Top
Image Alt

الرد على الخوارج في تكفير مرتكب المعاصي

  /  الرد على الخوارج في تكفير مرتكب المعاصي

الرد على الخوارج في تكفير مرتكب المعاصي

لقد زعم كثير من فرق الخوارج في القديم والحديث، أن المعاصي من جنس الشرك أو الكفر، ومن ارتكب معصية فقد خالف أصل الإيمان، ولا بد في التوبة منها من العودة إلى الإسلام، أو الدخول في الإيمان مرة أخرى؛ لأنه من عصى الله في أي شيء ولم يتب فهو كافر مرتد حلال الدم، لا سيما إذا ارتكب كبيرة من الكبائر، فذلك أمر كادت فرق الخوارج أن تجمع عليه.

والخوارج إذ يعتقدون هذا إنما أخذوه من عمومات القرآن، مع إغفال النصوص الأخرى، أو الأدلة المخصصة، والسلوك في فهمها مسلكًا ملتويًا منحرفًا، لقد زعموا أن نصوص الشريعة التي جاءت في هذا الصدد، وتناولت هذه القضية على نوعين:

الأول: يبين أن الذنوب كلها كفر وشرك، فمن عصى فقد كفر.

الثاني: يستثني التوبة {إِلاّ الّذِينَ تَابُواْ} [البقرة: 160]، وبالجمع بينهما ينتج أن من عصى الله ولم يتب فهو كافر حلال الدم، كذا زعموا، فإذا سألت: ما الدليل على أن كل الذنوب والمعاصي كفر وشرك عندكم؟

قالوا: هناك الكثير من الآيات مثل قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتّخَذَ إِلَـَهَهُ هَوَاهُ} [الجاثية: 23] وقوله سبحانه: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَبَنِيَ آدَمَ أَن لاّ تَعْبُدُواْ الشّيطَانَ إِنّهُ لَكُمْ عَدُوّ مّبِينٌ} [يس: 60] وكذلك قال عز وجل: {إِنّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىَ الّذِينَ يَتَوَلّوْنَهُ وَالّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ} [النحل: 100] وقوله عز من قائل: {وَإِنّ الشّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىَ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام: 121]. وقوله سبحانه وتعالى: {وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مّهِينٌ} [النساء: 14] كذلك: {وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنّ لَهُ نَارَ جَهَنّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} [الجن: 23] وقوله سبحانه: {بَلَىَ مَن كَسَبَ سَيّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـَئَتُهُ فَأُوْلَـَئِكَ أَصْحَابُ النّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 81].

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى. قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى)).

وفي ردنا عليهم جملة نقول:

أولًا: لقد خُدعتم في فهم هذه النصوص على عمومها؛ لأنكم أخذتم جانبًا من النصوص وتركتم الجانب الآخر فيها، وذلك لأن الله تعالى قد قسم الذنوب إلى قسمين: شرك وما دون الشرك، فقال تعالى: {إِنّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} [النساء: 48] ومعلوم أن المغفرة لا تكون للطاعة بل للمعصية، ولا تكون للحسنة بل للسيئة، فكل ما ذكر من النصوص السابقة وهي من العمومات، لا بد أن يقيد بهذا النص العام، ولا بد أن يفهم أنها ليست على إطلاقها طبقًا للقاعدة الأصولية: حمل العام على الخاص.

فكل هذه النصوص في النهاية كنص واحد يتقيد بنص هذه الآية: {إِنّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ}، ومن العجب أنك تجد هذه التفرقة عند أصحاب هذا الفكر الغريب، إنها تفرقة تحكمية بين النصوص، فتزعم أن النصوص الواردة في الشريعة في جانب الوعد إنما هي للبشارة فقط، وليست للحكم لأحد بعينه بالإسلام، وأن النصوص الواردة في جانب الوعيد إنما هي للحكم مع الترهيب، هذه التفرقة لا تخرج عن كونها تحكمًا وتقديمًا بين يدي الله ورسوله، وقولًا في الإسلام بالرأي وعلى الله بغير علم.

ثانيًا: إن هذه النصوص التي أوردوها في الوعيد معارضة بمثلها في الوعد، فلنتأمل معًا قوله تعالى: {وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [النساء: 13] وقوله تعالى: {وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرّسُولَ فَأُوْلَـَئِكَ مَعَ الّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مّنَ النّبِيّينَ وَالصّدّيقِينَ وَالشّهَدَآءِ وَالصّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـَئِكَ رَفِيقاً} [النساء: 69] وقوله جل وعلا: {وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللّهَ وَيَتّقْهِ فَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْفَآئِزُون} [النور: 52] وقوله سبحانه: {وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} [الأحزاب: 71] وقوله جل وعلا: {وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ} [الفتح: 17].

