Top
Image Alt

الرخصة في بيع العرايا، وبيع اللحم بالحيوان

  /  الرخصة في بيع العرايا، وبيع اللحم بالحيوان

الرخصة في بيع العرايا، وبيع اللحم بالحيوان

. الرخصة في بيع العرايا:

أولًا: الأحاديث:

الأول: عن رافع بن خديج، وسهل بن أبي حثمة: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المزابنة -بيع التمر بالتمر- إلا أصحاب العرايا؛ فإنه قد أذن لهم)) رواه أحمد والبخاري والترمذي، وزاد فيه: ((وعن بيع العنب بالزبيب وعن كل تمر بخرصه)).

الثاني: عن سهل بن أبي حثمة قال: ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع التمر بالتمر، ورخَّص في العرايا)) أي: يشتري بخرصها يأكلها أهلها رطبةً، متفق عليه، وفي لفظ: ((عن بيع التمر بالتمر، وقال: ذلك الربا تلك المزابنة، إلا أنه رخص في بيع العرية النخلة والنخلتين يأخذها أهل البيت بخرصها تمرًا يأكلونها رطبًا))، متفق عليه.

الثالث: وعن جابر قال: سمعت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول حين أذن لأهل العرايا أن يبيعوها بخرصها: ((الوسق والوسقين، والثلاثة، والأربعة)).

الرابع: وعن زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم: ((رخَّص في بيع العرايا أن تُباع بخرصها كيلًا)) رواه أحمد والبخاري، وفي لفظ: ((رخَّص في العرية، يأخذها أهل البيت بخرصها تمرًا يأكلونها رطبًا)) متفق عليه. وفي لفظ آخر: ((رخص في بيع العرية بالرطب، أو بالتمر، ولم يرخص في غير ذلك)) أخرجاه البخاري ومسلم، وفي لفظ: ((بالتمر وبالرطب)) رواه أبو داود.

ثانيًا: الشرح:

حديث جابر أخرجه أيضًا الشافعي، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، وفي الباب -أي: هناك أحاديث في هذا الباب، في بيع العرايا- عن أبي هريرة عند الشيخين: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخَّص في بيع العرايا بخرصها، فيما دون خمسة أوسق، أو في خمسة أوسق))، والعرايا يراد بها النخل.

قوله: ((بيع الثمر بالتمر)) في الأول بالمثلثة وفتح الميم، والثانية بالمثنَّاة الفوقية وسكون الميم، والمراد بالأول ثمر النخلة، أي: هو التمر أيضًا، كما جاء في الروايات الأخرى، وقد صرَّح بذلك مسلم في رواية فقال: “ثمر النخلة”، والمراد الثمر من غير النخل؛ لأنه يجوز بيعه بالثمر، وليس المراد الثمر من غير النخل؛ لأنه يجوز بيعه بالتمر.

قوله: ((إلا أصحاب العرايا)) جمع عرية، قال في (الفتح): وهي في الأصل عطية ثمر النخل دون الرقبة، يعني: تباع الثمرة فقط، كانت العرب عند الجدب تتطوَّع بذلك على من لا تمر له، كما يتطوَّع صاحب الشاة أو الإبل بالمَنيحة، وهي عطية اللبن دون الرقبة. ويقال: عرية النخل -بفتح العين، وكسر الراء- إذا أُفردت عن حكم إخوانها، بأن أعطاها المالك فقيرًا، قال مالك: العرية: أن يُعري الرجلُ الرجلَ النخلة، أي: يهبها له، أو يهب له ثمرها، ثم يتأذَّى بدخوله عليه، ويرخص الموهوب له للواهب أن يشتري رطبها منه بتمر يابس. هكذا علَّقه البخاري عن مالك، ووصله ابن عبد البر من رواية ابن وهب.

روى الطحاوي عن مالك: أن العرية: النخلة للرجل في حائط غيره، فيكره صاحب النخل الكثير دخول الآخر عليه، فيقول: أنا أعطيك بخرص نخلتك تمرًا، فشرط العرية عند مالك أن يكون لأجل التضرُّر من المالك بدخول غيره إلى حائطه -يعني: إلى بستانه- أو لدفع الضرر عن الآخر؛ لقيام صاحب النخل بما يحتاج إليه.

