Top
Image Alt

الخطوات الأولى لإقامة الجماعة الإسلامية بالمدينة المنورة

  /  الخطوات الأولى لإقامة الجماعة الإسلامية بالمدينة المنورة

الخطوات الأولى لإقامة الجماعة الإسلامية بالمدينة المنورة

كانت المهمة الأولى أمام سيد المرسلين صلى الله عليه  وسلم عند استقراره في المدينة وبدئه العمل: هي إنشاء جماعة منظمة آمنة في ذلك البلد، وكان الإسلام هو المدخل لقيام الجماعة، فهو يتضمن عقيدة سماوية سامية، كفيلة بأن تجمع قلوب الناس حول لواء واحد، وذلك الدين يتضمن مثلًا أعلى، وعروة وثقى تُحفِّز الناس للعمل، وتفيض في قلوبهم الشعور بالأمن، ويتضمن الإسلام كذلك شريعة فاضلة متكاملة، تضمن الحقوق داخل الجماعة، ويتضمن قانونًًا أخلاقيًّا يرتفع بالناس عن فوضي المنازعات الدائمة، ويحمي الجماعة من عدوان الكبار على الصغار، والأقوياء على الضعفاء، ويحيط أموال الناس وأشخاصهم بسياج قانوني لا غنى عنه في مجتمع مستقر منظم، وهناك إلى جانب ذلك كله الرجل الكفيل بتحقيق هذه الآمال، وتطبيقها في الواقع، وهو رسول الله صلى الله عليه  وسلم الذي اختاره الله رسولًا إلى الناس كافة، كي ينشئ الجماعة الإسلامية في الأرض، ووهبه المَلَكَاتَ والخصائصَ الكفيلة بتمكينه من القيام بذلك العمل العظيم.

وقد بدأ محمد صلى الله عليه  وسلم في إنشاء هذه الجماعة في الأيام الأولى لوصوله إلى قباء، فقد أسرع إليه كبار رجال المدينة وأخذوا يجتمعون معه ليتشاورا، واجتمع معه المهاجرون، وكان عدد منهم قد سكن قباء، وتفرق الباقون في نواحي المدينة، وكانت نواة تكوين الجماعة أولئك المهاجرين، ومعهم نقباء أهل المدينة الاثنا عشر الذين انتخبوا ليلة بيعة العقبة الثانية، ومجرد تفكير محمد صلى الله عليه  وسلم في أن يطلب إلى أهل المدينة، الذين قابلوه في مكة في اجتماع العقبة الثانية انتخاب أولئك النقباء؛ ليشتركوا معهم في تدبير أمر الجماعة المقبلة، يعطينا فكرة عن تصوره صلى الله عليه  وسلم لتكوين الجماعة الإسلامية، فهي جماعة من رجال مؤمنين أحرار يتشاورون ويديرون ويدبرون أمورهم معًا، ومحمد صلى الله عليه  وسلم في وسطهم، يرشدهم إلى الطريق السوي، ويوجههم إلى ما فيه خير الجماعة كلها، وهو لا يقطع دونهم أمرًا فيما عدا ما يتصل بالشريعة والعقيدة، فهذه يتلقاها من الله، ويبلغهم إياها ويوضحها لهم، ويقوم فيها مقام القدوة التي يتبعها الناس.

أ. أهمية المسجد في بناء الجماعة الإسلامية الأولى:

