Top
Image Alt

الخطبة تعريفها، ومشروعيتها، وحكم النظر إلى المخطوبة

  /  الخطبة تعريفها، ومشروعيتها، وحكم النظر إلى المخطوبة

الخطبة تعريفها، ومشروعيتها، وحكم النظر إلى المخطوبة

اهتمت الشريعة الإسلامية بأمر الزواج، أكثر من اهتمامها بأي شيء آخر؛ لما يترتب عليه من حفظ للفروج؛ بإعفافها عن طريق الحل المشروع، وحفظ للنسل بمجيئه من نفس الطريق، ولما يترتب عليه من آثار دينية، ودنيوية.

أما الآثار الدينية؛ فهي ثبوت المحرمية بالمصاهرة بين الزوج وأصول زوجته وفروعها، وبين الزوجة وأصول زوجها وفروعه، ولما يترتب عن ذلك من ثبوت النسب الصحيح، وما يتفرع عن ذلك من محرمية تأتي عن طريق الرضاع ونحو ذلك.

وأما الآثار المالية؛ فهي مؤنته وتكلفته؛ من دفع المهر وإعداد منزل الزوجية؛ ووجوب نفقة الزوجة بجميع أنواعها، وما يئول إليه من ميراث بين الزوجين.

لذلك؛ فقد جعلت الشريعة الإسلامية أمر الإقدام عليه يكون بالتؤدة والتروي؛ حتى يتم عن قناعة كاملة لكل من الزوجين بالآخر، فمهدت له بالاتفاق والمشورة أولًا عن طريق الخطبة، وفصلت القول في أحكامها من خلال كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وجعلت لها أحكامًا وشروطًا، على النحو التالي.

الخطبة لغة: بكسر الخاء، وضمها، كلمتان متحدتان لفظًا، متغايرتان معنى؛ فكل منهما مأخوذ من خَطَب بفتح الخاء، لكن خُصت الخُطبة بالضم بالكلام المنثور، أو المسجوع، ومنه خطبة الجمعة، وخصت الخِطبة بالكسر، لخطبة المرأة للزواج بها، ومنه قوله سبحانه: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ} [البقرة: 235].

الخِطبة في الاصطلاح: هي طلب الرجل يد امرأة معينة من أهلها؛ للاقتران بها شرعًا.

مشروعية الخطبة ودليلها: ثبتت مشروعية الخِطبة بالكتاب، والسنة؛ أما الكتاب، فقوله تعالى: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} [البقرة: 235]، نزلت هذه الآية في شأن المتوفى عنها زوجها، وجواز التعريض بخطبتها في عدتها؛ فإذا جاز التعريض بخطبة المعتدة من وفاة؛ فإنه يجوز من باب أولى التصريح بخطبة الخالية.

وأما السُّنة؛ فما رُوي أن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه خطب امرأة، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال له صلى الله عليه وسلم: ((أنظرت إليها؟))، قال: لا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((انظر إليها؛ فإنه أحرى أن يؤدم بينكما))، فدل الحديث على مشروعية الخطبة.

النظر إلى المخطوبة، حكمه، والحكمة منه: النظر إلى المخطوبة، حكمه: الجواز، والإباحة باتفاق جميع الفقهاء؛ بل جعلت الشريعة الإسلامية ذلك أمرًا مندوبًا إليه، ومرغوبًا فيه؛ يتجلى ذلك واضحًا في قوله صلى الله عليه وسلم للمغيرة بن شعبة: ((انظر إليها؛ فإنه أحرى أن يؤدم بينكما))، ويؤيده قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا خطب أحدكم امرأة؛ فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها، فليفعل))، يقول جابر -راوي الحديث: “فخطبت جارية من بني سلمة؛ فكنت أختبئ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها، فتزوجتها”.

كما اتفق جميع الفقهاء كذلك على أن لا يكون النظر إلى المخطوبة في خلوة؛ لأن خلوة الرجل بامرأة أجنبية حرام شرعًا؛ فربما زين لهما الشيطان اقتراف المعصية، ويتمثل هذا في هديه صلى الله عليه وسلم حين يقول: ((لا يخلون رجلٌ بامرأة لا تحل له؛ فإن ثالثهما الشيطان، إلا محرم)).

أما الحكمة في إباحة النظر إلى المخطوبة قبل العقد عليها؛ فهي: حصول الرضا، والموافقة للرجل بمن يريد الاقتران بها؛ إذ من حق الرجل أن يعرف عن بينة شكل من يتزوجها؛ حتى يقتنع بها.

وله أن يُكرر المشاهدة؛ حتى لا يكون له عذرٌ بعد ذلك في تركها بحجة أنه لم يرها من قبل، ولا أدل على ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم: ((انظر إليها؛ فإنه أحرى أن يؤدم بينكما))، أي: تدوم العشرة والألفة والمحبة بينكما.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا خطب أحدكم المرأة؛ فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها، فليفعل))، وهل يكون ذلك إلا لمعرفة شكلها وتكوينها الجسمي وملامحها، وهذا هو المعنى المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: ((إلى ما يدعوه إلى نكاحها)).

النظر إلى الخاطب: كما أن من حق الخاطب أن ينظر إلى مخطوبته؛ فكذلك من حق المخطوبة النظر إلى خاطبها؛ لنفس الأسباب والدواعي، والحكمة التي ذكرناها في نظر الخاطب إلى مخطوبته؛ لأن الحكمة من النظر دوام الألفة، واستمرار المحبة، وهذا لا يتأتى بطرف واحد؛ بل لا بد أن يكون للطرفين، وكون الكتاب، والسنة عبّرا عن ذلك بذكر الرجل، وتوجيه الخطاب إليه؛ فلأن هذا هو عرف الناس وعاداتهم؛ فالرجل الذي يتقدم لخطبة المرأة عادة وليس العكس.

القدر المسموح برؤيته من المخطوبة: هو الوجه، والكفان، والقدمان؛ لأن هذه الأعضاء هي جماع محاسن المرأة، على خلاف في بعضها عند بعض الفقهاء، وهذا هو مذهب الحنفية، وقد أجاز بعض الفقهاء تجاوز هذا القدر، ومنع بعضهم النظر إلى القدمين، ولكن الشافعية يفضلون أن تكون رؤية المخطوبة خُفية؛ حتى لا يكون هناك حرجٌ للخاطبين، إذا لم تحصل الموافقة.

error: النص محمي !!