Top
Image Alt

الدم الذي تراه الحامل، الصفرة والكدرة، وعلامة الطهر، المستحاضة

  /  الدم الذي تراه الحامل، الصفرة والكدرة، وعلامة الطهر، المستحاضة

الدم الذي تراه الحامل، الصفرة والكدرة، وعلامة الطهر، المستحاضة

المسألة الرابعة: الدم الذي تراه المرأة الحامل:

يقول ابن رشد: “اختلف الفقهاء قديمًا وحديثًا هل الدم الذي تراه الحامل هو حيض أم استحاضة؟”

ذهب مالك، والشافعي -في أصحِّ قوليْه- وغيرهما إلى: أنّ الحامل تحيض. أي: قد تحيض؛ لأن العادة أنها لا تحيض، لكنها قد تحيض؛ وبالتالي يكون الدمُ الذي ينزل عليها دم حيض.

ذهب أبو حنيفة، وأحمد، والثوري، وغيرهم إلى: أن الحامل لا تحيض، ومعنى ذلك: أن الدمَ الذي يخرج من رحمها ليس دم حيض، وإنما هو دم فساد وعلّة -أي: مرض، كما نسميه: “النزيف”، أو كما سمّاه الرسول صلى الله عليه وسلم: «عِرْق»-، إلاّ أن يصيبها الطلق -أي: الدم الذي ينزل مصحوبًا بطلْق الولادة-، فإنهم أجمعوا على أنّ الدمَ حينئذ يكون دم نفاس، وأن حُكمه حُكم الحيض؛ لأن النفاس يأخذ أحكام الحيض من حيث النجاسة، ومن حيث ما يجب الامتناع عنه من الصلاة، أو الجماع، أو الطواف، أو الصيام.

متى تنتقل من هذا الدم إلى حُكم الاستحاضة؟

يقول ابن رشد: “عن مالك وأصحابه في هذه المسألة أقوال مضطربة” ويذكر ابن رشد في ذلك عدّة أقوال:

“أحدها: أنّ حُكمها حُكم الحائض نفسها -يعني: تقعد أكثر أيام الحيض، فإذا استوفت أيام الحيض سُميت: “مستحاضة”، أو تضيف عليها -أي: تستظهر على أيامها المعتادة بثلاثة أيام، ما لم يكن مجموع ذلك أكثر من خمسة عشر يومًا-؛ هذه رواية عن مالك.

وفي رواية أخرى: قيل: أنها تقعد حائضًا ضعف أكثر أيام الحيض، أي: تنظر في شهورها السابقة على الحمل كم كانت تحيض من عدد الأيام، فتضاعف ذلك حتى تصل أو تقترب من أكثر أيام الحيض، والتي هي خمسة عشر يومًا. وقيل إنها تُضَعِّفُ أكثر أيام الحيض بعدد الشهور التي مرت لها؛ ففي الشهر الثاني من حملها تضعف أيام أكثر الحيض مرتيْن، وفي الثالث ثلاث مرات، وفي الرابع أربع، وكذلك ما زادت الأشهر. وهذا كلام لا دليل عليه ولا مستند له غير التجربة والخبرة، وهي مختلفة من امرأة إلى أخرى.

ابن قدامة في كتابه (المغني) يزيد هذا الكلام وضوحًا وتفصيلًا؛ حيث يعرض مسألة الخرقي: “والحامل لا تحيض، إلا أن تراه قبل ولادتها بيوميْن أو ثلاثة”، فهو لا يجعل الأمر مقصورًا على اقتران الدم بطلق الولادة، ولكنه يزيد المدة يوميْن أو ثلاثة، فيكون دم نفاس. ثم يشرح ابن قدامة هذا الكلام فيقول: “مذهب أبي عبد الله -رحمه الله- “، أي: الإمام أحمد ابن حنبل: “أن الحامل لا تحيض”. يعني: كما قال الإمام أبو حنيفة والثوري. “وما تراه من الدم فهو دم فساد، وهو قول جمهور التابعين، منهم: سعيد بن المسيب، وعطاء، والحسن، وجابر بن زيد، وعكرمة،، والشعبي، ومكحول، وحماد، والثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة، وابن المنذر، وأبو عبيد، وأبو ثور”.

