Top
Image Alt

الدعوة في العهد الأموي: من خلافة معاوية رضي الله عنه إلى مروان بن الحكم

  /  الدعوة في العهد الأموي: من خلافة معاوية رضي الله عنه إلى مروان بن الحكم

الدعوة في العهد الأموي: من خلافة معاوية رضي الله عنه إلى مروان بن الحكم

أولًا: الدعوة الإسلامية في عهد معاوية رضي الله عنه:

أسباب تغير الحال عما كان عليه في زمن الراشدين:

أولًا: تغيرت رقعة العالم الإسلامي نتيجة الفتوح الكثيرة.

ثانيًا: كذلك تغير مركز الثقل في اقتصاد الدولة.

ثالثًا: ما انتقل إليه الناس من حياة توسعوا فيها، فانتقل الناس من حياة الزهد والتقشف إلى حياة فيها كثير من التوسع والترف، وهذا كان لا يتفق مع صفة الحكم واتجاهه.

رابعًا: فقد ظهرت طبقة الأعراب والمرتدين التي كانت منزوية عن المشاركة في شئون ذلك المجتمع الأول؛ حيث كان لوجود الخليفتين الراشدين أبي بكر وعمر ذلك الأثر العظيم في أحوال المجتمع.

خامسًا: وأيضًا وقع تغير أكبر ذلك، أن جيلًا جديدًا من الناس ظهر، وأخذ يحتل مكانه في المجتمع وهو غير جيل الصحابة، جيل التابعين.

من كل ذلك تكونت عقلية جديدة، ومفهوم جديد للحياة، مشاركات جديدة، ونفسيات، وممارسات ابتعدت شيئًا قليلًا عمَّا كان سائدًا في عصر الخليفتين الراشدين أبي بكر وعمر.

هذه ملامح وأسبابٌ أدت إلى أن يتغير الحال عما كان عليه في زمن الراشدين، وخَوَّل هذا الاتجاه الجديد أن يستلم هذا الحكم رجل من رجال أسرة كانت في الجاهلية مقاربة في عقليتها ومفهومها للصفة التي كان يتطلبها ذلك المجتمع الجديد، فكان معاوية رضي الله عنه هو الذي يمثل طليعة هذا الحكم الذي ابتدئ في بلاد الشام، واتخذ من دمشق عاصمة له ومركزًا لولايته.

وانتقال الخلافة إلى الأمويين لم يقضِ على كل المشاكل، فإن روح الخلافة الراشدة استمرت في شكلها الحقيقي متصديةً معارضةً، أيضًا استمر الخوارج في شكل مبالغ فيه بالغ التطرف، مسارعةً ومقاتلةً، ووقف العراق والحجاز يتحسران على ضياع الحكم منهما، فيحاولان إعادته، وتصدَّى العَلويون لبني أمية؛ لأنهم استخلصوا الحكم من أيديهم، وأحدثت آراءُ ابن سبأ -عليه من الله ما يستحق- هذا الأثر هنا وهناك، فوجدت مشاكل كثيرة للأمويين.

نظام الحكم في عهد معاوية رضي الله عنه وسياسته للرعية: 

استلم معاوية رضي الله عنه حَبْلَ الجماعة وهو منعقد في حين أن عليًّا رضي الله عنه قد استلمه وهو منفرط، وهذا الظرف كان في مصلحة معاوية؛ لأن الحسن بن علي رضي الله عنه آثَرَ أن يجمع كلمة المسلمين، وأن يجنبهم الشقاق والفتنة وسفك الدماء، كما رأى في آخر عهد والده علي رضي الله عنه.

ثم إن معاوية رضي الله عنه كان صاحب نفسية وعقلية تناسب ذلك الزمان، فهو رجل ذلك العصر، كان كفئًا بالإدارة؛ إذ عناها عشرين عامًا قبل أن يصبح خليفة، فأحسنها وعرفها، ثم كان كفئًا بالحرب، فحارب الروم فغلبهم في مواقع كثيرة، وحارب عليًّا فغلبه تارة، وغلبه علي أخرى. وهو عارف بالرجال، يفهم نفسيتهم وأطوارهم، وهو بعيد النظر كل البعد، فهو لا يدرس مسائل الساعة وحدها، بل يرى من خلالها خطوط المستقبل، وعليها يرسم خطته التي يضعها موضع التنفيذ.

بهذه الصفات قابل معاوية رضي الله عنه المشاكل التي اعترضته، مع ما تحلَّى به من معاني السيادة والعظمة، والهيبة، والفصاحة، والقوة في المعنى والمبنى والفكر، فلا يدع إنسانًا يسبقه في بلاغته إلا متغاضيًا عنه أو متواضعًا أو متساهلًا، وسياسته عملية فهو يعرف كيف يدير الأمور، وكيف يصلح شأن الرعية.

