Top
Image Alt

الدليل على مشروعية العرية

  /  الدليل على مشروعية العرية

الدليل على مشروعية العرية

الواقع أن النبي صلى الله عليه  وسلم في البداية ((نهى عن بيع التمر بالتمر))، وسأل هل إذا جف الرطب ينقص؛ فلما أُخبر بأنه ينقص منع ذلك، ثم استثنى العرايا، فعن ابن عمر رضي الله  عنهما قال: ((نهي رسول الله صلى الله عليه  وسلم عن المزابنة: أن يبيع الرجل تمر حائطه إن كان نخلًا بثمر كيل، وإن كان كرمًا -أي: عنبًا- أن يبيعه بزبيب كيلًا، وإن كان زرعًا أن يبيعه بكيل طعام، نهى عن ذلك كله))، هذا الحديث متفق عليه، من مصطلح ابن تيمية الجد -رحمه الله.

المزابنة: أن يبيع الرجلُ شيئًا من البلح بشيء من البلح، لكن يبيع الرجل الثمر بالتمر كيلًا، ونهى أن يبيع الإنسان العنب بالزبيب كيلًا، وأن يبيع أيضًا طعامًا، يعني: بيع القمح في سنابله بقمح آخر كيلًا، ولمسلم في رواية: ((وعن كل ثمر بخرصه))، يعني: بالتخمين.

وعن سعد بن أبي وقاص، قال: ((سمعت النبي صلى الله عليه  وسلم يسأل عن اشتراء التمر بالرطب، فقال لمن حوله: أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا: نعم؛ فنهى عن ذلك))، رواه الخمسة وصححه الترمذي، وهذا هو الأصل.

ومن الأئمة -كالإمام أبي حنيفة- من تمسك بهذا الأصل، لكن صح أيضًا: ((أن النبي صلى الله عليه  وسلم استثنى العرايا أو العرية))، يعني: خصها بحكمٍ مخالف لهذا العموم.

فعن رافع بن خديج، وسهل بن أبي حثمة: ((أن النبي صلى الله عليه  وسلم نهى عن المزابنة بيع الثمر بالتمر -ثمر يعني الرطب- إلا أصحاب العرايا؛ فإنه قد أذن لهم))، رواه أحمد، والبخاري، والترمذي، وزاد فيه: ((وعن بيع العنب بالزبيب، وعن كل ثمر بخرصه))، وهذا حديث صحيح.

ويشهد أن النبي صلى الله عليه  وسلم استثنى من العموم المذكور في الأحاديث السابقة، أصحاب العرايا، ويشهد أيضًا لجواز بيع العرايا، كما ذهب إلى ذلك جمهور الفقهاء، وما روي عن سهل بن حثمة، قال: ((نهى رسول الله صلى الله عليه  وسلم عن بيع الثمر بالتمر، ورخص في العرايا أن يشتري بخرصها، يأكلها أهلها رطبًا))، متفق عليه.

يعني: يأكلونها في هذه الحالة؛ لأنهم في حاجة إلى الرطب، وليس معهم ما يشترون به الرطب إلا ما يملكون من تمر، وفي لفظ: ((عن بيع الثمر بالتمر، قال: ذلك الربا؛ تلك المزابنة، إلا أنه رخص في بيع العرية: النخلة والنخلتين؛ يأخذها أهل البيت بخرصها تمرًا يأكلونها رطبًا))، يعني: استثنى النبي صلى الله عليه  وسلم من النهي العام عن المزابنة، بيع العرية؛ نخلة يأخذها أهل البيت بتقديرها تخمينًا تمرًا يأكلون الرطب في موسم الرطب.

وأيضًا يدل على ذلك حديث جابر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه  وسلم يقول حين أذن لأهل العرايا أن يبيعوها بخرصها يقول: ((الوسق والوسقين، والثلاثة، والأربعة))؛ ولذلك بعض الفقهاء مثل الشافعي يشترطون أن يقل القدر عن خمسة أوسق، وبعضهم أنه ورد في رواية أخرى: أنه وصل إلى الخمسة أوسق، يعني: حوالي خمسين كيلة بالكيل المصري.

وعن زيد بن ثابت: أن النبي صلى الله عليه  وسلم: ((رخص في بيع العرايا أن تباع بخرصها كيلًا))، رواه أحمد والبخاري، وفي لفظ: ((رخص في العرية، يأخذها أهل البيت بخرصها تمرًا -يعني يدفعون الثمن تمرًا- يأكلونها رطبًا))، متفق عليه.

