Top
Image Alt

الدَّلِيلُ عَلَى بَطِلان قَوْلُهُمْ: “وَهُوَ الآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ”

  /  الدَّلِيلُ عَلَى بَطِلان قَوْلُهُمْ: “وَهُوَ الآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ”

الدَّلِيلُ عَلَى بَطِلان قَوْلُهُمْ: “وَهُوَ الآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ”

وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ هَذَا الْكَلامَ -وَهُوَ قَوْلُهُمْ: وَهُوَ الآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ- كَلامٌ بَاطِلٌ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِجْمَاعِ وَالاعْتِبَارِ وُجُوهٌ:

أَحَدُهَا: أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَخْبَرَ بِأَنَّهُ مَعَ عِبَادِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ الْكِتَابِ عُمُومًا وَخُصُوصًا مِثْلُ قَوْلِهِ: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الحديد: 4] إلَى قَوْلِهِ: { وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} [الحديد: 4] ، وَقَوْلُهُ: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة: 7] إلَى قَوْلِهِ: {أَيْنَ مَا كَانُوا}، وَقَوْلُهُ: {إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُون} [النحل: 128] وَقَالَ: { وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِين} فِي مَوْضِعَيْنِ.

وَقَوْلُهُ: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 46] ، { لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40] {وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ} [المائدة: 12] {إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِين} [الشعراء: 62].

وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إذَا سَافَرَ يَقُولُ: ((اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ، اللَّهُمَّ اصْحَبْنَا فِي سَفَرِنَا وَاخْلُفْنَا فِي أَهْلِنَا)) فَلَوْ كَانَ الْخَلْقُ عُمُومًا وَخُصُوصًا لَيْسُوا غَيْرَهُ وَلَا هُمْ مَعَهُ، بَلْ مَا مَعَهُ شَيْءٌ آخَرُ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ هُوَ مَعَ نَفْسِهِ وَذَاتِهِ، فَإِنَّ الْمَعِيَّةَ تُوجِبُ شَيْئَيْنِ:

أولًا: كَوْنَ أَحَدِهِمَا مَعَ الْآخَرِ، فَلَمَّا أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُ مَعَ هَؤُلَاءِ عُلِمَ بُطْلَانُ قَوْلِهِمْ: “هُوَ الْآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ” لَا شَيْءَ مَعَهُ؛ بَلْ هُوَ عَيْنُ الْمَخْلُوقَاتِ.

ثانيًا: وَأَيْضًا إنَّ الْمَعِيَّةَ لَا تَكُونُ إلَّا مِنْ الطَّرَفَيْنِ فَإِنَّ مَعْنَاهَ: الْمُقَارَنَةُ وَالْمُصَاحَبَةُ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُ الشَّيْئَيْنِ مَعَ الْآخَرِ: امْتَنَعَ أَلَّا يَكُونَ الْآخَرُ مَعَهُ فَمِنْ الْمُمْتَنِعِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ مَعَ خَلْقِهِ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ وُجُودٌ مَعَهُ وَلَا حَقِيقَةٌ أَصْلًا بَلْ هُمْ هُوَ.

الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ قَالَ فِي كِتَابِهِ: { وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا} [الإسراء: 39]، وَقَالَ -سبحانه تَعَالَى: {فَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِين} [الشعراء: 213]، وَقَالَ: {وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} [القصص: 88] فَنَهَاهُ أَنْ يَجْعَلَ أَوْ يَدْعُوَ مَعَهُ إلَهًا آخَرَ وَلَمْ يَنْهَهُ أَنْ يُثْبِتَ مَعَهُ مَخْلُوقًا أَوْ يَقُولَ: إنَّ مَعَهُ عَبْدًا مَمْلُوكًا أَوْ مَرْبُوبًا فَقِيرًا، أَوْ مَعَهُ شَيْئًا مَوْجُودًا خَلَقَهُ كَمَا قَالَ: {لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ} [آل عمران: 2] وَلَمْ يَقُلْ: لَا مَوْجُودَ إلَّا هُوَ أَوْ لَا هُوَ إلَّا هُوَ أَوْ لَا شَيْءَ مَعَهُ إلَّا هُوَ: بِمَعْنَى أَنَّهُ نَفْسُ الْمَوْجُودَاتِ وَعَيْنُهَا.