الدعوة في عهد معاوية رضي الله عنه:

وخلافة معاوية تتسم بما اتسمت به الخلافة الراشدة من الناحية الدينية، فهو لم يتوانى رضي الله عنه في عصره يومًا في نشر الإسلام، فاتخذ الجهاد له ديدنًا، وكان للإسلام في عصره تلك السيطرة وتلك الهيبة على العالم، وغاية الحكم عند معاوية رضي الله عنه هو رفْع مستوى الأمة بإجمالها، لا تحقيق العدالة الفردية فحسب، وهو رضي الله عنه ينظر إلى مصلحة الدولة عامةً، وينظر إلى تفاصيل الأحكام الفقهية على حد سواء، وينظر في المصالح العامة كما ينظر في مصلحة الأفراد على وجه الخصوص.

وإن وُجد شيءٌ من الضعف أو النقص، فإن ذلك كان في القصور لا في حياة الناس عامة.

كان رضي الله عنه يسير في البلاد المفتوحة سيرًا حسنًا، فكان إذا دخل بلدًا وطَّدَ الصلات والعَلاقات بسكانها الأصليين، وقد رأينا ذلك في الشام، فإنه استند بصفة خاصة من بين القبائل إلى بني كلب من اليمن الذين سكنوا بلاد الشام، فأحاطهم به، وعدوه صهرًا لهم، فتزوج منهم، وكان يحسن إلى قيس من العَدنانية، إلا أن جُلَّ اعتماده كان على كلب من اليمانية. وأما السكان الأصليون فكان يرعاهم ويعاملهم بالإحسان؛ حتى ظن بعض الناس أن سياسته كانت تتضمن تقريبًا للنصارى، لكن الواقع أن معاوية ينظر إلى النصارى كأشخاص يدافع عنهم، ويضعهم تحت ذمته، لكنه لا يطأطئ الرأس لهم، بل لا يعتبرهم مساوين له، هنا يُظهر العزة الإسلامية، فهو يفتخر بالإسلام أمامهم. أما الإسلام فهو يرى أن يخدمه بالفتوح، فَهُم في جهاد من بلد إلى بلد ومن ثغر إلى ثغر، وهو في الفتوح رضي الله عنه قائد كبير، له فيه يد طُولَى، فقد كان من سياسته وهو والٍ في الشام أن يسير الفتوح هنا وهناك، وأن ينشر الإسلام ويوسع رقعته، واستمر على ذلك بعد أن أصبح خليفة.

والجهة التي كان معاوية يوليها العناية الخاصة هي جبهة الروم. ثم إننا رأينا معاوية رضي الله عنه ينظم الدولة تنظيمًا عظيمًا، ويرسي قواعدها إرساءً بالغًا وبليغًا، فنرى أنه نظم الدواوين، فقد أصبح لها أصحاب، وأصبح لها أختام. وأهم من ذلك كله أنه وضع نظام ولاية العهد، وفيها تفاصيل كثيرة نرى إرجاء الكلام عنها إلى وقت أوسع، وإلى فرصة أطول.

ثانيًا: الدعوة الإسلامية بعد معاوية وإلى عهد مروان بن الحكم:

عمل معاوية خلال حكمه على أن يغلِّبَ وجهة النظر العملية في سياسته، وأن يوطد قواعد تلك السياسة العملية، وأن يمنع الخلاف، لكنه لم يستطع أن يستبعد نهائيَّا هذه الاتجاهات الثلاثة الأخرى بما فيها اتجاه الأعراب، وأولئك الخوارج الذين كانوا يناوئون الدولة والسلطة، وما دام هو على رأس الحكم فلم يكن من خطر في ظهور الصراع بين الاتجاهات المختلفة، على أنه كان يتحسس ذلك الصراع، ويشعر بأنه سوف يظهر بعد وفاته، وكان عليه أن يهيئ الفرصة لمنع حدوثه، فماذا يفعل؟

لقد أوجد معاوية أسلوبًا في استمرار السياسة العملية، وهذا الأسلوب استمده من وضعه وميوله، وعاطفته، وتمثيله لقطر معين هو بلاد الشام، أوجد معاوية نظامَ الوراثة في الخلافة، واعتقد أن هذا النظام سوف يحل المشاكل التي ستقع في العهود التي تأتي من بعده، ولعله تخيل أنه لو ترك الأمر لحين وفاته دون ولي للعهد، لظهر الخصام حالًا، ولتنافر المسلمون وتقاتلوا، فيجب عليه إذن أن يعهد بولاية العهد لشخص معين، وقيل: إن الذي أوحى إليه بهذه الفكرة هو المغيرة بن شعبة رضي الله عنه.

