Top
Image Alt

الدراسة التحليلية على السمات الفنية التي ميزت شعر أصحاب المذهب الجديد: قصيدة (قدوم الشتاء)

  /  الدراسة التحليلية على السمات الفنية التي ميزت شعر أصحاب المذهب الجديد: قصيدة (قدوم الشتاء)

الدراسة التحليلية على السمات الفنية التي ميزت شعر أصحاب المذهب الجديد: قصيدة (قدوم الشتاء)

من شعر العقاد قصيدة (قدوم الشتاء):

ولتتبين الفرق بين شعر هؤلاء المجددين وشعر المحافظين، سنخص بعض القصائد بدراسة تحليلية نتذوق فيها طريقة التعبير والتصوير عند هؤلاء الشعراء المجددين؛ لنستبين الفرق بين طريقتهم وطريقة الشعراء المحافظين.

نموذج للعقاد قصيدة بعنوان: “قدوم الشتاء”:

يقول العقاد:

تسير الكواكب سيرَ الحذِر

*ويرجف في الجو نورُ القمر

وللشمس مِشية مستكرَهٍ

*يُسَاق إلى منظرٍ لا يسُر

ونهرٌ كمرآةٍ مهجورةٍ

*على وجهه من جَوَاها أثر

وللروض زهرٌ به طائحٌ

*تقلَّب في الأرض كالمحتَضَر

ونادى المنادي بركب الطيور

*هيَّا فقد حان وقت السفر

فهذا يحوم على وكْرِه

*وهذا يصيح ولمَّا يطِر

ألا ما لهذا الضحى كاسفًا

*كأن الأصيلَ عليه انتشر

وما للرياحِ بأعلى الشجر

*تعج كموج خضم زخِر

تنام العيون ويعلو لها

*نشيجٌ إذا الليل أغضى ظهر

تحطم أعوادَها العارياتُ

*تحطيمَ ذي جِنَّة منذِعر

فيا ويلَ مَن بات في ليلةٍ

*يجاوِبُها بالبُكا والسهر

شواهد تنبئ أن الزمان

*يُبلِي النبات ويُبلِي البشر

تُنادي بأن الربيع اندثر

*وأن الشتاء غدا بالأثر

فيا منظرًا مُونِقًا للرياض

*تأنَّق فيه الربيعُ العطِر

لقد أنكرتك عيونُ الشتاء

*ويا حُسنَ ما أنكرت من صُوَر

كما أنكر الشيخ من مجلسٍ

*تداعَى الشباب به للسَّمر

وكل أوانٍ له شارة

*وما شارة الدهر إلا الغِيَر

هذه القصيدة خالصة لموضوعها، وتبدأ في الموضوع مباشرة دون تمهيد ودون مقدمات، والقصيدة ذات فكرة واحدة وتمثل موضوعًا واحدًا، والجو النفسي فيها واحد؛ فهي تمتاز بالوحدة، وهذا أمر يختلف عن شعر المحافظين؛ أول ملمح إذًا هو أن القصيدة ليست ذات مقدمة، وأنها ذات موضوع واحد، وذات وحدة نفسية؛ ففيها وحدة موضوعية ووحدة عضوية.

“قدوم الشتاء”: العقاد يتأمل الطبيعة والحياة وقتَ قدوم الشتاء، ويرصد مظاهر الحياة وتغيرات الطبيعة التي تأتي مع الشتاء؛ فيقول:

تسير الكواكب سير الحذِر

*ويرجف في الجو نور القمر

وفي هذا التعبير استعارة أو تشبيه؛ لأنه جعل الكواكب تسير سيرَ الحذر؛ فشبه سيرها بسير الإنسان الحذر، وفي هذا التشبيه تشخيص للكواكب وجعلها كأنها تشبه الإنسان وتسير مثل سيره، وتشعر كشعوره، وتحذر كحذره، وجعل نور القمر يرجف في الجو.

وللشمس مشية مستكرَهٍ

*يساق إلى منظر لا يسر

فجعل للشمس مِشية تشبه مشيةَ المستكرَه الذي يُساق إلى منظر لا يسر.

و”نهر كمرآة مهجورة”: هذا تشبيه شبه النهر بالمرآة المهجورة.

“على وجهه من جواها”: على وجه هذا القمر من حزن هذه المرآة أثر.

“وللروض زهر به طائح”: الزهر طائح، أي: يسقط في الروض أو في الحدائق، “تقلب” هذا الزهر “في الأرض كالمحتضَر”: كالميت.

ونادى المنادي بركب الطيور

*هيَّا فقد حان وقت السفر

الطيور ترحل في وقتِ قدوم الشتاء، ومظاهر الربيع التي كانت تزول.

فهذا يحوم على وكْرِه

*وهذا يصيح ولمَّا يطِر

ألا ما لهذا الضحى كاسفًا

*كأن الأصيل عليه انتشر

يبدو الضحى كأنه وقت الغروب الحياة وهي تستقبل الشتاء وتودع الربيع؛ كأن الحياة تنسحب والموت يأتي على كل شيء.

وما للرياح بأعلى الشجر

*تعِجُّ كموج خضمٍّ زخِر

الرياح يعلو صوتُها وتكون عنيفة غير هادئة؛ ثم يقول العقاد:

تنام العيون ويعلو لها

*نشيج إذا الليل أغضَى ظهر

“إذا الليل أغضى” ظهر النشيج وعلا.

“تحطم أعوادها العارياتُ”: الأشجار العاريات تحطم أعوادها وأغصانها بسبب عنف الرياح، “تحطيم ذي جِنَّةٍ منذعر”: وانظر إلى هذا التشبيه تشبيه تحطيم الأشجار غصونها بتحطيم المجنون.

فيا ويل مَن بات في ليلةٍ

*يجاوِبُها بالبُكا والسهر

ثم يقول عن هذه الملاحظات وتلك الشواهد:

شواهد تنبئُ أن الزمان

*يُبلِي النبات ويُبلِي البشر

الزمان يبلي كل شيء.

تُنادي بأن الربيع اندثر

*وأن الشتاء غَدَا بالأثر

فيا منظرًا مُونِقًا للرياض

*تأنَّق فيه الربيعُ العطِر

لقد أنكرتك عيونُ الشتاء

*ويا حُسنَ ما أنكرت من صُوَر

هذا الإنكار الذي يبدو في الطبيعة من الشتاء للربيع يشبهه العقاد بإنكار الشيخ لمجلسٍ تداعَى إليه الشباب وكانوا فيه يتسامرون؛ فالشتاء يشبه الرجل الكبير الشيخ، والربيع يشبه الشباب، يقول العقاد -الخطاب هنا للربيع:

لقد أنكرتك عيونُ الشتاء

*ويا حُسنَ ما أنكرت من صُوَر

كما أنْكَر الشيخ من مجلسٍ

*تداعَى الشبابُ به للسَّمر

ثم يلخص العقاد مضمون هذه التجربة التأملية في الفرق بين الشتاء والربيع؛ فيقول:

وكل أوانٍ له شارة

*وما شارةُ الدهرِ إلا الغِيَر

كل وقت له علامة، وعلامة الدهر عمومًا التغير، وعدم الثبات على حال؛ فالدهر تأتي فيه الفصول الأربعة: الصيف، والربيع، والخريف، والشتاء.

إذن هذه قصيدة أو تجربة شعرية في موضوعها، وفي تصويرها، وفي وحدتها، تختلف عن المعهود الكثير في شعر الشعراء المحافظين.

error: النص محمي !!