Top
Image Alt

الخطبتان وآدابهما

  /  الخطبتان وآدابهما

الخطبتان وآدابهما

باب: هيئات الخطبتين وآدابهما:    

الحديث الأول:   

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة قائمًا، ثم يجلس، ثم يقوم كما يفعلون اليوم)) رواه الجماعة.

وقوله: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة قائمًا)) فيه أن القيام حال الخطبة مشروع، قال ابن المنذر: هو الذي عليه عمل أهل العلم من علماء الأمصار، واختلف في وجوبه؛ فذهب الجمهور إلى الوجوب، ونقل عن أبي حنيفة أن القيام سنة وليس بواجب، وإلى ذلك ذهبت الهادوية، واستدل الجمهور على الوجوب بحديث الباب، وبغيره من الأحاديث الصحيحة.

وأخرج ابن أبي شيبة، عن طاوس قال: ((خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم قائمًا، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وأول من جلس على المنبر معاوية)) وروى ابن أبي شيبة -أيضًا- عن الشعبي: “أن معاوية إنما خطب قاعدًا لما كثر شحم بطنه ولحمه” ولا شك أن الثابت عنه صلى الله عليه وسلم وعن الخلفاء الراشدين هو القيام حال الخطبة، ولكن الفعل بمجرده لا يفيد الوجوب.

قوله: ((ثم يجلس)) فيه مشروعية الجلوس بين الخطبتين، وقد ذهب الشافعي والإمام يحيى إلى وجوبه، وذهب الجمهور إلى أنه غير واجب.

وقوله: ((ثم يقوم كما يفعلون اليوم)) يستفاد منه أن السنة باقية إلى هذا اليوم، وهي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخطبة.

الحديث الثاني:

عن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مَئِنَّةٌ من فقه؛ فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة)) رواه أحمد، ومسلم. والمئنة: العلامة والمظنة.                        

قوله: ((مئنة)) قال النووي: بفتح الميم، ثم همزة مكسورة، ثم نون مشددة، أي: علامة، قال: وقال الأزهري، والأكثرون: الميم فيها زائدة، قال الهروي: قال الأزهري: غلط أبو عبيد في جعل الميم أصلية، ورده الخطابي وقال: إنما هي “فعيلة” وقال القاضي عياض: قال شيخنا هي أصلية. انتهى.

وإنما كان إقصار الخطبة علامة من فقه الرجل؛ لأن الفقيه هو المطلع على جوامع الألفاظ؛ فيتمكن بذلك من التعبير باللفظ المختصر عن المعاني الكثيرة.

قوله: ((فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة)) قال النووي: الهمزة في “اقصر” همزة وصل، وظاهر الأمر بإطالة الصلاة في هذا الحديث المخالفة؛ لقوله في حديث جابر بن سمرة: ((كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قصدًا وخطبته قصدًا)) وقال النووي: لا مخالفة؛ لأن المراد بالأمر بإطالة الصلاة بالنسبة إلى الخطبة لا التطويل الذي يشق على المؤتمين.

قال العراقي: أو حيث احتيج للتطويل لإدراك بعض من تخلف، قال: وعلى تقدير تعذر الجمع بين الحديثين؛ يكون الأخذ في حقنا بقوله؛ لأنه أدل بفعله لاحتمال التخصيص. انتهى.

قال الشوكاني: وقد ذكرنا غير مرة أن فعله صلى الله عليه وسلم لا يعارض القول الخاص بالأمة مع عدم وجود دليل يدل على التأسي في ذلك الفعل بخصوصه، وهذا منه.

باب: المنع من الكلام والإمام يخطب، والرخصة في تكليمه لمصلحة، وفي الكلام قبل أخذه في الخطبة وبعد إتمامها:

الحديث الأول:      

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذ قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت -والإمام يخطب- فقد لغوت )) رواه الجماعة إلا ابن ماجه.

الحديث الثاني:

عن علي رضي الله عنه في حديث له قال: ((من دنا من الإمام فلغا ولم يستمع ولم ينصت- كان عليه كِفلٌ من الوزر، ومن قال: صه فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له، ثم قال: هكذا سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم)) رواه أحمد وأبو داود.

الحديث الثالث:

عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب- فهو كمثل الحمار يحمل أسفارًا، والذي يقول له: أنصت- ليس له جمعة)) رواه أحمد.

الكلام عن حديث أبي هريرة:

الحديث الأول من هذه الأحاديث، وهو حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت)) هذا الحديث صحيح أخرجه الجماعة.

وفي الحديث حثٌّ على الإنصات للخطبة، والاستماع إليها، وتحريم الكلام في أثنائها حتى لو كان هذا الكلام قليلًا، حتى لو كان أمرًا بمعروفٍ، أو نهيًا عن منكرٍ، أو كان استفسارًا عن آية أو حكم شرعي، كل هذا الكلام يحرم في أثناء الخطبة -يعني: والإمام يخطب.

وقوله في الحديث: ((إذا قلت لصاحبك)) أي: لجارك في الصلاة، أو لصديقك، أو لأي شخص كان في أثناء الخطبة.

وقوله: ((أنصت)) قال الأزهري: يقال: أنصت ونصت وانتصت، قال ابن خزيمة: والمراد بالإنصات السكوت عن مكالمة الناس دون ذكر الله تعالى، وتُعقِّب بأنه يلزم منه جواز القراءة والذكر حال الخطبة، والظاهر أن المراد السكوت مطلقًا. قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري): وهو ظاهر الأحاديث، فلا يجوز من الكلام إلّا ما خصه دليل كصلاة التحية -تحية المسجد- نعم الأمر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند ذكره يعمّ جميع الأوقات، والنهي عن الكلام حال الخطبة يعم كل كلام، فيتعارض العمومان، ولكنه يرجح مشروعية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند ذكره حال الخطبة ما سيأتي في تفسير له من اختصاصه بالكلام الباطل الذي لا أصل له لولا ما سيأتي من الأدلة القاضية بالتعميم.

قوله: ((والإمام يخطب)) فيه دليل على اختصاص النهي بحال الخطبة، وردٌّ على من أوجب الإنصات من خروج الإمام. وكذلك قوله: ((يوم الجمعة)) ظاهره أن الإنصات في خطبة غير يوم الجمعة لا يجب، وفيه دليل على أن الجمعة لا بد فيها من الخطبة، وهذه الخطبة لا يجوز الكلام في أثنائها.

error: النص محمي !!