Top
Image Alt

الذكاة؛ تعريفها، تأثيرها في الأصناف الخمسة إذا أدركت حية، وفي الحيوان المحرم الأكل، وفي المريضة، الحكم في ذكاة الجنين والجراد والحيوان البرمائي

  /  الذكاة؛ تعريفها، تأثيرها في الأصناف الخمسة إذا أدركت حية، وفي الحيوان المحرم الأكل، وفي المريضة، الحكم في ذكاة الجنين والجراد والحيوان البرمائي

الذكاة؛ تعريفها، تأثيرها في الأصناف الخمسة إذا أدركت حية، وفي الحيوان المحرم الأكل، وفي المريضة، الحكم في ذكاة الجنين والجراد والحيوان البرمائي

كتاب الذبائح:

قسَّمَ ابن رشد هذا الكتاب -أحكام الذبائح- خمسة أبواب:

الباب الأول: في معرفة محل الذبح والنحر.

الباب الثاني: في معرفة الذبح والنحر.

الباب الثالث: في معرفة الآلة التي بها يكون الذبح والنحر.

الباب الرابع: في معرفة شروط الذكاة -أي الذبح أو النحر الشرعي.

الباب الخامس: في معرفة الذابح والناحر -الشخص القائم بالذبح.

ثم قام ابن رشد بشرح وبيان كل باب وما تحته من.

ونبيِّن أولًا: أن الذكاة الشرعية: هي عملية الذبح أو النحر الشرعي.

وتحت عنوان “معرفة محل الذبح والنحر” يقول ابن رشد:

إن الحيوان على قسمين: حيوان لا يحل –أي: لا يحل أكله- إلا بذكاة، وحيوان يحل بغير ذكاة؛ ولذلك قال: إن الحيوان -بالنسبة للذكاة- ينقسم إلى قسمين: قسم لا يحل إلا بالذكاة -أي الذبح أو النحر- وقسم يحل بغير ذلك.

ومن هذه ما اتفقوا عليه، ومنها ما اختلفوا فيه، من هذه –أي: من هذين القسمين من الحيوانات.

ثم يقدم لنا ابن رشد ما اتفق العلماء عليه من الحيوان الذي لا بد فيه من الذبح، فقال:

اتفقوا على أن الحيوان الذي يعمل فيه الذبح –أيّ: تؤثر فيه الذكاة الشرعية- هو الحيوان البري -الذي يعيش في البر- ذو الدم -الذي يسيل منه الدم- والذي ليس بمحرم -لأنه يمكن أن يكون حيوانًا برِّيًّا وله دم لكنه محرم كالسباع، أو كل ذي ناب- ولا منفوذ المقاتل، ولا ميئوس منه بوقظٍ أو نطحٍ أو تردٍّ أو افتراسِ سبعٍ أو مرضٍ.

وهذا محل اتفاق بين العلماء، وقد اتفقوا أيضًا على أن الحيوان البحري لا يحتاج إلى ذكاة، كأن نأكله من غير ذبح.

النقطة الثانية: أنهم اختلفوا في الحيوان الذي لا دم له، أو ليس يدمي، وهو مما يجوز أكله، مثل الجراد وغيره، هل تكون له ذكاة شرعية أم لا؟ هذا محل اختلافٍ، وسيأتي بيانه فيما بعد.

كذلك الحيوان الذي له دم، وتارة يعيش في البحر، وتارة يعيش في البر: هل يحتاج إلى ذبح؛ لأنه يعيش في البرِّ؟ أو لا يحتاج؛ لأنه يعيش أحيانًا في البحر، مثل السلحفاة وغيرها؟ هذا محل اختلاف.

واختلفوا أيضًا في تأثير الذكاة الشرعية في الأصناف التي نص عليها في آية التحريم، وهي قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ} [المائدة: 3].