وكما رأينا ابن رشد لم يذكر من أصحاب هذا الرأي إلا أبا حنيفة، وأحمد، والثوري، وإن كان قد قال: “وغيرهم”. “ورُوي عن عائشة رضي الله عنها هذا المذهب أو هذا القول: أن الحامل لا تحيض، والصحيح عنها: أنها إذا رأت الدم لا تصلّي، أيًّا كان الأمر”.

يستدل ابن قدامة لرأي أحمد بن حنبل وأبي حنيفة ومن معهم ممّن ذكرناهم بقوله: “ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تُستبرَأ بحيضة»، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم وجود الحيض علَمًا أو دليلًا على براءة الرّحم، فدلّ ذلك على أنه لا يجتمع معه”.

واحتج إمامنا -الإمام أحمد بن حنبل- بحديث سالم عن أبيه أنه طلّق امرأته وهي حائض، فسأل عمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «مُرْه فلْيراجِعْها، ثم لِيُطلِّقْها طاهرًا أو حاملًا»، فجعل الحمل علَمًا على عدم الحيض، كما جعل الطهر علَمًا عليه -أي على الحيض-؛ ولأنه زمن لا يعتادها الحيض فيه غالبًا، فلم يكن ما تراه فيه حيضًا، كالآيسة -والآيسة: المرأة العجوز التي انقطع عنها دم الحيض، وتُسمَّى: اليائسة والآيسة؛ قال تعالى: { وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ } [الطلاق: 4]، أي:اليأس من عدم نزول الحيض وما يترتب عليه من حمل أو ولادة.

قال أحمد: إنما يَعرف النساءُ الحملَ بانقطاع الدم، وقول عائشة يُحمل على الحُبلى التي قاربت الوضع، جمعًا بين قوليْها؛ فإن الحامل إذا رأت الدم قريبًا من ولادتها فهو نفاس، تدَع له الصلاة، كذلك قال إسحاق. وقال الحسن: إذا رأت الدم على الولد أمسكت عن الصلاة. وقال إبراهيم النخعي: إذا ضربها المخاض فرأت الدم، قال: هو حيض، وهذا قول أهل المدينة والشافعي. وقال عطاء: تصلّي ولا تعدّه حيضًا ولا نفاسًا.

يقول ابن قدامة: “ولنا -أي: حجةٌ في اعتبار الدم النازل قريبًا من الولادة بيوم أو يوميْن، في الاحتجاج لذلك- أنه دم خرج بسبب الولادة فكان نفاسًا، كالخارج بعده. وإنما يُعلم خروجه بسبب الولادة إذا كان قريبًا منها”. يعني: أن المرأة قد أتمت عدة الشهور المعروفة للحمل. “ويُعلم ذلك برؤية علاماتها من المخاض ونحوها في وقته”.

إذًا مُجمل أقوال الفقهاء في  موضوع الدم الذي تراه المرأة الحامل:

– الإمام مالك، والشافعي: هذا الدم الذي تراه الحامل هو دم حيض لأنها امرأة، ونزول الدم يكون حيضًا، وليس هناك ما يمنع الحمل.

– أما أبو حنيفة، وأحمد، وأبو ثور، وغيرهم ممّن ذكرناهم من الصحابة، والتابعين، وتابعي التابعين، وأصحاب الأئمة إلى: أنّ الحامل لا تحيض، وبالتالي يكون الدم الظاهر عليها دم فساد وعلّة، لأنه لم ينزل كالعادة في المواقيت المعلومة من الحيض.

سبب اختلاف الفقهاء:

يقول ابن رشد: “سبب اختلافهم في ذلك: عُسر الوقوف على ذلك بالتجربة، واختلاط الأمريْن”. بمعنى: أنّ الدم قد يكون دم حيض، وقد يكون دم استحاضة، فليس هناك فواصل حاسمة أو قاطعة بينهما، كما أن التجربة يمكن أن تحمل المرأة وتحيض، ويمكن أن تحمل ولا تحيض وإن كان ذلك هو الغالب”.