فإذا قابلنا أي نص من النصوص العامة الواردة في الوعيد، بنص من نصوص الوعد، انكشف لنا في المسألة أمر مهم حري بالبحث والتأمل، إذ لا بد من التوفيق بين العمومات؛ لأن الأخذ بظاهرها موقع في التناقض لا محالة، وبيان ذلك أن التطبيق المباشر لعموم آيات الوعد، تعني أن أي طاعة واحدة تكفي لدخول الجنة حتمًا، ولو اجتمعت معها سائر المعاصي، كما أن التطبيق المباشر لعمومات الوعيد، يعني أن أية معصية واحدة تفضي إلى الخلود في النار حتمًا، ولو اجتمع معها سائر الطاعات من فرائض وقربات، على النحو الذي فهمته الخوارج قديمًا وحديثًا.

فإطلاق الجانبين بهذه الصورة يستحيل شرعًا وعقلًا؛ إذ يرد عليه بأن من جمع بين المعصية والطاعة يكون كافرًا مسلمًا، مخلدًا في النار مخلدًا في الجنة في الوقت نفسه؛ لأنه بمقتضى معصية واحدة تطبق عليه نصوص الوعيد التي تقرر الخلود في النار، كما زعمت الخوارج، وبمقتضى طاعة واحدة تطبق عليه نصوص الوعد التي تقرر الخلود في الجنة، كما زعمت المرجئة، وفي ذلك جمع بين المتناقضين وهو عين المستحيل.

فإذا استبعدنا هذه الطريقة في الفهم لاستحالتها، وجدنا أمامنا طريقين وكلاهما باطل، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن القول بأحدهما ترجيح بلا مرجح إما إطلاق عموم الوعد، كما فعلت طائفة المرجئة، والقول بأن طاعة واحدة تكفي لدخول الجنة، وهذه الطاعة عندهم هي التصديق، ولا بد في جانب الوعيد من اجتماع المعاصي كلها للخلود في النار، ومن ثم شاع عنهم القول: لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وإما إطلاق عموم الوعيد كما فعلت الخوارج، والقول بأن أي معصية واحدة تكفي للخلود في النار، ولا بد في جانب الوعد من اجتماع الطاعات كلها للخلود في الجنة.

وكلا الطريقين في الفهم من الوجهة العقلية يسوغ، كما لا يوجد في جانبي هذه العمومات ما يحول دونه، ويكون الأخذ بأيهما ترجيحًا بلا مرجح، فليس هذا الطريق بأولى في الفهم من ذلك، وبهذا ندرك مغزى قول السلف الصالح: إن قول كل فريق من المتطرفة -المرجئة والخوارج- يكذب الآخر، فنستدل بكلام كل منهما لإبطال كلام الآخر؛ ليبقى الحق من هؤلاء وهؤلاء براء.

وهدى الله السلف الصالح أهل السنة والجماعة إلى العقيدة الرشيدة القويمة، التي لا تعرف الإفراط ولا التفريط{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطاً} [البقرة: 143] وبهذا يتبين لنا أنه ليس للخوارج ولا لأذنابهم من دعاة التكفير اليوم من أدلة على دعواهم، إلا هذه العمومات التي ثبت بطلان الاستشهاد بها، على النحو الذي انحرفوا فيه عن الصراط المستقيم.

ثالثًا: في الرد عليهم مما يبطل إطلاق هذه النصوص والأخذ بعمومها، أنه قد ثبت بالاستقراء أن نصوص الشريعة أطلقت كلًا من المعصية والذنب والخطيئة والسيئة والإثم على الشرك، وعلى ما دون الشرك، فلا يمكن أن نأخذ هذه النصوص على إطلاقها؛ لأن هذا الإطلاق يدخل فيه ما دون الشرك، وهو لا يخرج من الإسلام قطعًا.

ولنذكر الأمثلة بالنسبة للمعصية أطلقت على الشرك في مثل قوله تعالى: {فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رّابِيَةً} [الحاقة: 10]، وفي مثل قوله تعالى: {فَعَصَىَ فِرْعَوْنُ الرّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً} [المزمل: 16]، وقوله تعالى: {وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنّ لَهُ نَارَ جَهَنّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} [الجن: 23]، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى)).