أشهر صور العرية:

العرية أو العرايا لها صور متعددة منها:

الصورة الأولى: أن يهب صاحب الحائط -صاحب البستان- لرجل نخلات، أو ثمر نخلاتٍ معلومة من حائطه، ثم يتضرر بدخوله عليه فيخرصها، يعني: يقدرها، ويشتري رطبها بقدر خرصه بثمر معجل.

ومثال هذه الصورة: أن يهب شخص لشخص آخر ثمر نخلات، يعني: رطب نخلات معلومة من حائطه، ثم يتضرر الواهب بدخوله عليه؛ فيتفق معه: أشتري رطبها بقدر خرصه بثمر معجل، يعني: أعطيه ثمرًا معجلًا الآن، رطب فيعطيه بدلًا منه الآن تفاديًا لأن يدخل، ويخرج عليه، ومعه أولاده.

الصورة الثانية: ومنها أيضًا أن يقول الرجل لصاحب النخل: بعني ثمر نخلات بأعيانها، بخرصها من التمر؛ فيخرصها ويبيعها ويقبض منه الثمر ويسلم له النخلات بالتخلية فينتفع برطبها، هذه صورة بيع، يعني: يأتي شخص لصاحب نخل يقول: بعني ثمر نخلات بالتقدير؛ فيخمن تقديرها، ويبيعها، ويقبض منه، ويسلم له النخلات بالتخلية؛ فينتفع برطبها، ببيعها.

الصورة الثالثة: أن يهبه شخص ثمار رطب لنخل معين، فيتضرر الموهوب له بانتظار صيرورة الرطب تمرًا، ولا يحب أكلها رطبًا؛ لاحتياجه إلى التمر، فيبيع ذلك الرطب بخرصه من الواهب أو من غيره، بتمر يأخذه معجلًا؛ وهذه صورة أيضًا فيها هبة، لكن هذه صورة تختلف عن سابقتيها؛ لأن المتضرر هنا هو الموهوب له، وسبب تضرره أنه لا يريد أن ينتظر إلى أن يصير الرطب تمرًا، ولا يحب أكل الرطب الآن، لأنه يحتاج إلى التمر فيبيع ذلك الرطب، وهو على النخل بتقديره من الواهب أو من غير الواهب، بتمر يأخذه الآن معجلًا.

الصورة رابعة: أن يبيع الرجل ثمر حائطه -يعني الرطب- بعد بدو صلاحه ويستثني البائع منه نخلات معلومة يبقيها لنفسه، أو عياله، وهي التي عفي له عن خرصها في الصدقة وسميت عرايا؛ لأنها أعريت عن أن تخرص في الصدقة؛ فرخص لأهل الحاجة الذين لا نقد لهم، وعندهم فضول من تمر قوتهم أن يبتاعوا بذلك التمر من رطب تلك النخلات بخرصها.

هذه الصورة صورة عجيبة حقًّا: شخص عنده حائط، وبعد أن بدا ينضج الرطب باع الرجل هذا الرطب، لكن استثنى من هذا البيع -هذه النخلات- حتى يأكل منها الرطب وعياله، وهذه النخلات أصلًا عفي له عن خرصها في الصدقة، يعني: عامل الصدقة لما جاء يقدر هذه الثمار، يقدر الزكاة فيها عفا له؛ هذا الذي يخرص النخل -ليأخذ الزكاة- أن يراعي صاحب الحائط؛ فيترك له بعض النخلات ليأكل من رطبها هو وأولاده، وضيوفه… إلخ.

إذًا وهي التي عفي عن خرصها في الصدقة، وسميت عرايا؛ لأنها أعريت، يعني: أفردت عن أن تخرص في الصدقة؛ فرخص لأهل الحاجة الذين لا نقد لهم؛ ولكن عندهم فضول من تمر.

الصورة الخامسة: ومما يطلق عليه اسم العرية: أن يعري الرجل رجلًا ثمر نخلات يبيح له أكلها، والتصرف فيه، وهذه هبة محضة.

الصورة السادسة: أن يعري عامل الصدقة لصاحب الحائط من حائطه نخلات معلومة يخرصها في الصدقة، يقدرها.

وهاتان الصورتان من العرايا لا بيع فيهما، لكن الصور الأربعة الأول، فيها بيع، وقد يكون فيها بيع وهبة، أو هبة وبيع.