يقول: “فإنه مرة يكون الدم الذي تراه الحامل دم حيض، وذلك إذا كانت قوة المرأة وافرة، والجنين صغيرًا، وبذلك أمكن أن يكون حمْل على حمْل -على ما حكاه أبقراط وجالينوس وسائر الأطباء-. ومرة يكون الدم الذي تراه الحامل لضعف الجنين ومرضه التابع لضعفها ومرضها في الأكثر، فيكون دم علّة ومرض وهو في الأكثر دم علّة”.

إذًا، ابن رشد يرجّح قول أبي حنيفة، وأحمد، والثوري، في اعتبار الدم الذي تراه المرأة الحامل دم فساد وعلّة؛ وهو بهذا يكون قد خرج على مذهب إمامه الإمام مالك -رحمه الله-.

المسألة الخامسة: هل الصّفرة والكُدرة حيض؟

الصُّفْرة: أن يكون الدم مائلًا إلى الاصفرار، وليس إلى الاحمرار كدم النزيف، وإلى السواد كدم الحيض، وإنما هو درجة الاصفرار.

الكُدرة: وهي الدم العكِر الذي ليس له لون ثابت، فلا هو أصفر، ولا هو أحمر، ولا هو أسود، ولكنه خليط من هذه الألوان.

هل الماء الأصفر، أو الماء المتكدّر اللذان يخرجان من رحم المرأة عقب الدورة الشهرية أو قبْلها، يلحقان بالحيض، أو بالدورة الشهرية، أم لا يلحقان بها؟

يقول ابن رشد: اختلف الفقهاء في الصّفرة والكُدرة؛ هل هي حيض أم لا؟

فرأت جماعة: أنها حيض في أيام الحيض. أي: أنها إذا نزلت في أيام الحيض فهي حيض. وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة. ورُوي أيضًا مثل ذلك عن مالك. وفي (المدونة) عنه -أي عن الإمام مالك-: أنّ الصفرة والكدرة حيض في أيام الحيض، وفي غير أيام الحيض، رأت ذلك مع الدم أو لم ترَه.

وقال داود وأبو يوسف:الصّفرة والكُدرة لا تكون حيضة إلاّ بإثر الدّم.

إذًا هناك ثلاثة آراء:

الرأي الأول: الصّفرة والكُدرة إذا رأتها المرأة في أيام الحيض فهي حيض، وهذا رأي الشافعي، وأبي حنيفة، وعن مالك أيضًا.

الرأي الثاني: ولمالك قول آخَر: أنّ الصّفرة والكُدرة حيض في أيام الحيض، وفي غير أيام الحيض؛ فإذا رأت المرأة ماءً أصفر أو كدرة في أي وقت، وسواء رأت ذلك مع الدم أو لم تره معه، فهو حيض.

الرأي الثالث: قول داود الظاهري إمام أهل الظاهر، وأبو يوسف من أصحاب الإمام أبي حنيفة، يقولان: إن الصفرة والكدرة لا تكون حيضة إلاّ بأثر الدم – أي: وراءه-. أمّا إن سبقتْه أو جاءت بمعزل عنه في أيام أُخَر، فلا تكون حيضًا.

ويقول ابن قدامة القول تحت مسألة الخرقي التي قال فيها: “والصفرة والكدرة في أيام الحيض من الحيض”، أي: كأن الخرقي يضمّ مذهب الإمام أحمد إلى القائلين بأن الصفرة والكدرة حيض؛ سواء كانت في أيام الحيض أو في غيرها ، كما قال الإمام مالك.

لكن ابن قدامة يفصّل ذلك فيقول: يعني: إذا رأت في أيام عادتها -أي: أيام الدورة الشهرية، أيام الحيض- صُفرة أو كدرة فهو حيض. وإن رأته بعد أيام حيضها، لم يُعتدّ به، كما قال الشافعي وأبو حنيفة، أنها لا تكون حيضًا إلا في أيام الحيض. ونص عليه الإمام أحمد. أي: أنه نصّ على أنها إن رأته بعد أيام حيضها، لم يعتدّ به. وبه قال يحيى الأنصاري، وربيعة، ومالك، والثوري، والأوزاعي، وعبد الرحمن بن مهدي، والشافعي، وِإسحاق.