كانت الخطوة الأولى لإنشاء هذه الجماعة هي بناء المسجد، فالمساجد هي رموز الجماعات الإسلامية ومراكزها، وهذا يتجلى بوضوح في إنشاء مسجد الرسول صلى الله عليه  وسلم في المدينة المنورة، فقد أنشأه في وسطها تقريبًا، ولم يجعله مصلى فحسب، بل جعله أيضًا مركزًا لتدبير شئون الجماعة، ومكانًا لالتقاء أفرادها، وفي ركن من صحنه الواسع أقام محمد صلى الله عليه  وسلم الحجرات -حجرات أمهات المؤمنين- التي أقام فيها بقية حياته، وفي الطرف الشمالي للجامع أنشأ العريش، هذا العريش الذي كان يعين ناحية القبلة، وفي الطرف المقابل لناحية القبلة أقيمت الصُُّفَّة، وهي عبارة عن سقف أو ظِلة مُقامة بعرض الجدار، تحملها جذوع نخل ليجلس تحتها أهل الصُُّفَّة وهم -كما تؤكد كتب السيرة- نفر من الفقراء أحبوا أن يقضوا حياتهم قرب مسجد الرسول صلى الله عليه  وسلم للقيام بخدمته، وعبادة الله فيه، ولكننا عندما نقرأ أسماء أهل الصُُّفَّة نجد الكثيرين منهم -وقد ذكرناهم من قبل- لا ينطبق عليهم وصف الفقراء، ويبعد أن يكونوا قد عاشوا على صدقات الناس، فقد كان فيهم أبو ذر الغفاري، وأبو ذر لا يمكن أن يكون قد عاش على صدقات الآخرين، وفيهم أيضًا عمار بن ياسر، وخباب بن الأرت، وصهيب الرومي، وهم من الصحابة القدماء، وكانت لهم بيوتهم المعروفة، ومن هنا فلا بد أن يكون لأهل الصُُّفَّة عمل محدد، ووظيفة بالنسبة للمسجد، وبالنسبة للرسول صلى الله عليه  وسلم، ولنذكر هنا أن نفرًا من أهل الصُُّفَّة كانوا دائمًا في خدمة الرسول صلى الله عليه  وسلم يقدمون له وللمسجد أجلَّ الأعمال التي لا يستغنى عنها.

كان قيام المسجد إيذانًا لقيام الجماعة، فكان مكانًا للصلاة ومجمعُا للمسلمين، يسمعون فيه أخبار جماعتهم، وما تحققه من تقدم وما يحيط بها من ظروف، وما كانت تقوم به من نشاط ديني وسياسي وعسكري واسع، هنا كان يقيم محمد صلى الله عليه  وسلم رأس الجماعة وقائدها، وكان رجلًا نشيطًا قلما يركن للراحة، فكان إما غازيًا أو زائرًا للناس أو طائفًا بنواحي المدينة، وقليلة هي تلك الأوقات التي كان يقضيها ساكنًا يتحدث مع أصحابه خارج غرفه، وكان صلى الله عليه  وسلم قليل الكلام فإذا تكلم فالبقدر المناسب فقط، وكان من صفاته الكبرى عندما يجتمع مع الناس -الإنصات وحسن الاستماع، وكان يستوعب المهم مما يسمع؛ سواء أكان جالسًا في بيته أم خارجه، أو في طريقه إلى إحدى الغزوات، وكانت عادته أن يدع الآخرين يتحدثون، وأن يطيل التفكير فيما يسمع ولا يتكلم إلا عن روية، ولم تكن إدارته لشئون الجماعة قائمة على أوامر يصدرها، بل على القدوة الصالحة التي كان يضربها، وقد كان نادرًا ما يصدر أمرًا، ولقد حكى خادمه أنس بن مالك  رضي الله  عنه أنه صلى الله عليه  وسلم لم يرفع صوته في خطابه معه قط، ولا ترك الغضب يستولي عليه مهما أخطأ خدمه ومعاونوه، ولم يرفع يدًا على خادم أو مولى قط، ولقد كان المنافقون من خصوم الإسلام -وسنعرض لهم بعد قليل- يرتكبون ما يثير ويغضب، فلا يغضب محمد صلى الله عليه  وسلم ولا يدع العاطفة تستبد به، وإنما كان هادئًا دائمًا يتصرف في صمت، وفي هدوء وبعد مشاورة أصحابه فيما جلَّ من الأمور.

ب. عمران المدينة بعد وصول النبي صلى الله عليه  وسلم إليها:

لم يكن المسجد وقيامه رمزًا لجماعة إسلامية فقط، بل كان أيضًا هذا المسجد بداية لعمران المدينة، لقد امتد شارع من غربي الجامع إلى جبل “سَلْع” في الجانب الغربي من المدينة، واتصل هذا الشارع شرقًا حتى بلغ بقيع الغرقد الذي أصبح مقبرة المدينة، ومن عند المسجد امتد شارع آخر نحو الشمال في اتجاه “السنح”، ونشأت الدور على طول هذين الشارعين الكبيرين.