هذه الأصناف الذي نص عليها في آية التحريم: هل تؤثر الذكاة فيما لا يحل أكله منها؟ لحمها حرام؛ فهل تفيد ذكاة هذه الأصناف في تحليل الانتفاع بجلودها وسلب النجاسة عنها أو لا تفيد؟:

بعد هذا العرض المجمل لما اتفق عليه العلماء:

المسائل التي محل اختلاف بين العلماء؛ قال ابن رشد: ففي هذا الباب إذن ستّ مسائل أصول. أي: هي بمثابة الأصول لغيرها.

نذكرها أجمالًا ثم نبدأ في تفصيلها:

المسألة الأولى: في تأثير الذكاة في الأصناف الخمسة التي نص عليها في الآية إذا أدركت حية.

المنخنقة والموقوذة، والمتردية، والنطيحة… كل صنف من هذه الأصناف المذكورة في آية التحريم إذا بقيت فيها حياة: هل تؤثر فيها وتفيدها الذكاة الشرعية أو لا تؤثر؟.

المسألة الثانية: في تأثير الذكاة في الحيوان المحرم الأكل، كالأسد، والحمار -مثلًا- هذه حيوانات حتى لو ذكيناها ذكاة شرعية فلحومها محرمة، فهل تفيد الذكاة في إباحة الانتفاع بشيء من جلودها وأشعارها أو لا تفيد؟.

المسألة الثالثة: في تأثير الذكاة في المريضة، أي: الحيوان المريض، هل تفيد الذكاة في حِل لحمه بعد تذكيته أو لا تفيد لما فيه من الضرر والمرض؟.

المسألة الرابعة: هل ذكاة الجنين ذكاة أمه أم لا؟.

فلو ذبحنا بقرة ذكاة شرعية، ووجدنا في بطنها جنينًا من البقر: هل تكون ذكاة الأم ذكاة له فنأكل لحمه بلا تذكية أم لا بدّ من تذكيته؟.

المسألة الخامسة: هل للجراد ذكاة أم لا؟.

المسألة السادسة: هل للحيوان الذي يأوي في البرّ تارة وفي البحر تارة كالسلحفاة ذكاة أو لا؟.

تلك مسائل ست ذكرها ابن رشد في مقدمة هذا الباب؛ ليعالجها مسألةً مسألةً، ويبين أقوال الفقهاء واختلافهم فيها.

المسالة الأولى: تأثير الذكاة في الأصناف الخمسة إذا أدركت حية:

الأصناف الخمسة هي: {وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ} [المائدة: 3]؟. يقول عن هذه الأصناف الخمسة -رحمه الله-:

إنهم -أي العلماء- اتفقوا -فيما أعلم- أنه إذا لم يبلغ الخنق منها، أو الوقذ منها، إلى حالة لا يُرجى فيها –أي: حياتها- أن الذكاة عاملة فيها؛ حيث لا تزال بها حياة؛ لأن الوقذ أو الخنق لم يبلغ بها حالة اليأس أو عدم الرجاء في الحياة، فما دامت كذلك فإن الذكاة الشرعية تكون عاملة ومؤثرة فيها؛ فيكون أكلها حلالًا.

أي: إذا غلب على الظن أنها تعيش بعد الوقذ أو الخنق؛ حيث لم يُصب لها مقتل؛ فإن الذكاة عاملة فيها. وهذا محل اتفاق.

وقد اختلفوا إذا غلب على الظن أنها تهلك من ذلك؛ حيث أصيب مقتلها، أو وصَلت إلى حالة من الخنق لا يرجى معها الحياة، فقال قوم: تعمل الذكاة فيها أيضًا؛ ما دامت لم تَمُت فإن الذكاة تعمل فيها بأي شكل من الأشكال. وهو مذهب أبي حنيفة، والمشهور من قول الشافعي. وقد وافقهم على ذلك أيضًا الإمام أحمد.