وقال أبو يوسف وأبو ثور: “لا يكون حيضًا إلا أن يتقدّمه دمٌ أسود”؛ لأن أم عطية وكانت بايعت النبي صلى الله عليه وسلم قالت: “كُنّا لا نعتدّ بالصفرة والكدرة بعد الغُسل شيئًا”. يعني: لا نعدّهما شيئًا، وبالتالي لا نغتسل مرة ثانية، ولا تفسد الصلاة، ولا تفسد الصيام، وهكذا… رواه أبو داود وقال: “بعد الطهر”.

ابن قدامة يردُّ على هذا، ويحتج للرأي القائل بأن الصّفرة والكُدرة إذا جاءت في أيام الحيض فهي حيض، يقول: “ولنا قوله تعالى: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى } [البقرة: 222]،  وهذا يتناول الصّفرة والكُدرة. وروى الأثرم بإسناده عن عائشة رضي الله عنها: أنها كانت تبعث إليها النساء بالدُرجة وفيها الكُرسف، وفيها الصّفرة والكُدرة. -الدرجة هي: القطعة من القماش أو القطن التي تضعها المرأة في فرْجها لتتأكّد هل انتهى الحيض أو لم ينته. فكانت هذه الدرجة فيها الصّفرة والكُدرة-. فتقول السيدة عائشة: “لا تعجلْن حتى تريْن القصة البيضاء”. تريد بذلك: الطهر من الحيضة. وبالتالي تكون السيدة عائشة -رضي عنها- قد اعتبرت الصّفرة والكُدرة من توابع الحيض، فهي من أيام الحيض”.

وحديث أم عطية إنما يتناول ما بعد الطهر والاغتسال. ونحن نقول به، وقد قالت السيدة عائشة أيضًا: “ما كنا نعدّ الكُدرة والصّفرة حيضًا”. فللجمْع بين القوليْن، يكون ما قبل الاغتسال من الحيض، وما بعد الاغتسال لا يعدّ شيئًا”.

يقول ابن قدامة أيضًا: “وحُكم الصّفرة والكُدرة حُكم الدّم العبيط -أي: الخام-. أي: أنها في أيام الحيض حيض، وتجلس منها المبتدأة، كما تجلس من غيرها. يعني: تنقطع عن الصلاة، والصيام، والطواف، وقراءة القرآن، ومسّ المصحف، ودخول المسجد. وإن رأتها فيما بعد العادة، فهو كما لو رأت غيرها -أي: في دم الاستحاضة-. وإن طهرت ثم رأت صُفرة أو كُدرة، لم يلتفت إليها، وهذا معنى قول أم عطية وعائشة: “لا نعدّها شيئًا”.

سبب الاختلاف:

يقول بن رشد: “السبب في اختلافهم: مخالفة ظاهر حديث أمّ عطية لحديث عائشة”.

ويقول ابن رشد: “فمن رجَّح حديث عائشة، جعل الصّفرة والكُدرة حيضًا؛ سواء ظهرت في أيامه أو في غير أيامه، مع الدم أو بلا دم؛ فإن حُكم الشيء الواحد في نفسه ليس يختلف، كما قال الإمام مالك في (المدونة).

– ومَن رام -أي: رغب- الجمع بين الحديثيْن: حديث أم عطية وحديث عائشة، قال: إن حديث أمّ عطية هو بعد انقطاع الدم -أي: ظهور الصّفرة والكُدرة بعد انقطاع الدم، فلا تُعدّ شيئًا-.

أمّا حديث عائشة في إثر انقطاعه -يعني: فورًا-، أو أنّ حديث عائشة هو في أيام الحيض، وحديث أم عطية في غير أيام الحيض.

ثم يضيف:

وقد ذهب قوم إلى ظاهر حديث أم عطية، ولم يرَوا الصفرة والكدرة شيئًا، لا في أيام الحيض ولا في غير أيام الحيض، ولا بأثر الدم ولا بعد انقطاعه، لماذا؟ لِقول الرسولصلى الله عليه وسلم: «دَم الحيض دم أسود يُعرف»، وهذا الحديث رواه أبو داود، والنسائي، وصحّحه ابن حبان، وابن حزم، أمّا الصفرة والكدرة فليس لهما من السواد شيء، فلا يُعدّان دم حيضِ.

