Top
Image Alt

الخطابة في الجاهلية

  /  الخطابة في الجاهلية

الخطابة في الجاهلية

النثر:

والنثر هو قسيم الشعر، والقسم الثاني من قسمي الأدب.

النثر: هو الكلام البليغ المؤثر، الذي يُعبِّر به المتكلم عن مواقفه وعواطفه بأسلوب متميزٍ، لكنه لا يتقيد فيه بالوزن والقافية، لا يتقيد بنظامٍ موسيقيٍّ معين كما هو الحال في الشعر.

المصادر التي نأخذ منها مادة النثر الجاهلي:

إن النثر الجاهلي لم يحظَ بالعناية التي حظي بها الشعر، ولم تكن الرواية في النثر دقيقة متصلة موثقة كما كان الشأن بالنسبة للشعر، ويبدو أن ذلك راجعٌ إلى أن النثر أصعب في حفظه من الشعر، ولأن العرب كانوا يعتمدون على الذاكرة والرواية فإنهم استطاعوا أن يحتفظوا بكثير من نصوص الشعر سهّل عليهم ذلك الوزن والقافية، ولم يستطيعوا أن يحتفظوا بقدر مماثل من النثر.

لكن هناك طائفة جيدة من خطب العرب وأمثالهم وصلت إلى الرواة وعلماء اللغة والأدب ودوّنوها، وهي تحمل روح العصر الجاهلي، وتدل بوضوح على طرائق النثر الجاهلي وفنونه وموضوعاته.

وقد بدأ تدوين النثر الجاهلي في عهد معاوية بن أبي سفيان رضي الله  عنه  ؛ إذ ألَّف عبيد بن شرية كتابًا في الأمثال، وبعد ذلك وَضَعَ المفضل الضبي كتابًا في أمثال العرب كذلك، ثم بعد ذلك ألَّف أبو عبيد القاسم بن سلام كتابًا شرحه من بعده أبو عبيد البكري باسم (فصل المقال في شرح كتاب الأمثال)، وما زالت المؤلفات تتوالى في الأمثال حتى ألَّف أبو هلال العسكري كتابه (جمهرة الأمثال)، ثم ألّف الميداني كتابه (مجمع الأمثال)، وقال في مقدمته: إنه رجع فيه إلى ما يربو على خمسين كتابًا.

واحتفظت كتب الأدب العامة وكتب الأمالي بطائفة كبيرة من خطب العرب الجاهليين وحِكمهم ووصاياهم؛ فإننا نجد -في (البيان والتبيين) و(العقد الفريد) و(الكامل) وغير هذه الكتب- طائفة جيدة من خطب العرب وأمثالهم وحِكمهم ووصاياهم.

والنثر الجاهلي وردنا في عدة فنون هي: الخطابة والوصايا والأمثال وسجع الكهان والقصص.

الخطابة:

كانت الخطابة فنًّا مزدهرًا جدًّا في العصر الجاهلي، وكان ازدهار الخطابة عند الجاهليين راجعًا إلى عدة عوامل؛ منها الخصومات والمنازعات المستمرة والنداء بالحرب مرة والدعوة إلى السلم مرة، وفي كل هذه المواقف كانوا يستخدمون الخطب للتأثير والإقناع والوصول إلى ما يريدون، ومن هذه العوامل أيضًا المجالس والمنتديات الأدبية، فقد كانت هذه المجالس والمنتديات ميادين يُظهر فيها الخطباء براعتهم وبلاغتهم ومقدرتهم على الكلام، وكان من هذه العوامل أيضًا التفاخر والتنافر، وكانت الخطابة وسيلة من الوسائل التي يتفاخرون بها ويتنافرون.

ولقد احتفظت كتب الأدب بأسماء كثيرين من الخطباء الذين كانت لهم منزلة معروفة في قومهم بسبب قدرتهم على الخطابة وتفوقهم فيها، واستخدمت الخطابة في تحميس الجيوش وتشجيع الجند وحثهم على الاستبسال، واستخدمت كذلك في محافل استقبال الوفود وفي مناسبات الزواج، واستخدمت في الدعوة إلى السلم، ونبذ العداوة والإصلاح بين القبائل المتحاربة لتضع الحرب أوزارها، واستخدمت أيضًا في النصح والإرشاد والتوصية بما يراه الخطيب صالحًا لمن يخطب فيها.