ويقول الشوكاني في: (نيل الأوطار): “وجميع هذه الصور صحيحة عند الشافعي والجمهور”، وقصر مالك العرية في البيع على الصورة الأولى، وهي ما ذكرها الشوكاني في ترتيبه الثانية؛ لكن بالنسبة إلى ما ذكرته تعتبر الصورة الأولى.

وقصرها أبو عبيد على الصورة الأخيرة من صور البيع، وأراد به رخص لهم أن يأكلوا الرطب، ولا يشترونه لتجارة، ولا ادخار؛ ولذلك يقول: يأكلونها رطب؛ ولذلك أيضًا في بعض الأحاديث التي ذكرناها حدد المقدار بأنه أقل من خمسة أوسق، وقد تسامح بعضهم لخمسة أوسق، لأنها لو زادت عن ذلك ستدخل في التجارة، وليست للحاجة، أو للأكل منها رطبًا، ولذلك سيأتي أن بعض الفقهاء -كالحنابلة- اشترطوا أن تكون رطبًا أن يأكلوهنا رطبًا، لكن لو انتظر بها حتى تكون تمرًا بطل البيع.

أما الاتجاه الثاني الذي يخالف الجمهور؛ فهو اتجاه أبي حنيفة: فقد منع أبوحنيفة صور البيع كلها، وقصر العرية على الهبة، وهي أن يعري الرجل الرجل ثمر نخلة من نخله، ولا يسلم ذلك له، ثم يبدو له أن يرتجع تلك الهبة؛ فرخص له أن يحتبس ذلك، ويعطي الموهوب له بقدر ما وهبه الواهب له من الرطب بخرصه تمرًا.

والذي حمله على ذلك -يعني: الدافع له إلى أن يقصر العرية على هذه الصورة فقط- هو عموم نهي النبي صلى الله عليه  وسلم عن بيع التمر بالتمر؛ لكن العلماء من الجمهور ردوا على الإمام أبي حنيفة، بأن النبي صلى الله عليه  وسلم الذي نهى عن بيع التمر بالتمر، والذي نهى عن المزابنة، هو نفسه الذي رخص في العرية، وله أن يستثني؛ لأن النبي علم حاجة الناس إلى هذا البيع.

والشريعة الإسلامية عدلٌ كلها، ورحمة كلها، فرأى النبي صلى الله عليه  وسلم أنه لو عمم الحكم ولم يستثنِ منه هذا التصرف الذي نسميه عرية، سيقع كثير من الناس في الحرج خصوصًا المحاويج، ونظير ذلك في السلم، وهو بيع شيء موصوف في الذمة، مع قوله صلى الله عليه  وسلم: ((لا تبع ما ليس عندك))، أي: لا تبع ما ليس عندك ما لم يكن ذلك على سبيل السلم.

ولو كان المراد الهبة ما استثنيت العرية من البيع، فاستثناؤها من البيع يدل على أن النبي صلى الله عليه  وسلم يقصد الهبة، ويقصد أيضًا البيع؛ لأنه صلى الله عليه  وسلم عبَّر بالرخصة، والرخصة لا تكون إلا في شيء ممنوع.  قال راوي الحديث: ((ورخص))، وهذا معناه: أن المستثنى منه في الأصل ممنوع، وهو المزابنة؛ فبيع التمر بالتمر في البيع، وليس في الهبة؛ والمنع إنما كان في البيع لا الهبة.

ورد الجمهور أيضًا على الإمام أبي حنيفة: بأنها قيدت بخمسة أوسق والهبة لا تتقيد؛ لأن النبي قيدها بخمسة أوسق أو بما دون الخمسة أوسق حتى لا تتحول هذه الرخصة إلى متاجرة؛ لأن الهبة: هب ما تشاء، والهبة لا تتقيد لا بأربعة أوسق، ولا بخمسة أوسق.

وفي الواقع: أن هذه ردود قوية، وقد احتج أصحاب أبي حنيفة بمذهبه -كما يقول الشوكاني- بأشياء تدل على أن العرية، العطية ولا حجة في شيء منه؛ لأنه لا يلزم من كون أصل العرية العطية، أن لا تطلق شرعًا على صور أخري؛ لأن الشرع له أن ينقل المعنى من أصل استعماله إلى أصل آخر، أو إلى فروع أخرى؛ فمثلًا الصلاة، هي في الأصل الدعاء، لكن الشرع نقلها، وأجازها في معنى آخر، وكذلك الزكاة، وكذلك ألفاظ كثيرة تصرَّف فيها الشرع.