المسألة السادسة: علامة الطّهر من الحيض، أو النفاس، أو الاستحاضة:

يقول ابن رشد: رأى قومٌ أنّ علامة الطهر رؤية القصّة البيضاء -هذه علامة-، أو الجفوف -يعني: الجفاف، أي: انقطاع الدم وجفافه-؛ وبهذا القول قال ابن حبيب من أصحاب مالك. وسواء أكانت المرأة ممّن عادتها أن تطهر بالقصة البيضاء أم بالجفاف، أيَّ ذلك رأت طهرت به”. هذا رأي.

وفرّق قوم فقالوا: إن كانت المرأة ممّن ترى القصة البيضاء، فلا تطهر حتى تراها -يعني: أنها معتادة على ذلك، تميّز بين الأشياء-، وإن كانت ممن لا تراها -ليست هذه عادتها- فطُهرها الجفوف -أي: الجفاف-؛ وذلك في (المدونة) عن مالك أيضًا.

ويوضح ابن رشد سبب اختلاف الفقهاء في هذه المسألة، فيقول:

“سبب اختلافهم أنّ منهم من راعى العادة، ومنهم من راعى انقطاع الدم فقط. وقد قيل: إن التي عادتها الجفوف تطهر بالقصة البيضاء، ولا تطهر التي عادتها القصة البيضاء بالجفوف، وهذا تمحّل لا معنى له؛ فالمفروض أنّ الطهارة لجميع النساء تكون بعلامة واضحة، لكن من النساء من تعتاد على القطنة أو القصة البيضاء، ومنهن من تعلَم طهرها بانقطاع دمها”.

ثم يقول: وقد قِيل بعكس هذا، وكله لأصحاب مالك.        

المسألة السابعة: المستحاضة.

في المستحاضة إشكال كبير؛ لأن الفقهاء من جميع المذاهب اختلفوا فيها اختلافًا كبيرًا لا حدود له.

والمستحاضة: هي المرأة التي ينزل عليها الدم، إما في غير أيام الحيض، أو يستمر بعد أيام الحيض.

فمثلًا: امرأة كانت عادتها الشهرية أسبوعًا، ثم ينقطع الدم وتغتسل وتصلّي وتصوم وتمارس كل الأمور الشرعية، لكن بعد الطهر بأسبوع أو أكثر، ينزل عليها الدم وهذا ليس أوان دم الحيض، ويكون لونه مختلفًا عن لون دم الحيض الأسود الغليظ ذي الرائحة الخبيثة، حيث يكون دم الاسحاضة نزيفًا أحمر فاتح اللون. وقد تكون الاستحاضة استمرارًا لأيام الحيض، أي: أن المرأة جاءتها الدورة الشهرية ثم لم ينقطع الدم واستمر عليها الدم باقي الشهر، فهل يعتبر الشهر كلّه حيضًا أو دورة شهرية؟

لا، فقد علمنا من المسألة الأولى: أنّ أقصى وأكثر مدّة للحيض: خمسة عشر يومًا عند مالك والشافعي، وعند أبي حنيفة عشرة أيام.

إذًا، فالمدة التي تزيد على ذلك ليست من فترة الحيض، قولًا واحدًا.

وقد اختلف الفقهاء في المرأة التي تمادى بها الدم، متى يكون حُكمها حُكم الحائض؟ كما اختلفوا في الحائض إذا تمادى بها الدم، متى يكون حُكمها حُكم المستحاضة؟

يعرض ابن رشد أقوال الفقهاء في ذلك على النحو التالي:

1- قال مالك في المستحاضة أبدًا: حُكمها حُكم الطاهرة -أي: المرأة التي لا ينقطع الدم عنها، فتكون طاهرة إلى أن يتغيّر الدم إلى صفة الحيض. فصفة الحيض التي كانت يوميْن أو ثلاثة أو أكثر أو نحو ذلك، إنما فيما عدا ذلك فهي مستحاضة-، وذلك إذا مضى لاستحاضتها من الأيام ما هو أكثر من أقلّ أيام الطهر وهي: خمسة عشر يومًا -كما سبق أن أشرنا-. إذا كانت أقل أيام الطهر خمسة عشر يومًا، فيكون معنى ذلك أنّ الأيام الأخرى تكون أيام حيض؛ فحينئذ تكون حائضًا، فتكون الاستحاضة خمسة عشر يومًا، والحيض خمسة عشر يومًا. ولكل منهما ما يتعلّق به من الأحكام.