وقال الشافعي في كتاب (الأم)، وحكاه عنه البيهيقي: أن العرايا أن يشتري الرجل ثمر النخلة بخرصه من التمر بشرط التقابض في الحال، واشترط مالك: أن يكون التمر مؤجلًا.

وقال ابن إسحاق في حديثه عن ابن عمر، عند أبي داود، والبخاري تعليقًا: “أن يعري الرجل الرجل”: أن يهب له في ماله النخلة والنخلتين، فيشقُّ عليه أن يقوم عليها، فيبيعها بمثل خرصها. وأخرج الإمام أحمد عن سفيان بن حسين: أن العرايا نخل كانت تُوهب للمساكين، فلا يستطيعون أن ينتظروا بها، فرُخِّص لهم أن يبيعوها بما شاءوا من التمر. وقال يحيى بن سعيد الأنصاري: العرية هي أن يشتري الرجل ثمر النخلات لطعام أهله رطبًا بخرصها تمرًا.

قال القرطبي: كأن الشافعي اعتمد في تفسير العرية على قول يحيى بن سعيد.

وأخرج أبو داود عن عبد ربه بن سعيد الأنصاري -وهو أخو يحيى بن سعيد المذكور- أنه قال: العرية: الرجلُ يعري الرجلَ النخلة، أو الرجل يستثني من ماله النخلةَ يأكلها رطبةً، فيبيعها تمرًا. وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن وكيع قال: سمعنا في تفسير العرية: أنها النخلة، يُعريها الرجلُ للرجلِ، ويشتريها في بستان الرجل.

وقال في (القاموس): وأعراه النخلة: وهبه ثمرة عامها، والعرية: النخلة المعراة، والتي أُكل ما عليها. وقال الجوهري: هي النخلة التي يُعريها صاحبها رجلًا محتاجًا بأن يجعل له ثمرها عامًا، مِن عَرَاه: إذا قصده. قال في (الفتح): صور العرية كثيرة:

الأولى: أن يقول الرجل لصاحب النخل: بعني ثمر النخلات بأعيانها بخرصها من التمر، فيخرصها ويبيعها، ويقبض منه التمر، ويسلِّم له النخلات بالتخلية، فينتفع برطبها.

الثانية: أن يهب صاحب الحائط لرجل النخلات، أو ثمر نخلات معلومة من حائطه، ثم يتضرَّر بدخوله عليه، فيخرصها ويشتري رطبها بقدر خرصته بتمر معجل.

الثالثة: أن يهبه إيَّاها فيتضرر الموهوب له بانتظار صيرورة الرطب تمرًا، ولا يحب أكلها رطبًا؛ لاحتياجه إلى التمر، فيبيع ذلك رطبًا بخرصه من الواهب، أو من غيره بتمر يأخذه معجلًا.

الرابعة: أن يبيع الرجل ثمر حائطه بعد بلوغ صلاحه، ويستثني منه نخلات معلومة يُبقيها لنفسه، أو لعياله، وهي التي عُفي له عن خرصها في الصدقة، وسُمِّيت عرايا؛ لأنها أعريت عن أن تُخرَّص في الصدقة، فرُخِّص لأهل الحاجة الذين لا نقدَ لهم، وعندهم فضول من تمر قُوتهم أن يبتاعوا بذلك التمر من رطب تلك النخلات بخرصها، وهو ما يُطلق عليه اسم العرية: أن يُعري الرجل ثمر نخلات، يبيح له أكلها والتصرف فيها، وهذه هبة محضة.

والحاصل: أن كل صورة من صور العرايا وَرَدَ بها حديث صحيح، أو ثبت عن أهل الشرع، أو أهل اللغة، فهي جائزة لدخولها تحت مطلق الإذن، والتنصيص في بعض الأحاديث على بعض الصور، لا يُنافي ما ثبت في غيرها.

قوله: ((بخرصه)) بالخاء المعجمة، أشار ابن التين إلى جواز كسرها خرصه، وجزم ابن عربي بالكسر، وأنكر الفتح. وجوزهما النووي: خِرصه وخَرصه، وقال: الفتح أشهر قال: ومعناه بقدر ما فيه إذا صار تمرًا، فَمَن فتح قال: هو اسم الفعل، ومَنْ كسَرَ قال: هو اسم للشيء المخروص، قال في (الفتح): والخرص: هو التخمين والحدْس.