وبعض الناس قصر جواز العرية على الصورة التي وردت في الحديث، كالإمام ابن حزم، والظاهرية وغيرهم، لكن الصحيح هو أن كل الصور المذكورة، وما يقاس عليها؛ كلها جائزة وصحيحة ما لم يرد فيها نهي صريح.

قال الشوكاني: “الحاصل أن كل صورة من صور العرايا، ورد بها حديث صحيح، أو ثبتت عن أهل الشرع، أو أهل اللغة فهي جائزة؛ لدخولها تحت مطلق الإذن، والتنصيص في بعض الأحاديث على بعض الصور لا ينافي ما ثبت في غيره”، يعني: لا نأخذ مفهوم المخالفة، والنبي صلى الله عليه  وسلم ذكر بعض الصور، وأهل الشرع ذكروا بعض الصور على سبيل المثال، وهذا لا مفهوم له.

ومع ذلك، قال أهل الظاهر: “الأصل التحريم، وبيع العرايا رخصة؛ فلنتوقف عند ما رخص فيه”.

ثم إن الفقهاء اختلفوا في المقدار الذي يسمح فيه ببيع العرايا، فبعضهم ذهب إلى أنه ينبغي أن لا تجوز العرايا إلا فيما دون خمسة أوسق كالشافعية، والحنابلة، وأهل الظاهر؛ لأن الأصل التحريم، وبيع العرايا رخصة، فيؤخذ بما يتحقق فيه الجواز، فيبقى أو يلغى ما وقع فيه الشك.

ولكن مقتضى الاستدلال بهذا الحديث، أنه لا يجوز مجاوزة الأربعة أوسق، مع أنهم يجوزونها إلى دون الخمسة أوسق بمقدار يسير؛ إذن هم متناقضون.

والذي يدل على ما ذهبوا إليه: حديث أبي هريرة الذي ذكرناه بقوله: ((فيما دون الخمسة أوسق، أو في خمسة أوسق))، فكلمة: ((أو))، تدل على الشك من الراوي؛ فهم يأخذون باليقين، وهو ما دون الخمسة أوسق، لكن ذهب بعضهم إلى جواز ذلك في الخمسة أوسق، شريطة ألا يزيد على ذلك حتى لا تتحول هذه المعاملة إلى متاجرة.

فقد ورد في رواية سهل بن أبي حثمة: “أن العريه ثلاثة أوسق أو أربعة أو خمسة”، تدرج هذا يدل على أن ذلك أقصى ما يمكن أن يباح، قال ابن حجر في (الفتح): “ولا حجة لهم في هذا الحديث؛ لأنه موقوف”.

وحكى الماوردي عن ابن المنذر، أنه ذهب إلى تحديد ذلك بالأربعة الأوسق، وتعقبه ابن حجر، بأن هذا لم يوجد في شيء من كتب ابن المنذر.

والصحيح: أنه من المستحب أن يكون فيما دون خمسة أوسق؛ لأن هذا الأقل أمر مؤكد، أما ما زاد ففيه شيء من الشك.

وبعض الفقهاء كالحنابلة نصوا على شروط محددة في جواز بيع العرايا: 

  1. أن تكون فيما دون خمسة أوسق.
  2. أن يبيع الصفقة بخرصها من الثمر، يعني الرطب.
  3. قبض الثمن قبل التفرق.
  4. حاجة المشتري إلى أكل الرطب.
  5. لا يكون مع من يشتري الرطب سوى التمر.

على أي حال؛ هذا هو المقصود ببيع العرية أو بيع العرايا، وأنا أرى أن بيع العرايا أو العراية رخصة استثناها الشرع من الأصول؛ تحقيقًا لحاجة الناس في أكل الرطب، وهم لا يملكون الثمن الذي يدفعونه إلا تمرًا يفيض عندهم، أو حدوث ضرر من الواهب، أو حدوث ضرر للموهوب له، فهذه أمور استثنى الشرع من أجلها جواز بيع العرايا، وجعلها في هذا القدر المحدد، وهو ما دون خمسة أوسق؛ وذلك حتى لا تتحول هذه الرخصة إلى نوع من المعاوضة أو المتاجرة، وحتى تحقق الغرض منها، فنكون على الأصل في عدم المزابنة، إلا إذا كانت هناك حاجة داعية للترخص، لكن لو فتح الباب بدون شروط، وبدون قيود؛ لَولج منه بعض الناس الذين يتخذون من هذه المعاملة تجارة يستغلونها، ويسيئون فيها إلى الأصل الذي من أجله منعت المزابنة، وهو خوف الوقوع في الربا.   

error: النص محمي !!