خلافة يزيد:

ولما مات معاوية بايع الناس يزيد بالخلافة، وقعد عن بيعته الحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، فكتب يزيد إلى واليه على المدينة ليأخذ له البيعة من هؤلاء النفر، فبايعه عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر، أما عبد الله بن الزبير فإنه هرب إلى مكة، واستعاذ بالبيت، وأخذ يعمل على الدعوة لنفسه، ولكن وجود الحسين في طريقه كان يجعل نجاح دعوته شيئًا صعبًا وأمرًا شديدًا.

مقتل الحسين:

والحق أن ولاية يزيد على شئون المسلمين شهدت حوادث ثلاثة يندَى لها الجبين، وهي مقتل الحسين، ووقعة الحَرة، وضرب الكعبة، كل من هذه الحوادث يكفي أن يضع يزيد موضع التهمة.

وعلى كل حال لا يبعد أن يكون المسئول الأول عن قتل الحسين هو ذلك الرجل المسمى بشمر، والثاني عبيد الله بن زياد، عليهما من الله ما يستحقان.

وقعة الحرة:

الحادثة الثانية المؤسفة في عهد يزيد، هي وقعة الحرة، وهذه الوقعة كان سببها أن الناس أقبلوا على ابن الزبير يقولون: أما وقد هلك الحسين، فليس في الناس أحق بالخلافة منك، وصاروا يبايعونه سرًّا، ويدعي هو أنه لائذ بالكعبة.

انتهى الأمر بأن وقعت مقتلة عظيمة في وقعة يقال لها: الحَرة، أوقع فيها مسلم بن عقبة بأهل المدينة، وكان عدد القتلى من الأنصار ومن القرشيين الذين هم أبناء المهاجرين يربو على ثلاثمائة قتيل، وجعل مسلم بن عقبة يجمع وجوه الذين وقفوا في هذه الفتنة، فخيرهم بين أن يكونوا عبيدًا ليزيد يحكم فيهم بأمره، وبين أن يفعل فيهم الأفاعيل، فأبوا أن يدخلوا في حكم يزيد، فقتلهم جميعًا.

ثم انتهى الأمر إلى ابن الزبير، وقد بلغه عام أربع وستين موت يزيد بن معاوية، فأخبر قومه بذلك وجيش الشام، وفيهم الحصين الذي تولى بعد مسلم بن عقبة -أي: بعد وفاته- فدعاه الحصين إلى أن يذهب معهم إلى الشام، وأن يحقن الدماء، لكن ابن الزبير تثاقل عن الذهاب إلى الشام.

المهم أن ابن الزبير أيضًا واجهته فتنة عمياء بكماء كانت في عهد ذلك الطاغية المسمى بالحجاج، وهذا الذي أنهى الصراع أو أنهى الحرب التي كانت بين عبد الله بن الزبير وبين الأمويين، كما سيظهر.

ضرب الكعبة:

انتهى الصراع بين الشام وبين معارضيه؛ إذ تغلب أهل الشام على الحجاز نهائيًّا في عصر عبد الملك، ومعلوم أنه أرسل الحجاج بن يوسف إلى عبد الله بن الزبير، فنصب منجنيقه على الكعبة، ورماها بالحجارة حتى هدم أجزاءً منها، وقاتل عبد الله بن الزبير قتالًا شديدًا، وانتهى الأمر بمقتله رضي الله عنه في قصة دامية شديدة الحلقات، عظيمة الوقع على قلوب المسلمين.

الدعوة الإسلامية في عهد عبد الملك بن مروان وابنيه: الوليد، وسليمان:

تغلب أهل الشام على الحجاز نهائيًّا كما بدا أن الشام تغلب أيضًا على أهل العراق، وقد بايع العراق للخليفة الأموي، غير أن الواقع أن العراق لم يخضع نهائيًّا للدولة الأموية.

وقد حارب الحجاج ابن الأشعث حربًا طويلة انتهت بانتصار الحجاج، وكان العراق بحاجة كبيرة إلى ذلك التنظيم بعد القلاقل التي انتابته عشرين عامًا، وضَعَ الحجاج أنظمة للعراق، لكنها كانت ذات أثر كبير في بلاد الشام نفسها وفي سائر الأقطار الإسلامية، فعمله من هذه الجهة عمل مهم في توطيد أركان الدولة الأموية. من ذلك أنه منع قيام ثورات جديدة في العراق، وعمل على تنمية موارد الدولة بعد أن تنقصت بسبب الفتن، وأعاد إلى سيرة الأمويين تلك الفتوح ونشر الإسلام بعد أن توقفت الفتوح بسبب الفتن أمدًا طويلًا.