إذن هذا هو قول الجمهور: ما دام في الحيوان الذي خنق أو وُقِذَ، حياة مستقرة فإنه إذا ذبح يكون حلالًا؛ فتكون الذكاة الشرعية عاملةً فيه أو مؤثرة فيه. وهو أيضًا قول الزهري، وابن عباس.

وقال قوم: لا تعمل الذكاة فيها، فما دامت قد خُنقت أو وُقذت؛ فإن الذكاة الشرعية لا تعمل فيها[email protected]@

وعن مالك في ذلك الوجهان: يعني قول وافق فيه قول الجمهور بأن الذكاة تعمل فيها، وقول بأن الذكاة لا تعمل فيها، والأشهر عند المالكية أن الذكاة لا تعمل في الحيوان الميئوس من حياته. الذي غلب على الظن أنه لن يعيش.

ثم قال: وبعضهم تأوّل في المذهب، أن الميئوس منها على ضربين:

  1. ميئوسة مشكوك فيها.
  2. وميئوسة مقطوع بموتها.

فالميئوسة المشكوك فيها تعمل الذكاة فيها، ويحل أكلها بالذكاة الشرعية. أما الميئوسة المقطوع بموتها، وهي المنفوذة المقاتل -على اختلاف بينهم أيضًا في المقاتل- لا تعمل الذكاة الشرعية فيها؛ وبيان ذلك قال:

فأما الميئوسة المشكوك فيها؛ ففي المذهب فيها روايتان مشهورتان، وأما المنفوذة المقاتل فلا خلاف في المذهب المنقول أن الذكاة لا تعمل فيها؛ فيكون لحمها حرامًا، وإن كان يتخرج فيها الجواز على وجه ضعيف.

ثم ينقلنا -رحمه الله- إلى سبب اختلاف الفقهاء في هذا الأمر، يقول:

اختلافهم في مفهوم قوله تعالى: {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ}[المائدة: 3] فعندما نقرأ الآية الكريمة: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ } [المائدة: 3] فهذا استثناء من التحريم، فما حكم هذا الاستثناء؟.

هل هذا الاستثناء استثناء متصل فيخرج من الجنس المحرم بعض ما يتناوله اللفظ، وهو المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع، على عادة الاستثناء المتصل؟ أم هو استثناء منقطع عما قبله لا تأثير له في الجملة المتقدمة؛ إذ كان هذا أيضًا شأن الاستثناء المنقطع في كلام العرب؟:

فالقضية إذن قضية فهم قوله تعالى: {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} بعد قوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} فهل هذا استثناء متصل؛ فيكون هناك المنخنقة محرمة إلا ما ذكيتم، والموقوذة محرمة إلا ما ذكيتم، والمتردية محرمة إلا ما ذكيتم… وهكذا، على عادة الاستثناء المتصل؟ أم هو استثناء منقطع؛ فتكون هذه الأصناف كلها محرمة، لكن ما تمت ذكاته ذكاة شرعية فهو الحلال لكن “ما ذكيتم”، فلا يكون له تأثير في الجملة المتقدمة؟.

ننظر في توجيهات ابن رشد: من قال: إن الاستثناء متصل قال: الذكاة تعمل في هذه الأصناف الخمسة؛ لأنها عائدة عليها، فالمنخنقة حرام إلا ما ذكيتم من المنخنقة، والموقوذة حرام إلا ما ذكيتم من الموقوذة… وهكذا. فمن قال: إن الاستثناء متصل قال: الذكاة تعمل في هذه الأصناف الخمسة، ومعنى “تعمل” يعني: تكون مفيدة ومؤثرة، ويكون لحمها -المنخنقة- إذا ذكيناها تكون حلالًا.

وأما من قال: “الاستثناء منقطع”؛ فإنه قال: لا تعمل الذكاة فيها؛ لأنها دخلت ضمن التحريم: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ} كذا، وكذا، وكذا، وكذا…، {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} يعني لكن المطلوب هو الذكاة الشرعية الكاملة.

