأنهم محاطون بأعداءَ يضمرون لهم الشر، ويحاولون انتهازَ الفرصة التي تُمَكِّنُهُم من أن ينقَضُّوا على المسلمين، ويذكرهُم بِمَا حَدَثَ لهم من الأمن والأمان والاستقرار والرخاء في ظل هذا الخليفة الذي يَمُتُّ بالقرابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الخطابة الوعظية:

يتصل بالخطابة ما يسمى بالمواعظ، وإذا كانت هذه خطابة حفليةً، وخطابةً في وفدٍ أو وفودٍ، فإن الخطابة الوعظية تشمل الخطب الدينية التي تقال في الجُمَعِ، وفي غيرها من المناسبات الدينية، والتي يُذَكِّرُ الخطباءُ فيها الناسَ بربِّهِم، ويدعُونَهُم إلى طاعةِ اللهِ سبحانه وتعالى ويرغبونه فيما عنده، ويرهبونهم ويحذرونهم من النار.

ومن المواعظ أيضًا ما يتوجَّهُ به العلماء العاملونَ والزُّهَادُ الصالحون إلى الولاةِ والأمراءِ والخلفاء، يدعونهم إلى العدل في الرعية، ويحذرونهم من الظلم، ويذكرونهم بالله سبحانه وتعالى ويذكرونهم كذلك باليوم الآخر.

وأحيانًا تكون الموعظة الخطابيةُ وصيةً، ومن هذه الوصايا الوعظية ما قاله أبو بكر محمد بن الوليد الطرطوشي للأفضل ابن أمير الجيوش حيث قال مخاطبًا هذا الأميرَ وهذا الملكَ:

“إن الأمرَ الذي أصبحت فيه من المُلْكِ، إنما صَارَ إليك بموتِ مَنْ كان قبلَكَ، وهو خارجٌ عن يدِكَ بمثل ما صارَ إليه، فاتَّقِ الله فيما خوَّلَكَ من هذه الأمة، فإنَّ اللهَ عز وجل سائِلُكَ عن النقير القطمير والفتيل، واعلم أن الله عز وجل آَتَى سليمانَ بن داودَ مُلْكَ الدُّنيا بحذافيرها؛ فسخر له الإنس والجن والشياطين والطير والوحوش والبهائم، وسخَّر له الريح تجري بأمره رُخَاءً حيث أصاب، ورفع عنه حساب ذلك أجمع؛ فـقـال -عـَزَّ مِـْن قَائـِل: {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَاب} [ص: 39].

فَمَا عَدَّ ذلك نعمةً كما عددتموها، ولا حسبها كرامةً كما حسبتموها، بل خاف أن يكون ذلك استدراجًا من الله عز وجل فقال: { هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي} [النمل:40] فافتحِ البابَ، وسَهِّل الحجاب، وانصر المظلوم”.

إذًا ترى في هذه الوصية أو في هذه الموعظة تذكيرًا من هذا العالِم أو الصالح الزاهد الراغب فيما عند الله، فيها جرأةٌ وشجاعةٌ ودعوةٌ لهذا الأمير ألَّا يَغْتَرَّ بما خَوَّلَهُ اللهُ من السلطان والملك، ويذكره أن الله تعالى سبحانه وتعالى سيحاسبه، ويسأله عن الصغير قبل الكبير، ويعرِّفُهُ بأن الله آتى سليمان من الملك ما لم ينبغِ لأحدٍ من بعدِهِ ولم يؤتَ لأحدٍ من قبله، فسخَّر الله له الجِنَّ والطيرَ والإنسَ والجِنَّ والوحوش والبهائم، وأن سليمان لم يَغْتَرَّ بذلك، ولم يقابل هذا الملك على أنه نعمةٌ، وأنه مفخرة، وإنما خاف أن يكون ذلك استدراجًا من الله عز وجل وقال -كما حكى القرآن: {هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ } [النمل: 40].

ثم يوصيه بأن يكون سهلًا مع رعيتِهِ، وألَّا يحتجب عن الناس، يقول: “فافتحِ البابِ، وسهِّلِ الحجَابَ وانصرِ المظلومَ”.

إذًا صارت الخطابة -كما قلنا- في هذه الأغراض، واستخدمها أصحابها في تشجيعِ الجيوشِ، وفي نصح الناس عامة، وفي وعظِ الملوكِ والأمراءِ، واستخدموها كذلك في الاحتفالات، واستقبال الوفود، واستخدموها كذلك في المناسبات الاجتماعية المختلفة.

error: النص محمي !!