يقول ابن رشد: “إذا اجتمع لها هذان الشيئان: تغيّر الدم، وأن يمرّ لها في الاستحاضة من الأيام ما يمكن أن يكون طهرًا وهو خمسة عشر يومًا، وإلاّ فهي مستحاضة أبدًا”، هذا قول مالك، فماذا قال أبو حنيفة؟

2- يقول: “تقعد أيام عادتها -إذا كانت عادتها مثلًا خمسة أيام، أو ستة أيام، أو سبعة أيام- إن كانت لها عادة، وإن كانت مبتدأة قعدت أكثر الحيض -الذي هو عشرة أيام-، وما زاد عن أكثر أيام الحيض عند أبي حنيفة يكون استحاضة”.

3- وقال الشافعي: “تعمل على التمييز”. التمييز يعني: أن تفرّق بين دم الحيض الأسود الثخين النّتن، وبين دم الاستحاضة الخفيف الفاتح الأحمر الذي لا رائحة له. “فتعمل على التمييز إن كانت من أهل التمييز. وإن كانت من أهل العادة عملت على العادة. وإن كانت من أهل التمييز والعادة معًا، فله في ذلك قولان: أحدهما: تعمل على التمييز وهو المعتمَد، والثاني: تعمل على العادة”.

4- ويقول أحمد: “إن كان لها عادة رُدّت إليها، فإن عدمتْها رُدّت إلى التمييز. وإن عدمتهما -عدمت التمييز والعادة- فعنه في ذلك راويتان: إحداهما: تمكث الحيض، والثانية: تنظر إلى غالب عادة النساء ستًا أو سبعة أيام”.

ويفصّل ابن قدامة -رحمه الله- كلامَ ابن رشد في المستحاضة؛ حيث يقول: “فمن أطبق بها الدم، فكانت ممّن تُميّز فتعلم إقباله بأنه أسود ثخين مُنتن، وإدباره رقيق أحمر، تركت الصلاة في إقباله -لأنه حيض-. فإذا أدبر اغتسلت وتوضأت لكلّ صلاة وصلّت”؛ لأنها حينئذ أصبحت مستحاضة.

يقول ابن قدامة في شرح هذا الكلام : “أطبق بها الدم”: يعني امتدّ وتجاوز أكثر الحيض، أي: الخمسة عشر يومًا، فهذه مستحاضة قد اختلط حيضها باستحاضتها؛ لأن الدماء متّصلة، فتحتاج إلى معرفة الحيض من الاستحاضة؛ ليترتّب على كل واحد منهما حُكمه. “ولا تخلو من أربعة أحوال: مميّزة لا عادة لها، ومعتادة لا تمييز لها، ومن لها عادة وتمييز، ومن لا عادة لها ولا تمييز”، والحقيقة أنّ الأمر يطول في شرح هذا الكلام؛ لذا نكتفي ببعض العبارات.

الحالة الأولى: يقول: “أمّا المميّزة فهي التي ذكَرها الخرقي في هذه المسألة، وهي التي لِدمها إقبال وإدبار، بعضه أسود ثخين مُنتن، وبعضه أحمر مشرق، أو أصفر، أو لا رائحة له. ويكون الدم الأسود أو الثخين لا يزيد على أكثر الحيض، ولا ينقص عن أقلّه، -أي: لا ينقص عن يوم وليلة، ولا يزيد عن خمسة عشر-، فحكم هذه: أنّ حيضها زمانُ الدم الأسود، أو الثخين، أو المُنتن، فإن انقطع فهي مستحاضة، تغتسل للحيض وتتوضأ بعد ذلك لكلّ صلاة وتصلِّي”.

الحالة الثانية: يقول: “وتثبت العادة بالتمييز، فإذا رأت دمًا أسود خمسة أيام في ثلاثة أشهر أو شهريْن على الرواية الأخرى، ثم صار أحمر واتّصل، ثم صار في سائر الأشهر دمًا مبهمًا، كانت عادتها زمن الدم الأسود”.