قوله: ((الوسق والوسقين)) إلى آخره، استدلَّ بهذا مَن قال: إنه لا يجوز في بيع العرايا إلا ما دون خمسة أوسق، وهم الشافعية، والحنابلة، وأهل الظاهر، قالوا: لأن الأصل التحريم، وبيع العرايا رخصة؛ فيُؤخذ بما يتحقَّق فيه الجواز، ويُلغى ما وقع فيه الشك. ولكن مقتضى الاستدلال بهذا الحديث ألا يجوز مجاوزة الأربعة الأوسق، مع أنهم يجوِّزنها إلى دون الخمسة بمقدار يسير، والذي يدل على ما ذهبوا إليه حديثُ أبي هريرة الذي ذكرناه؛ لقوله: ((فيما دون خمسة أوسق)) أو: ((في خمسة أوسق))؛ فيلغى الشك، وهو الخمسة، ويُعمل بالمتيقن، وهو ما دونها. وقد حكى هذا القول صاحب (البحر) عن أبي حنيفة، ومالك، والقاسم، وأبي العباس. وقد عرفت ما سلف من تحقيق مذهب أبي حنيفة في العرايا.

وحكى في (الفتح) أن الراجح عند المالكية الجواز في الخمسة؛ عملًا برواية الشك، واحتجَّ لهم بقول سهل بن أبي حثمة: أن العرية ثلاثة أوسق، أو أربعة، أو خمسة. قال في (الفتح): ولا حجة فيه؛ لأنه موقوف. وحكى الماوردي عن ابن المنذر: أنه ذهب إلى تحديد ذلك بالأربعة الأوسق، وتعقَّبه الحافظ بأن ذلك لم يوجد في شيء من كتب ابن المنذر. وقد حكى هذا المذهب ابن عبد البر عن قوم، وهو ذهاب إلى ما فيه حديث جابر من الاقتصار على الأربعة، وقد ترجم عليه ابن حبان: الاحتياط لا يزيد على أربعة أوسق. قال الحافظ: وهذا الذي قاله يتعيَّن المصير إليه.

وأما جعله حدًّا لا يجوز تجاوزه، فليس بالواضح؛ وذلك لأن دون الخمسة المذكورة في حديث أبي هريرة يقضي بجواز الزيادة على الأربعة، إلا أن يُجعل الدُّون مجملًا مبينًا بالأربعة، كان واضحًا، ولكنه لا يخفى أنه لا إجمالَ في قوله: ((دون الخمسة))؛ لأنها تتناول ما صَدُق عليه الدون لغةً، وما كان كذلك لا يُقال له مجمل، ومفهوم العدد في الأربعة لا يُعارض المنطوق الدَّال على جواز الزيادة عليها.

قوله: ((ولم يرخص في ذلك)) فيه دليل على أنه لا يجوز شراء الرطب على رءوس النخل بغير التمر والرطب، وفيه أيضًا دليل على جواز الرطب المخروص على رءوس النخل بالرطب المخروص على الأرض، وهو رأي بعض الشافعية، منهم ابن خيران، وقيل: لا يجوز، وهو رأي الإصطخري منهم، وصحَّحه جماعة.

وقيل: إن كانَا نوعًا واحدًا لم يجز، إذ لا حاجة إليه، وإن كانا نوعين جاز، وهو رأي أبي إسحاق، وصححه ابن أبي عصرون وهذا كله، فيما إذا كان أحدهما على النخل، والآخر على الأرض. وأما في غير ذلك فقد قدَّمنا الكلام عليه في الباب الذي قبل هذا.

وإليكم ما قاله صاحب كتاب (سبل السلام) بعدما روى الحديث عن زيد بن ثابت: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخَّص في العرايا أن تُباع بخرصها كيلًا))، قال معلقًا: الترخيص في الأصل التسهيل والتيسير، وفي عُرف أهل الشرع: ما شُرع من الأحكام لعذرٍ مع بقاء دليل الإيجاب والتحريم، لولا ذلك العذر. وهذا دليل على أن حكم العرايا مُخرج من بين المحرمات، مخصوص بالحكم، وقد صرَّح باستثنائه في حديث جابر عند البخاري بلفظ: ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمر حتى يطيب، ولا يباع شيء منه إلا بالدنانير والدراهم إلا العرايا))، وفي قوله في: ((العرايا)): مضاف محذوف أي: في بيع ثمر العرايا؛ لأن العرية: هي النخلة، وهي في الأصل عطية ثمر النخل دون الرقبة، كانت العرب في الجدب يتطوَّع أهل النخل منهم بذلك على مَن لا ثمر له، كما كانوا يتطوَّعون بمنيحة الشاة والإبل.