وقد أحتج من قال: “إن الاستثناء متصل” بإجماع العلماء على أن الذكاة تعمل في المرجو منها، أي المرجو حياته، قال: فهذا يدل على أن الاستثناء له تأثير فيها، فهو متصل.

فالعلماء –في رأيهم-  أجمعوا على أن المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، إذا كان فيها حياة فإن الذكاة تعمل فيها، وليس جنس المنخنقة، ولا جنس الموقوذة، فيكون الاستثناء متصلًا، وتكون الذكاة عاملة.

أما من رأى أن الاستثناء منقطع؛ فقد أحتج بأن التحريم لم يتعلق بأعيان هذه الأصناف الخمسة وهي حيّة، وإنما تعلق بها لأنها ميتة: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ} وإذا كان ذلك كذلك؛ فالاستثناء منقطع؛ وذلك أن معنى قوله تعالى: { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ } إنما هو لحم الميتة، وكذلك لحم الموقوذة، ولحم المتردية، ولحم النطيحة… وسائرها، أي: لحم الميتة بهذه الأسباب سوى التي تموت من تلقاء نفسها، فيكون الحيوان المحرم نوعين: نوع يموت من تلقاء نفسه، وذلك هو الميتة، ونوع يموت بسبب من الأسباب، كالخنق، والوقذ، والتردي، ويموت بهذا السبب، فيجمع الجميع أنه ميتة، فلحم الميتة بهذه الأسباب سوى التي تموت من تلقاء نفسها، وهي التي تسمى ميتة، أكثر ذلك في كلام العرب أو بالحقيقة.

هؤلاء قالوا: فلما عُلم أن المقصود لم يكن تعليق التحريم بأعيان هذه، وهي حية، وإنما علق بها بعد الموت؛ لأن لحم الحيوان محرم في حال الحياة؛ بدليل اشتراط الذكاة فيها؛ وبدليل قوله صلى الله عليه وسلم: ((ما قطع من البهيمة وهي حية؛ فهو ميتة)) وجب أن يكون قوله: {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} استثناءً منقطعًا.

قال ابن رشد: لكن الحق في ذلك، أنه كيفما كان الأمر في الاستثناء؛ فواجب أن تكون الذكاة عاملةً فيها، ذلك أنه إن علقنا التحريم بهذه الأصناف في الآية بعد الموت، وجب أن تدخل في التذكية من جهة ما هي حية الأصناف الخمسة وغيرها؛ لأنها ما دامت حيّةً مساوية لغيرها في ذلك من الحيوان، يعني: أنها تقبل الحلية من قبل التذكية، التي الموت منها، وإن قلنا: إن الاستثناء متصل فلا خفاء لوجوب ذلك، ويُحتمل أن يقال: إن عموم التحريم يمكن أن يفهم منه تناول أعيان هذه الخمسة بعد الموت وقبله، كالحال في الخنزير؛ فإن الذكاة لا تعمل فيه؛ فيكون الاستثناء على هذا رافعًا لتحريم أعيانها بالتنصيص على عمل الذكاة فيها، وإذا كان ذلك كذلك لم يلزم ما اعترض به ذلك المعترض من الاستدلال على كون الاستثناء منقطعًا.

والأولى أن يكون الاستثناء في قوله تعالى {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ} استثناءً متصلًا؛ فيخرج من الجنس بعض ما يتناوله اللفظ، بمعنى أنه إذا كان لهذه الأصناف حياةٌ بعد التعدي عليها بتلك الأسباب، يجوز أن تعمل فيه الذكاة، وإذا لم يكن فيها حياةٌ فلا يجوز أن تعمل فيها الذكاة.

وقد رجح ابن قدامة ما رجحناه: وهو أنه ما دامت الحياة موجودة في بهيمة الأنعام، سواء كانت موقوذةً أو مترديةً، أو نطيحةً، وأُدْرِكَت فيها حياةٌ، وذُكِّيَت؛ فإن الذكاة تعمل فيها.