يضيف بعد ذلك بعدّة صفحات: “ولا تكون المرأة معتادة حتى تعرف شهرها، ووقت حيضها وطهرها، وشهر المرأة: عبارة عن المدة التي لها فيها حيض وطهر”.

السبب في اختلاف الفقهاء:

يقول ابن رشد: “والسبب في اختلافهم: أنّ في ذلك حديثيْن مختلفيْن”. الحديث الأول: حديث عائشة، عن فاطمة بنت أبي حُبيش، وهذا الحديث رواه الشيخان. وقد سبق ذكْره في مسألة معرفة أقلّ مدّة الحيض وأكثره: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أمَرها، وكانت مستحاضة، أن تدَع الصلاة قدْر أيامها التي كانت تحيض فيها قبل أن يصيبها الذي أصابها، ثم تغتسل وتصلّي». وفي معناه أيضًا حديث أم سلمة -وقد تقدم أيضًا في المسألة الأولى.

الحديث الثاني: هو ما أخرجه أبو داود، والنسائي، من حديث فاطمة بنت أبي حُبيش: أنها كانت قد استحيضت، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ دم الحيضة أسود يُعرف، فإذا كان ذلك، فأمسكي عن الصلاة،  وإذا كان الآخر -أي: الدم الأحمر الفاتح- فتوضّئي وصلّي؛ فإنما هو عِرْق»، يعني كما نقول: نزيف، أو مرض، أو فساد. وهذا الحديث صحّحه أبو محمد بن حزم، وكذلك صحّحه ابن حبان والحاكم.

ثم يُبيّن ابن رشد وجهة نظر الفقهاء في إعمال هذيْن الحديثيْن، أو إعمال أحدهما؛ فذهب إلى أن:

– من هؤلاء الفقهاء مَن ذهب مذهب الترجيح؛ ومنهم من ذهب مذهب الجمْع؛ يعني: يكون العمل بالحديثيْن معًا.

فمن ذهب مذهب ترجيح حديث أم سلمة وما ورد في معناه، قال باعتبار الأيام، وقد اعتبر مالك عدد الأيام فقط، في الحائض التي تشك في الاستحاضة، ولم يعتبرها في المستحاضة التي تشكّ في الحيض. فكأنه أخذ اليقين، أعني: لا عددها، ولا موضعها من الشهر، إذ كان عندها ذلك معلومًا. والنص إنما جاء في المستحاضة التي تشك في الحيض، فاعتبر الإمام مالك الحكم في الفرع، ولم يعتبره في الأصل؛ وهذا غريب من الإمام مالك. فكان المفترض العكس.

أمَّا من رجّح حديث فاطمة بنت أبي حُبيش، قال باعتبار اللون، كما ورد في الحديث: «إنّ دم الحيضة أسود يُعرف». ومن هؤلاء من راعى -مع اعتبار لون الدم- مُضيّ ما يمكن أن يكون طُهرًا من أيام الاستحاضة، وهو قول مالك فيما حكاه عبد الوهاب. ومنهم من لم يُراع ذلك. إذًا هذا اتجاه الترجيح.

أمَّا من جمَع بين الحديثيْن وعمل بهما جميعًا، قال: الحديث الأول: هو في التي تعرف عدد أيامها من الشهر وموضعها، أما الثاني: في التي لا تعرف عددها ولا موضعها، وتعرف لون الدم.

ثم أضاف إلى ذلك قولًا آخر، يقول: ومنهم من رأى أنها إن لم تكن من أهل التمييز، ولا تعرف موضع أيامها من الشهر، وتعرف عددها، أو لا تعرف عددها، أنها تتحرّى على حديث حمنة بنت جحش، صحّحه الترمذي وأحمد بن حنبل، وفيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: «إنما هي ركْضة من الشيطان، فتحيضي ستة أيام، أو سبعة أيام في علْم الله، ثم اغتسلي»، وهذا الحديث رواه أبو داود، والترمذي، فكأن الرسول صلى الله عليه وسلم ردّ هذه المرأة -حمنة بنت جحش- إلى الاعتبار بعدد الأيام لغيرها من النساء، وهو الغالب من النساء: ستة أيام، أو سبعة أيام. ثم تغتسل، وتصلّي، وتصوم، وغير ذلك.

error: النص محمي !!