Top
Image Alt

الدراسة العلمية للغة، وأهميتها

  /  الدراسة العلمية للغة، وأهميتها

الدراسة العلمية للغة، وأهميتها

يطلق العلم اصطلاحًا: على كل بحث موضوعه دراسة طائفة معينة من الظواهر؛ لبيان حقيقتها، وعناصرها، ونشأتها، وتطورها، ووظائفها، والعلاقات التي تربط بعضها ببعض، والتي تربطها بغيرها، وكشف القوانين الخاصة بها في مختلف نواحيها، والدراسة العلمية للغة تعني: علم اللغة، فعلم اللغة، ما هو إلا الدراسة العلمية للغة، فاللغوي يكون علميًّا عندما يحاول دراسة اللغة بالطريقة التي يدرس بها العالم الطبيعة، أو الكيمياء، أي: على نحو نظامي، وبدون أحكام مسبقة قدر الإمكان، وهو ما يعني: ملاحظة اللغة، وصياغة الفرضيات عنها، واختبار هذه الفرضيات، ثم صقلها على أساس من الشواهد المجموعة.

ونقصد باللغة هنا: اللغة بمعناها الإنساني العام، بوصف كونها ظاهرة إنسانية مشتركة، وسلوكًا بشريًّا عامًّا، يؤدي وظيفته في كل مجتمع مهما اختلفت صوره وأشكاله، فالعربية وحدها لا تكون موضوعًا لدراسة علم اللغة إلا بوصف كونها إحدى الجزئيات التي ندرسها؛ لنصل عن طريقها إلى المعرفة الكلية للغة الإنسانية، وكذا الحال بالنسبة إلى الإنجليزية، أو الفرنسية، أو الألمانية، أو أية لغة من لغات بني آدم في هذه الأرض التي نحيا عليها، وبهذا المعنى وحده يمكن أن تعد دراسة أية لغة فردية، من موضوعات علم اللغة العام، والدراسة العلمية للغة بهذا المفهوم تتصف بصفتين؛ العمومية، والموضوعية، ونعني بالعمومية: النظرة العامة الشاملة التي تؤدي إلى النتائج المطردة، ونعني بالموضوعية: النظرة النافذة المجردة من كل هوًى أو فكر مسبق، والتي ليس هدفها إلا الكشف عن الحقيقة.   

وقد وصف العالم السويسري “دوسو سير” المتوفى: سنة (ثلاثة عشر وتسعمائة وألف) من الميلاد، علم اللغة مدركًا صفتيه السابقتين بأنه يدرس اللغة في ذاتها ومن أجل ذاتها، والمصطلح الذي وضعته اللغة الإنجليزية لهذا العلم، أو للدراسة العلمية للغة، هو: “لانجوستكس”، ويوصف أحيانًا بالعمومية، فيقال: “جنرال لانجوستكس”.

وقد ترجمه الباحثون العرب بعدة ترجمات تدل على الاضطراب، منها: علم اللغة، واللغويات، وعلم اللسان، واللسانيات، والألسنية إلى غير ذلك، ولكن ترجمته الأولى –وهي: علم اللغة- هي الأكثر شيوعًا، وفضَّل بعض الباحثين الترجمة الثانية؛ هروبًا من اتساع كلمة: لغة، في العربية؛ لتشمل إلى جانب المعنى الواسع -الذي عرفته في علم اللغة- معانٍ أخرى كاللهجة، ومتن اللغة أو مفرداتها، ودراسة اللغة دراسة علمية، تقتضي تحديد ظواهرها التي يعنى بها علم اللغة، فما تلك الظواهر اللغوية التي يتخذها علم اللغة موضوعًا له؟

إن اللغة تتكون من مجموعة من النظم المتعددة التي تؤدي وظائفها معًا في تعاون تام، وأساس هذه النظم الأصوات، ثم تتألف الأصوات في كلمات، ثم تأتلف الكلمات في جمل وعبارات، ثم تتناغم هذه النظم الثلاثة؛ لتؤدي دورها الدلالي، ومعنى هذا: أن النظم الصوتية، والصرفية، والنحوية المسماة أحيانًا: بالتركيبية، أو الأسلوبية، وكذا النظام الدلالي، من صميم موضوع الدراسة العلمية للغة، كما يدخل فيها أيضًا: البحث عن الأصول التي جاءت منها الكلمات في لغة ما، سواء كانت تلك الكلمات أسماء لأمكنة، أو أعلامًا لأشخاص، أو قبائل، وعشائر، وجبالًا، وأنهارًا، وأمصارًا، وهذه الدراسة وإن كانت جزئية على مستوى لغة ما، فإنها تساعد على الوقوف على تطور الأصوات والدلالات، وعلى كشف القوانين الخاضع لها هذا التطور، كما يدخل في موضوع علم اللغة أيضًا: البحوث المتعلقة بأصل اللغة الإنسانية ونشأتها، شريطة أن تكون دراسة هذه الأمور نابعة من ذات اللغة وواقعها، بعيدة عن الفروض والخيالات والفلسفات.

كما يدخل في موضوعه أيضًا: البحوث المتعلقة بحياة اللغة، وتطورها، وانتشارها، وسعتها، وضيقها، وصراعها، وبقائها، ومماتها إلى غير ذلك.

كما يدخل في موضوعه أيضًا: الكشف عما يؤثر في القضايا الصوتية، والصرفية، والنحوية، والدلالية، وغيرها من الظواهر اللغوية السالفة الذكر؛ من عوامل اجتماعية أو نفسية، ويفيد من أجل هذا بمعطيات علم الاجتماع اللغوي، وعلم النفس اللغوي.

أما موضوع تعلم المرء اللغة نطقًا، أو كتابة وغيره، من الدراسات التعليمية كالنحو التعليمي، والصرف التعليمي، وغير ذلك فقد اختلف علماء اللغة في هذا؛ فبعضهم يدخله في موضوع علم اللغة.

وبعضهم لا يدخله، لكن المؤكد أن الدراسات القائمة على التعصب والهوى، وفرض مبادئ معينة لا تدخل في الدراسة العلمية للغة، ولا يتقبلها علم اللغة؛ بل لا يتقبلها العلم عمومًا، وعلم اللغة خاصة.

وباختصار: أن كل ما يتصل بالنظرة الجزئية، أو يكون له هدف غير خدمة اللغة ذاتها، يعد خارجًا عن موضوع علم اللغة، ويدرس بعيدًا عن دائرته؛ بل يمد له علم اللغة يد العون، كما هو شأنه مع كل العلوم التي تتصل باللغة على النحو الذي سيتضح -إن شاء الله.

error: النص محمي !!