ثم إنه رأى أن الجزية تناقصت، فأقبل على عدد كبير من الموالي على الإسلام، وقد دخلوا فيه وهو يعتبرهم أعداءً له، فأول دخولهم في الإسلام بأنهم يريدون الهرب من الجزية، فألزم الداخلين مجددًا في الإسلام بدفع الجزية، فاضطروا إلى دفعها وهي في الأصل كما هو معلوم موضوعة على المشركين دون غيرهم.

وأما مسألة إعادة الفتوح؛ فقد كانت الفتوح توقفت للشغب الذي حصل، والاختلاف الذي وقع بعد الانتهاء من تسوية الأمور عني الحجاج بالفتوح، كان له في ذلك السهم الكبير والقدح المعلى، ومن أول ذلك أنه أحسن انتخاب رجلين من كِبار القواد هما من حسنات الحجاج، محمد بن القاسم الثقفي، وقتيبة بن مسلم الباهلي، فتح الأول بلاد السند، وبلغ أماكن كثيرة في بلاد الهند، وفتح الثاني ما وراء النهر، فبلغ بعيدًا في شرق آسيا، وكاد يصل إلى الصين.

اعتنى عبد الملك بن مروان بدواوين الدولة، وبالنقد، وبالولاة، وبالبريد، وظهر ذلك في تنظيماته للحكم الأموي.

واعتنى عبد الملك بتعريب أسماء الأماكن، والأراضي، وأسماء الأفراد، وتعريب الأرقام، وتعريب ما يدخل في جمعها وتقسيمها، وإيجاد عدد من الكتاب يتقنون العربية والأجنبية؛ ليقوموا على هذا التعريب.

ثم بعد عصر عبد الملك بن مروان تولى ابنه الوليد، وعَهْد الوليد كان عهدًا انتشر فيه كثير من الخلاف أيضًا، لكن الوليد كانت له السياسة نحو الخصوم، فقد كان يتنازع الوليد أيضًا في سياسته عاملان أيضًا؛ سياسة الحجاج العنيفة التي تريد قهر الخصوم وإذلالهم، وسياسة عمر بن عبد العزيز التي كانت تريد ائتلاف الناس، وتألف قلوبهم بالعدل والسيرة الحسنة.

وأما سياسة الحجاج العنيفة فإنها كانت -والعياذ بالله- ما تزال مستمرة، عمر بن عبد العزيز كان يجتمع بالخليفة الوليد ويهدئ من جبروته، والحجاج من جهة يشعل من نيران هذه القوة وذلك البطش المستبد.

من حسن حظ عمر أن الحجاج وقف ضد سليمان بن عبد الملك في عهد الوليد، وكان سليمان وليًّا للعهد، فَحَضَّ الحجاجُ الوليدَ على خلعه، وعلى تولية ابنه مكانه، فحفظها سليمان على الحجاج، فلما مات الوليد قبل أن تُنزع الولاية من سليمان، أفضت الخلافة إلى سليمان ونفسه مضطرمة على الحجاج، فوجد عمر بن عبد العزيز سندًا له في مخالفته لسياسة الحجاج، وزاد حقد سليمان على الحجاج أن يزيد بن المهلب -وكان واليًا للحجاج على خراسان- على خلاف مع الحجاج؛ إذ عزله هذا عن ولايته وتتبعه، فلجأ يزيد إلى سليمان، وأثاره أكثر فأكثر على الحجاج، فاضطرم الخلاف بين الاثنين.

لكن الحجاج -على كل حال- توفي قبل أن يتولى سليمان، وكان يدعو الله بذلك، فاستجاب الله -تعالى- دعاءه. 

بهذا رأينا أن سليمان قرَّب عمر بن عبد العزيز، وقواه فيما هو فيه من الخير، ثم إنه عهد بالخلافة إليه، فكان هذا العهد من أعظم حسنات سليمان بن عبد الملك.

لكن كان -كما قدمنا- عصر سليمان عصرًا اهتم فيه بالفتوح الإسلامية، وأراد أن يتقدم على الوليد في هذا الباب، ويبقى أن أعظم أعماله -كما قدمنا- هو عهده إلى عمر بن عبد العزيز بالخلافة من بعده. وقبل أن نغادر هذا العهد، فإن علينا أن نذكر فتح القسطنطينية، فإنه حاول مرة أخرى أن يحققه، وعزم أن يدخل هذا البلد فاتحًا، وانتهت الحملة بالإخفاق.

error: النص محمي !!