والصحيح أنها إذا كانت تعيش زمنًا يكون الموت بالذبح أسرع منه حلت بالذبح، وإنها متى كانت مما لا يتيقن موتها كالمريضة، أنها متى تحركت وسال دمها حلّت أيضًا بالذبح، وهذا هو الأصح.

المسألة الثانية: تأثير الذكاة في الحيوان المحرم الأكل:

هذه المسألة في تأثير الذكاة في الحيوان المحرم الأكل، يعني السباع ونحوها، والميتة من بهيمة الأنعام: هل تذكيتها تؤثر في الانتفاع بجلدها أو شعرها، بصرف النظر عن اللحم؛ لأن لحوم هذه الحيوانات محرمة؟

يقول ابن رشد: وأما هل تعمل الذكاة في الحيوانات المحرمات الأكل حتى تطهر بذلك جلودهم، فإنهم أيضًا اختلفوا في ذلك:

قال مالك: الذكاة تعمل في السباع وغيرها، تعمل في كل شيء، ما عدا الخنزير. وبه قال أبو حنيفة، إلا أنه اختلف المذهب في كون السباع فيه -أي في المذهب- محرمة أو مكروهة. وسيأتي بيان ذلك في كتاب الأطعمة والأشربة.

أما الشافعي فقال: الذكاة تعمل في كل حيوان محرم الأكل. يعني بما في ذلك الخنزير، وبلا استثناء، فيجوز بيع جميع أجزائه والانتفاع بها ما عدا اللحم.

ما سبب الاختلاف؟

يقول -رحمه الله-: سبب الخلاف: هل جميع أجزاء الحيوان تابعة للحم في الحلية والحرمة أو ليست بتابعة للحم؟

إن كانت تابعة للحم فهي حرام كاللحم، ما دام اللحم محرمًا، وإن لم تكن تابعة فهي ليست حرام، ويكون اللحم حرامًا. هكذا يقول ابن رشد.

فمن قال: إنها تابعة للحم، قال: إذا لم تعمل الذكاة في اللحم لم تعمل في ما سواه. أو بعبارة أخرى: ما دام اللحم محرمًا ولم تنفع فيه الذكاة، فلا تنفع في غيره من باب أولى، ومن رأى أنها ليست -أي أجزاء الحيوان- ليست بتابعة للحم قال: وإن لم تعمل في اللحم فإنها تعمل في سائر أجزاء الحيوان؛ لأن الأصل أنها تعمل في جميع الأجزاء، فإذا ارتفع بالدليل المحرم للحم عملها في اللحم، بقي عملها في سائر الأجزاء، إلا أن يدل الدليل على ارتفاع.

والخلاصة أن العلماء مختلفون على تأثير الذكاة الشرعية في الحيوان المحرم الأكل: هل تفيد الذكاة في طهارة جلده أو شعره والانتفاع به أو لا تفيد؟

جمهور العلماء على أن الذكاة تعمل وتفيد، إلا أنهم اختلفوا في الخنزير: فمالك استثنى الخنزير من تأثير الذكاة، فلا تعمل الذكاة في إباحة شيء من الخنزير، ومعه أبو حنيفة. أما الشافعي فلم يستثنِ شيئًا من ذلك، وقال: يجوز بيع جميع أجزاء الحيوان المحرم والانتفاع بها ما عدا اللحم.

المسألة الثالثة: في تأثير الذكاة في المريضة:

وفي المسألة الثالثة يتكلم ابن رشد -رحمه الله- عن تأثير الذكاة الشرعية في بهيمة الأنعام المريضة فيقول: إنّ الفقهاء قد اختلفوا في تأثير الذكاة في البهيمة التي أشرفت على الموت من شدة المرض بعد اتفاقهم على عمل الذكاة في التي تُشرف على الموت.