ثم أتى بحديث أبي هريرة في تحديد مقدار العرية، هل هي أربعة أوسق، أو تصل إلى الخمسة؟ أتى بتلك الرواية عن أبي هريرة رضي الله عنه: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخَّص في بيع العرايا بخرصها من التمر، فيما دون خمسة أوسق))، أو: ((في خمسة أوسق)) يقول في شرحه لهذا الحديث:

بيَّن مسلم أن الشَّكَّ فيه من داود بن الحصين، وقد وقع الاتفاق بين الشافعي ومالك على صحته فيما دون الخمسة، وامتناعه فيما فوقها، والخلاف بينهما فيها -أي: في الخمسة- والأقرب تحريمه فيها؛ لحديث جابر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين أذن لأصحاب العرايا أن يبيعوها بخرصها: ((الوسق والوسقين، والثلاثة، والأربعة)) فلا ذكر للخمسة.

أخرجه أحمد، وترجم له ابن حِبان، قال مالك: الاحتياط على ألا يزيد على أربعة أوسق، وأما اشتراط التقابض، فلأن الترخيص إنما وقع في بعض ما ذُكر مع عدم تيقُّن التساوي فقط، وأما التقايض فلم يقع فيه ترخيص، فبقي على الأصل من اعتباره، ويدل لاشتراطه ما أخرجه الشافعي من حديث زيد بن ثابت أنه سمَّى رجال المحتاجين من الأنصار، شَكَوْا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نقد في أيديهم يبتاعون به رطبًا، ويأكلون مع الناس، وعندهم فضول قوتهم من التمر؛ فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر. وفيه مأخذ لمن يشترط التقابض، وإلا لم يكن لذكر وجود التمر عندهم وجه.

واعلم أن الحديث ورد في الرطب بالتمر على رءوس الشجر، وأما شراء الرطب بعد قطعه بالتمر فقال بجوازه كثيرٌ من الشافعية؛ إلحاقًا له بما على رءوس الشجر؛ بناء على إلغاء وصف كونه على رءوس الشجر، كما بوَّب بذلك البخاري؛ لأن محل الرخصة هو الرطب نفسه مطلقًا أعمُّ من كونه على رءوس النخل، أو قد قُطع؛ فيشمله النص ولا يكون قياسًا، ولا منع فقد تدعو حكمة الترخيص إلى شراء الرطب الحاصل، فإنه قد تدعو إليه الحاجة في الحال، وقد يكون مع المشتري ثمر فيأخذه به، فيدفع به قول ابن دقيق العيد: إن ذلك لا يجوز وجهًا واحدًا؛ لأن أحد المعاني في الرخصة أن يُؤكَل الرطب على التدريج طريًّا، وهذا قصد لا يحصل مما على وجه الأرض.

2. النهي عن بيع اللحم بالحيوان:

عن سعيد بن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم: ((نَهَى عن بيع اللحم بالحيوان)) رواه مالك في (الموطأ)، هذا الحديث في مصطلح أهل الحديث يُعتبر حديثًا مرسلًا لأن سعيد بن المسيب لم يُدرك النبي صلى الله عليه وسلم وإنما يروي عن الصحابة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهنا لم يُذكر الصحابي الذي روى عنه أبو سعيد، وإنما قال: عن سعيد بن المسيب أن النبي، فيكون الحديث هنا مرسلًا.

الحديث أخرجه أيضًا الشافعي مرسلًا من حديث سعيد، ورواه أبو داود في (المراسيل)، ووصله الدارقطني في (الغريب)، عن مالك، عن الزهري، عن سهل بن سعد. وحكم بضعفه، وصوَّب الرواية المذكورة، وتبعه ابن عبد البر. وله شاهد من حديث ابن عمر عند البزار، وفي إسناده ثابت بن زهير، وهو ضعيف. وأخرجه أيضًا من رواية أبي أمية بن يعلى، عن نافع أيضًا، وأبو أمية ضعيف، وله شاهد قوي، وله شاهد أقوى منه من رواية الحسن عن سمرة عند الحاكم، والبيهقي، وابن خزيمة.

