Top
Image Alt

الدرس اللغوي علم لا فن

  /  الدرس اللغوي علم لا فن

الدرس اللغوي علم لا فن

هل الدروس اللغوية تدخل في نطاق العلوم أو الفنون؟

الدرسُ اللغويُّ علمٌ لا فنٌّ، فالعلم -كما قلت- يُطلق اصطلاحًا على كل بحث موضوعه دراسة طائفة معينة من الظواهر؛ لبيان حقيقتها وعناصرها ونشأتها وتطورها ووظائفها، والعلاقات التي تربطها بعضها ببعض، والتي تربطها بغيرها، وكشف القوانين الخاضعة لها في مختلف نواحيها، هذا هو مفهوم العلم.

فما مفهوم الفن؟

الفن يطلق اصطلاحًا -كما يقول الدكتور علي عبد الواحد وافي في كتابه (علم اللغة)- على كل بحث موضوعه بيان الوسائل التي ينبغي الالتجاء إليها للوصول إلى طائفة معينة من الغايات العملية، وقد ضرب مثالًا يوضح من خلاله الفارق بين العلم والفن. فالبحث في جسم الإنسان مثلًا يختلف الحكم عليه باختلاف ما يرمي إليه من أغراض، فإن كان الغرض منه شرح أعضائه وأجهزته، وبيان العناصر التي تتألف منها ومعرفة الوظائف التي تقوم بها، والوقوف على تطورها ونموها، وتوضيح العلاقات التي تربطها بعضها ببعض، والتي تربطها بغيرها، وكشف القوانين التي تخضع لها في تكونها ونشوئها وتطورها وأدائها لوظائفها، إن كان الغرض منه كل هذا، صدَقَ عليه أنه علمٌ. وإن كان الغرض من البحث في جسم الإنسان بيان الوسائل التي ينبغي الالتجاء إليها لشفاء الجسم مثلًا مما عسى أن ينتابه من مرض واختلال؛ صدق عليه أنه فنٌّ.

فأهم فارق بين العلوم والفنون:

 أن العلوم نظرية وصفية تحليلية؛ ترمي إلى شرح ما هو كائن، أما الفنون فهي عملية تطبيقية يهمها بيان ما ينبغي أن يكون.

ما الموقف من علم اللغة: هل يدخل في دائرة الفنون أم العلوم؟

إن بحوث علم اللغة وموضوعاته تدخل في طائفة العلوم؛ لأنها ترمي من وراء دراستها للظواهر اللغوية إلى أغراض وصفية تحليلية ترجع إلى الوقوف على حقيقتها والعناصر التي تتألف منها، والوظائف التي تؤديها، والعلاقات التي تربطها بعضها ببعض، والتي تربطها بما عداها، وأساليب تطورها، والقوانين التي تخضع لها في مختلف نواحيها؛ أي: أن البحوث اللغوية بصفة عامة تدرس الظواهر اللغوية لشرح ما هو كائن، لا لبيان ما ينبغي أن يكون، وكل بحث هذا شأنه يسمَّى علمًا.

في أي فصيلة من فصائل العلوم يدخل علم اللغة؟

إن العلوم متعددة:

منها ما هو رياضي؛ وأعني بالعلوم الرياضية: العلومَ التي تدرس خواص الكم، كالحساب والجبر والهندسة… وما إليها.

ومنها ما هو طبيعي؛ وأعني بالعلوم الطبيعية: العلوم التي تدرس ظواهر الكون، سماوية كانت أو أرضية، عضوية كانت أو غير عضوية، كـ: الفلك، والجيولوجيا، والجغرافيا الطبيعية، وعلم الحيوان، وعلم النبات، والطبيعة، والكيمياء… إلى آخره.

ومنها ما هو إنساني؛ وأعني بالعلوم الإنسانية: العلوم التي تبحث في الإنسان أو في المجتمع الإنساني. ولذلك تنقسم هذه العلوم الإنسانية إلى قسمين:

القسم الأول:علوم إنسانية فردية.

القسم الثاني: علوم إنسانية اجتماعية.

ونعني بالعلوم الإنسانية الفردية: العلوم التي تدرس الإنسان من حيث أنه فرد، كالإنثربولوجيا، أي: علم الإنسان، والفسيولوجيا الإنسانية، أي: علم الوظائف الأعضاء الإنسانية، والسيكولوجيا؛ أي: علم النفس.

وأعني بالعلوم الإنسانية الاجتماعية: العلوم التي تدرس الإنسان من حيث إنه عضو في المجتمع، أي: تدرس العلاقات التي تتكون بين أفراد يضمهم مجتمع، ولتعدد هذه العلاقات تتعدد العلوم؛ فمنها ما يدرس العلاقات الإنسانية، ومنها ما يدرس النظم القضائية، ومنها ما يدرس النظم الدينية، ومنها ما يدرس النظم الاقتصادية،… وهكذا.

في أي صِنف من هذه الأصناف يدخل علم اللغة؟

إن علم اللغة يدخل في طائفة العلوم الاجتماعية؛ أي: يدخل في العلوم الإنسانية الاجتماعية؛ وذلك لأن موضوع العلوم الاجتماعية -كما قلت-: هو دراسة العلاقات التي تتكون بين أفراد يضمهم مجتمع، والظواهر اللغوية التي تدرسها بحوث علم اللغة ما هي إلا شعبة من شعب هذه العلاقات، فالنظم التي يسير عليها أفراد أمة ما في تفاهمهم والتعبير عما يجول بخواطرهم، لا تختلف في هذه الناحية عن النظم الاقتصادية التي يسيرون عليها في مبادلاتهم، ولا تختلف عن النظم الدينية التي يتبعونها في عباداتهم وعقائدهم وفهمهم للكون، ولا تختلف عن النظم الخُلقية التي يأخذون بها في تمييزهم بين الخير والشر، والفضيلة والرذيلة، ولا تختلف في هذه الناحية عن النظم العائلية التي يخضعون لها في الزواج والطلاق والتوريث وتحديد درجة القرابة، ولا تختلف عن النظم السياسية التي يحتذونها فيما يتعلق بشكل الحكومة ونظام الحكم، ولا تختلف عن النظم القضائية التي يطبقونها في الجرائم والعقوبات والمسئولية والعقود، والالتزامات.

إذًا، علم اللغة علمٌ وليس فنًّا، ويدخل في العلوم الإنسانية الاجتماعية، ولا يدخل في العلوم الرياضية أو الطبيعية.

error: النص محمي !!