وَهَذَا كَمَا قَالَ: { وَإِلَـهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [البقرة: 136] فَأَثْبَتَ وَحْدَانِيَّتَهُ فِي الْأُلُوهِيَّةِ، وَلَمْ يَقُلْ: إنَّ الْمَوْجُودَاتِ وَاحِدٌ فَهَذَا التَّوْحِيدُ الَّذِي فِي كِتَابِ اللَّهِ: هُوَ تَوْحِيدُ الْأُلُوهِيَّةِ وَهُوَ أَنْ لَا تَجْعَلَ مَعَهُ، وَلَا تَدْعُوَ مَعَهُ إلَهًا غَيْرَه،ُ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ أَنْ يَجْعَلَ نَفْسَ الْوُجُودِ هُوَ إيَّاهُ؟

وَأَيْضًا: فَنَهْيُهُ أَنْ يَجْعَلَ مَعَهُ أَوْ يَدْعُوَ مَعَهُ إلَهًا آخَرَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ كَمَا فَعَلَهُ الْمُشْرِكُونَ، الَّذِينَ دَعَوْا مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى، فَلَوْ كَانَتْ تِلْكَ الْآلِهَةُ هِيَ إيَّاهُ – وَلَا شَيْءَ مَعَهُ أَصْلًا – امْتَنَعَ أَنْ يُدْعَى مَعَهُ آلِهَةٌ أُخْرَى.

فَهَذِهِ النُّصُوصُ: تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَعَهُ أَشْيَاءَ لَيْسَتْ بِآلِهَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُجْعَلَ آلِهَةً وَلَا تُدَّعَى آلِهَةً، وَأَيْضًا فَعِنْدَ الْمُلْحِدِينَ يَجُوزُ أَنْ يُعْبَدَ كُلُّ شَيْءٍ، وَيُدْعَى كُلُّ شَيْءٍ؛ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُعْبَدَ غَيْرُه، فَإِنَّهُ هُوَ الْأَشْيَاءُ.

فَيَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ حِينَئِذٍ أَنْ يَدْعُوَ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ الْآلِهَةِ الْمَعْبُودَةِ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَهُوَ عِنْدَ الْمَلَاحِدَةِ مَا دَعَا مَعَهُ إلَهًا آخَرَ، فَجَعَلَ نَفْسَ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَجَعَلَهُ شِرْكًا، وجَعَلَهُ تَوْحِيدًا، وَالشِّرْكُ عِنْدَهُ لَا يُتَصَوَّرُ بِحَالِ.

الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ اللَّهَ لَمَّا كَانَ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ: لَمْ يَكُنْ مَعَهُ سَمَاءٌ، وَلَا أَرْضٌ وَلَا شَمْسٌ، وَلَا قَمَرٌ وَلَا جِنٌّ، وَلَا إنْسٌ وَلَا دَوَابُّ، وَلَا شَجَرٌ وَلَا جَنَّةٌ، وَلَا نَارٌ، وَلَا جِبَالٌ، وَلَا بِحَارٌ، فَإِنْ كَانَ الْآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ: فَيَجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَعْيَانِ، وَهَذَا مُكَابَرَةٌ لِلْعِيَان، وَكُفْرٌ بِالْقُرْآنِ وَالْإِيمَانِ.

الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ اللَّهَ كَانَ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ ثُمَّ كَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، فَإِنْ كَانَ لَا شَيْءَ مَعَهُ فِيمَا بَعْدُ: فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ حَالِ الْكِتَابَةِ وَقَبْلَهَا وَهُوَ عَيْنُ الْكِتَابَةِ وَاللَّوْح عِنْدَ الْفَرَاعِنَةِ الْمَلاحِدَةِ.

error: النص محمي !!