وقد اختلف في صحة سَماعه منه، وروى الشافعي عن ابن عباس: “أن جذورًا نُحِرَت على عهد أبي بكر، فجاء رجل بعناق -يعني: شاة صغيرة- فقال: أعطوني بهذا. فقال أبو بكر: لا يصلح هذا”. وفي إسناده إبراهيم بن أبي يحيى، وهو ضعيف، ولا يخفى أن الحديث ينتهض للاحتجاج بمجموع طرقه، فيدلُّ على عدم جواز بيع اللحم بالحيوان، وإلى ذلك ذهبت العترة، والشافعي إذا كان الحيوان مأكولًا، وإن كان غير مأكول؛ جاز عند العترة الكرام، ومالك، وأحمد، والشافعي في أحد قوليه؛ لاختلاف الجنس، وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يجوز لعموم النهي. وقال أبو حنيفة: يجوز مطلقًا واستدل على ذلك بعموم قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: 275]. وقال محمد بن الحسن الشيباني: إن غلب اللحم جاز؛ ليتقابل الزائد منه مع غيره.

هذا الحديث أيضًا جاء في (سبل السلام) وروايته عن سمرة بن جندب: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة)) أي: تأخيرًا، فأتى هنا بتعليق جديد، أو بوصف جديد، وهو كونه نسيئة. إذا لم يكن نسيئة؛ جاز البيعُ على ظاهر هذا الحديث، وسنرى في الشرح ما يقوله الإمام الصنعاني حول هذا الحديث.

قال: رواه الخمسة، وصححه الترمذي، وابن الجارود، وأخرجه أحمد، وأبو يعلى، والضياء في (المختارة)، كلُّهم من حديث الحسن عن سمرة، وقد صحَّحه الترمذي، وقال غيره: رجاله ثقات، إلا أن الحفاظ رجَّحوا إرساله؛ لِمَا في سماع الحسن من سمرة من النزاع، لكن رواه ابن حبان والدارقطني من حديث ابن عباس، ورجاله ثقات أيضًا، إلا أنه رجَّح البخاري، وأحمد إرساله. وأخرجه الترمذي عن جابر بإسناد لين، وأخرجه عبد الله بن أحمد في (زوائد المسند) عن جابر بن سمرة، والطحاوي، والطبراني عن ابن عمر، وهو يعضِّد بعضه بعضًا فيه دليل على عدم صحة بيع الحيوان بالحيوان نسيئةً. إلا أنه قد عارضه رواية أبي رافع: ((أنه صلى الله عليه وسلم استسلف بعيرًا بَكرًا))، وسيأتي، فاختلف العلماء في الجمع بينه وبين حديث سمرة. فقيل: المراد بحديث سمرة أن يكون نسيئة من الطرفين معًا، فيكون من بيع الكالئ بالكالئ، وهو لا يصحُّ، وبهذا فسَّره الشافعي؛ جمعًا بينه وبين حديث أبي رافع، وذهبت الهادويَّة، والحنفية، والحنابلة إلى: أن هذا ناسخ لحديث أبي رافع، وأُجيب عنه: بأن النسخ لا يثبت إلا بدليل، والجمع أولى منه، وقد أمكن بما قاله الشافعي ويؤيِّده آثار عن الصحابة أخرجها البخاري، قال: اشترى ابن عمر راحلةً بأربعة أبعرة مضمونةً عليه، يوفيها صاحبها بالربذة، واشترى رافع بن خديج بعيرًا ببعيرين، وأعطاه أحدهما، وقال: آتيك بالآخر غدًا. وقال ابن المسيب: لا ربا في البعير بالبعيرين، والشاة بالشاتين إلى أجل.

واعلم أن الهادوية يُعلِّلون منع بيع الحيوان الموجود بالحيوان المفقود بأن المبيع القيمي لا بد أن يكون موجودًا عند العقد في مِلك البائع له، والحيوان قيمي مبيع مطلقًا؛ فيجب كونه موجودًا، وإن لم يكن حاضرًا مجلس العقد، فلا بد أن يكون متميزًا عند البائع، إما بإشارة، أو لقب، أو وصف. وكذلك علَّلوا منع قرض الحيوان بعدم إمكان ضبطه، وحديث أبي رافع يزعمون نسخه.

error: النص محمي !!