ومن خطبائهم المشهورين الذين احتفظت لنا المراجع بأسمائهم: كعب بن لؤي الجد السابع للنبي صلى الله عليه  وسلم ويذكرون أنه كان يخطب على العرب عامة ويحض كنانة خاصة على البِّر، وأنه لم مات أكبروا موته وأرخوا به إلى عام الفيل، ومن خطبائهم المشهورين كذلك قيس بن خارجة خطيب حرب داحس والغبراء، ومنهم خويلد بن عمر الغطفاني خطيب حرب الفجار، وقس بن ساعدة خطيب عكاظ، وأكثم بن صيفي حكيم العرب وقاضيها. وفي (البيان والتبيين) أسماء غير هذه كثيرة.

وكانوا يعدون الخطابة زعامة وصفة تُكسب صاحبها المجد والسيادة، وكانت لهم تقاليد؛ إذ كان الخطيب يخطب على راحلته أو على مكان مرتفع. وقد اعتجرت عمامته على رأسه، وأمسك بعصاه أو قوسه في يده، وكانوا يمدحون في الخطيب ثبات الجنان وحضور البديهة وانطلاق اللسان، ويعيبون عليه التنحنح والارتعاش والتعثر في الكلام.

وجاءت أكثر خطبهم موشّاة بالسجع والجناس، وبعضها يخرج إلى النثر المرسل دون التزام بشيء من ذلك، لكنهم على أي حال كانوا يعنون بفصاحة الكلمة وتجويد الأسلوب ووضوح البرهان ونصاعة الحجة؛ لأنهم يريدون من خطبهم التأثير في العقل والوجدان معًا.

ومن خطب الجاهليين التي احتفظت بها كتب الأدب: خطبة هاشم بن عبد مناف في الإصلاح بين القرشيين والخزاعيين، خطب فيهم فقال: “أيها الناس، نحن آل إبراهيم وذرية إسماعيل وبنو النضر بن كنانة وبنو قصي بن كلاب، وأرباب مكة وسكان الحرم، لنا ذروة الحسب والنسب ومعدن المجد، ولكلٍّ في كلٍّ حلفٌ يجب عليه نصرته وإجابة دعوته، إلا ما دعا إلى عقوق عشيرة وقطع رحم، يا بني قصي، أنتم كغصني شجرة أيهما كُسر أوحش صاحبه، والسيف لا يُصان إلا بغمده، ورامي العشيرة يصيبه سهمه، ومن أغضبه اللجاج أخرجه إلى البغي. أيها الناس، الحلم شرف، والصبر ظفر، والمعروف كنز، والجود سؤدد، والجهل سفه، والأيام دول، والدهر عبر، والمرء منسوب إلى فعله، ومأخوذ بعمله، فاصطنعوا المعروف تكسبوا الحمد، ودعوا الفضول يتجنبكم السفهاء، وأكرموا الجليس يعمر ناديكم، وحاموا عن الخليط يرغب في جواركم، وأنصفوا من أنفسكم يوثق بكم، وعليكم بمكارم الأخلاق؛ فإنها رفعة، وإياكم والأخلاق الدنيئة؛ فإنها تضيع الشرف وتهدم المجد، وإن نهنهة الجاهل أهون من جريرته، ورأس العشيرة يحمل أثقالها، ومقام الحليم عظةٌ لمن انتفع به”.

ومن خطبهم كذلك: خطبة أبي طالب في زواج محمد بن عبد الله رسول الله صلى الله عليه  وسلم بخديجة بنت خويلد، وكان ذلك قبل بعثته صلى الله عليه  وسلم قال أبو طالب: “الحمد الله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل، وجعل لنا بلدًا حرامًا وبيتًا محجوجًا، وجعلنا الحكام على الناس، ثم إن محمدًا بن عبد الله ابن أخي مَن لا يوزن به فتى إلا من قريش إلا رجح عليه برًّا وفضلًا وكرمًا وعقلًا ومجدًا ونبلًا، وإن كان في المال قلب فالمال ظل زائل وعارية مسترجعة، وله في خديجة بنت خويلد رغبة ولها فيه مثل ذلك، وما أحببتم من الصداق فعليّ”.

ومن خطبهم كذلك: خطبة قس بن ساعدة في سوق عكاظ والتي قال فيها: “أيها الناس، اسمعوا وعوا، مَن عاش مات ومَن مات فات، وكل ما هو آتٍ آت، ليل داجٍ، ونهار ساجٍ، وسماء ذات أبراج، ونجوم تزهر، وبحار تزخر، وجبال مرساة، وأرض مدحاة، وأنهار مجراة، إن في السماء لخبرًا، وإن في الأرض لعبرًا، ما لي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون، أرضوا بالمقام فأقاموا أم تُركوا فناموا؟!”.

error: النص محمي !!