وكان الاتفاق بين محمد صلى الله عليه  وسلم وأهل المدينة، يسمح له بالتصرف في الأراضي المهملة التي لم تكن تتبع أحدًا، ولم يكن يستغلها أحد، فأعطى المهاجرين والطارئين على المدينة من المسلمين قطعًا من الأرض بنوا فيها بيوتًا، وسمح لمن يريد أن يعمر قطعة منها بالزرع بأن يفعل ذلك لحسابه الخاص، فأقبل على ذلك الكثيرون من القضاعيين والأسالمة بصورة خاصة، فأصبحت لهم أراضيهم، وأصبحت لهم زروعهم، وكان لذلك أكبر الأثر في تحسن أحوالهم وفي عمران المدينة بصفة عامة، وكانت بعض القطع التي وهبها رسول الله صلى الله عليه  وسلم نصيب نفر لم تكن لهم بيوت واسعة، فأنشئوا فيها بيوتًا لهم ولآلهم، وسميت القطعة بما فيها من البيوت “الدار”، ومع الزمن تصرف أصحابها أو ورثتهم فيما لا يحتاجون إليه من أرضها فأصبح مكان بعض هذه الدور أحياءً تسمى بأسماء أصحابها مثل: دار عبد الرحمن بن عوف، ودار الزبير بن العوام، وشيئًا فشيئًا، ومع زيادة الرخاء في المدينة كثر إنشاء الناس للبيوت، والحدائق -وكانوا يسمونها الحوائط.

واتصل عمران المدينة بهذه الطريقة، وارتبطت الواحات المتباعدة في السهل بعضها ببعض، وظهرت المدينة كبلد واحدة متصل الأجزاء، عامر بالبيوت والشوارع والحارات، مترابط الأطراف، آهل بالناس. وعندما توقفت تجارة مكة بسبب سيطرة المدينة على طريق التجارة نتيجة لسياسة محمد صلى الله عليه  وسلم اتجه جانب كبير من التجارة نحو المدينة المنورة، وأخذت المساحات الواقعة بينها وبين طريق التجارة تتمهد في اتجاه الغرب، مارة بوادي العقيق ومسجد القبلتين، وفي اتجاه الجنوب الغربي مارة غربي جبل عير، وهنا ظهرت أهمية موضع بئر عروة الذي أصبح منذ ذلك الحين مركزًا تجاريًّا هامًّا، وأُنشئت بعض الجسور على وديان المدينة تيسيرًا للمواصلات، وجدير بالذكر أن محمد صلى الله عليه  وسلم تنبه لأهمية القناطر والمعابر، فشجع على إنشائها حتى تتصل الشوارع، وكثرت في المدينة الأسواق، والمراد بالأسواق هنا الشوارع التجارية، وانصرف إلى التجارة كثيرون من أهل المدينة، وزاد السكان زيادة كبيرة، بل كانوا يزيدون باستمرار بسبب إقبال الناس من كل ناحية؛ لسكنى ذلك البلد العامر الآمن، ومن خلال ما يكتب السمهودي في كتابه (وفاء الوفاء) نستطيع أن نتبين كيف كانت أسعار الأرض والمباني وحاجات الحياة ترتفع في المدينة شيئًا فشيئًا، وهذه كانت بعض نتائج العمران الذي دب في البلد، والسلام الذي سادها عقب قيام الجماعة الإسلامية الأولى فيها.

وقد تضاعف بناء المساجد في المدينة المنورة خلال السنوات القليلة التي أقامها الرسول الكريم صلى الله عليه  وسلم فيها يدبر أمرها ويسوس جماعتها، ويرسم الخطوط الرئيسية لتنظيم هذه الجماعة التي ستصبح نموذجًا تحتذيه كل الجماعات الإسلامية فيما بعد.

error: النص محمي !!