فجمهور العلماء على أنّ الذكاة تعمل فيها بمعنى: أنّه ما دامت قد أدركت حية وذكيت فإن لحمها حلال، وهذا معنى قولهم: إنّ الذكاة تعمل فيها، وهو المشهور عن مالك ورُوي عنه أنّ الذكاة لا تعمل فيها، وتلك رواية أخرى خلاف المشهور، فالمروي عن مالك روايتان: رواية مشهورة يوافق فيها جمهور العلماء على أنّ الذكاة تعمل في البهيمة المريضة التي أشرفت على الموت، ومعنى أنها تعمل أن لحمها يكون بالذكاة حلالًا، أما غير المشهور عن مالك فهو أنّ الذكاة لا تعمل فيها فيكون لحمها حرامًا.

ثم يحكي ابن رشد -رحمه الله- سبب الخلاف في هذه القضية فيقول: إن سبب الخلاف معارضة القياس للأثر: 

أما الأثر: فهو ما رُوي أن أَمَةً لكعب بن مالك كانت ترعى غنمًا بسلع – اسم مكان لجبل بالمدينة المنورة – فأصيبت شاة منها فأدركتها فذكتها -أي: ذبحتها- بحجر، ومعنى أن ذكتها بحجر يعني: قطعت موضع الذكاة منها بحجرٍ له حد كالسكين فأراقت الدم فأصبحت مذكاة، فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها وعن لحمها فقال: ((كلوها)) خرجه البخاري ومسلم.

أما القياس: فلأن المعلوم من الذكاة -أي: الذبح الشرعي- أنها إنما تفعل في الحي لا في الميت، وهذه الشاة المريضة أو البهيمة المريضة في حكم الميت، هذا باعتبار الأصل، وكلُّ من أجاز ذبحها فإنهم اتفقوا على أنه لا تعمل الذكاة فيها إلّا إذا كان فيها دليلٌ على الحياة كحركة عضو أو طرفة عين أو خروج نفس أو حركة ذيل أو نحو ذلك.

إذن الأثر الذي أباح أكلها متعارضٌ مع القياس الذي يدل عليه الأصل، وهو أن الذكاة لا تعمل إلّا في الحي حياةً واضحةً، وتلك لم تكن حياتها واضحة أو الشاة المريضة عمومًا لا تكون حياتها ما دام المرض شديدًا حياةً عاديةً.

جمهور العلماء والمشهور عن مالك أن الذكاة تعمل في كل الأحوال، واختلفوا في ما هو الدليل المعتبر في ذلك؛ فبعضهم اعتبر حركة أحد الأعضاء أو الذيل أو العين، وبعضهم لم يعتبرها، والأول -أي: اعتبار الحركة- هو مذهب أبي هريرة، والثاني -عدم اعتبارها- مذهب زيد بن ثابت، وكلاهما صحيح، وبعضهم اعتبر فيها ثلاث حركات طرف العين، وتحريك الذنب -أي: الذيل- والركض بالرجل -أي: الحركة الشديدة من الرجل- وهو مذهب سعيد بن المسيب، وزيد بن أسلم، وهو الذي اختاره محمد بن المواز، وبعضهم شرط مع هذه الحركات التنفس، وهو مذهب ابن حبيب.

المسألة الرابعة: هل ذكاة الجنين ذكاة أمه؟:

لو أننا ذبحنا بقرةً حاملًا، ووجدنا في بطنها عجلًا صغيرًا لم يحن وقت ولادته، هل ذكاة البقرة تُعتبر ذكاة لهذا الجنين فنأكله دون ذبحه أو لا تعتبر ذكاة لهذا الجنين فيجب أن نذبحه أو أنه لا ذكاة له ويُعتبر ميتة؟:

يقول ابن رشد: إنّ العلماء اختلفوا في هذه المسألة: هل تعمل ذكاة الأم في جنينها أم ليس تعمل فيه وإنما هو ميتة؟ -يعني: إذا خرج منها بعد ذبح الأم يكون ميتة أو يكون حلالًا؛ لأن ذكاة أمه ذكاة له؟:

ذهب جمهور العلماء إلى أن ذكاة الأم ذكاة لجنينها، وبه قال مالك، والشافعي، وأحمد -يعني: جمهور العلماء- وخالف في ذلك أبو حنيفة وقال: إن خرج حيًّا ذبح وأكل، وإن خرج ميتًا فهو ميتة.

قال ابن رشد: والذين قالوا إنّ ذكاة الأم ذكاة له بعضهم اشترط في ذلك تمام خلقته، ونبات شعره حتى تكون ذكاة الأم ذكاة له، وبه قال مالك، وبعضهم لم يشترط ذلك، وبه قال الشافعي وأحمد، والصحيح عدم الاشتراط.

وفي سبب اختلافهم يقول ابن رشد: سبب اختلافهم: اختلافهم في صحة الأثر المروي في ذلك في ذلك من حديث أبي سعيد الخدري مع مخالفته للأصول: حديث أبي سعيد:قال: سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البقرة أو الناقة أو الشاة ينحرها أحدنا فنجد في بطنها جنينًا أنأكله أو نلقيه فقال صلى الله عليه وسلم: ((كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه)) وخرّج مثله الترمذي، وأبو داود عن جابر، واختلفوا في تصحيح هذا الأثر فلم يصححه بعضهم وصححه بعضهم، وممن صححه الترمذي.

وأما مخالفة الأصل في هذا الباب للأثر فهو: أنّ الجنين إذا كان حيًّا ثم مات بموت أمه فإنما يموت خنقًا فهو من المنخنقة التي ورد النص بتحريهما، وإلى هذا الرأي ذهب ابن حزم، ولم يرضَ سند الحديث.

وأما اختلاف القائلين بحليته في اشتراطهم نبات الشعر فيه أو عدم اشتراطه، فالسبب فيه معارضة العموم للقياس كيف ذلك؟ ذلك أن عموم قوله صلى الله عليه وسلم: ((ذكاة الجنين ذكاة أمه)) يقتضي ألّا يقع هناك تفصيل من حيث إنبات الشعر أو عدم نباته، أو اكتمال خِلقته أو عدم اكتمالها؛ لأن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم مطلق في كل جنين، وكونه محلًّا للذكاة يقتضي أن يُشترط فيه الحياة قياسًا على الأشياء التي تعمل فيها التذكية، والحياة لا توجد فيه إلّا إذا نبت شعره وتم خلقه؛ إذن الحديث الذي يبيح الأكل مخالفٌ للأصل الذي يشترط أو يتطلب وجود حياة للجنين وإلّا كان منخنقًا وكان مع المحرمات في الآية الكريمة.

ثم قال ابن رشد: ويعضد هذا القياس -أي: يقويه- أنّ هذا الشرط -أي: تمام الخلقة وإنبات الشعر- مروي عن ابن عمر وعن جماعة من الصحابة، وروى معمر عن الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: “إذا أشعر الجنين فذكاته ذكاة أمه” وروى ابن المبارك عن ابن أبي ليلى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ذكاة الجنين ذكاة أمه أشعر أو لم يُشعر” وكلا هذين الحديثين ضعيف إلّا أن ابن أبي ليلى سيئ الحفظ عندهم؛ ولهذا ضعفوه، والقياس يقتضي أن تكون ذكاته في ذكاة أمه من قِبل أنه جزء منها، فكما تحل رجلها أو يدها أو رأسها فكذلك جنينها، وإذا كان ذلك كذلك فلا معنى لاشتراط الحياة فيه فيضعف أن يخصص العموم الوارد في ذلك بالقياس الذي تقدم ذكره عن أصحاب مالك. هذا ما بيّنه ابن رشد -رحمه الله- في ذكاة الجنين، وهو يرجح ما عليه جمهور العلماء من أن ذكاة الجنين ذكاة أمه.

error: النص محمي !!