كما أطلقت على ما دون الشرك في قوله تعالى: {وَعَصَىَ ءَادَمُ رَبّهُ فَغَوَىَ} [طه: 121] فإن المعصية هنا ليست من قبيل الشرك لاستحالته على الأنبياء قطعًا، وقولهصلى الله عليه وسلم: ((عدلت شهادة الزور الإشراك بالله)) وهذا الحديث دلالته بينة في بيان الشرك وما دونه، فهو بصدد النكير الشديد على شهادة الزور، والتهويل من شأن هذه الجريمة، التي بلغت لعظمها وبشاعتها مستوى الإشراك بالله، الذي هو أعظم الذنوب كلها.

وبالنسبة للذنب -كلمة الذنب- وهو مرادف للمعصية، ورد بمعنى الشرك في قوله تعالى: {فَدَمْدمَ عَلَيْهِمْ رَبّهُمْ بِذَنبِهِمْ فَسَوّاهَا} [الشمس: 14] وقوله سبحانه: فَاعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ فَسُحْقاً لأصْحَابِ السّعِيرِ} [الملك: 11].

ووردت بمعنى الشرك وما دونه في قوله تعالى: {أَنِ اعبُدُواْ اللّهَ وَاتّقُوهُ وَأَطِيعُونِ}(3) {يَغْفِرْ لَكُمْ مّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخّرْكُمْ إِلَىَ أَجَلٍ مّسَمّى إِنّ أَجَلَ اللّهِ إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [نوح: 3، 4] وقوله تعالى: {فَأَخَذَهُمُ اللّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مّنَ اللّهِ مِن وَاقٍ} [غافر: 21] وقوله عز وجل: {فَكُلاّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مّنْ أَخَذَتْهُ الصّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرْضَ وَمِنْهُمْ مّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـَكِن كَانُوَاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت: 40].

ووردت بمعنى ما دون الشرك قطعًا بل في الصغائر ونحوها، كما قال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {لّيَغْفِرَ لَكَ اللّهُ مَا تَقَدّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخّرَ} [الفتح: 2]، وقوله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنّهُ لاَ إِلَـَهَ إِلا اللّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [محمد: 19]، وقوله سبحانه: {فَاصْبِرْ إِنّ وَعْدَ اللّهِ حَقّ وَاسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ} [غافر: 55]، وقوله تعالى على لسان موسى عليه السلام: {وَلَهُمْ عَلَيّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ} [الشعراء: 14].

وقال صلى الله عليه وسلم: ((ما من مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها وسجودها، إلا كان كفارة لما قبلها من الذنوب، ما لم يؤت كبيرة، وذلك الدهر كله)).

فتبين مما تقدم أنه يستحيل إطلاق كلمة الذنب بمعنى الشرك؛ لأنه قد دخل فيه ما دون الشرك قطعًا، وبهذا يستقيم القول بأنه ليس كل ذنب شركًا.

وكذلك بالنسبة لكلمة الخطيئة، فقد وردت في القرآن الكريم بمعنى الشرك، وذلك في قوله تعالى{بَلَىَ مَن كَسَبَ سَيّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـَئَتُهُ فَأُوْلَـَئِكَ أَصْحَابُ النّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 81]، وأطلقت على الشرك وما دونه في قوله تعالى: {مّمّا خَطِيَئَاتِهِمْ أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُمْ مّن دُونِ اللّهِ أَنصَاراً} [نوح: 25]، وقوله تعالى: {إِنّآ آمَنّا بِرَبّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السّحْرِ وَاللّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىَ} [طه: 73].

وتكون بمعنى ما دون الشرك وذلك في مثل قوله تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام: {وَالّذِيَ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدّينِ} [الشعراء: 82] ولا يمكن أن تكون شركًا لاستحالته على الأنبياء.

وقوله تعالى في الحديث القدسي: ((لو أتيتني بملء الأرض خطايا ولم تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة)) وقوله صلى الله عليه وسلم: ((أريتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، هل يبقي من درنه شيء؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا)). فالخطايا هنا الصغائر؛ بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: ((الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان: مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر)) ولا شك أن الصغائر هي ما دون الشرك. وقوله صلى الله عليه وسلم: ((ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات، قالوا: بلى يا رسول الله. قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلك الرباط فذلكم الرباط)).

ومما تقدم يتبين لك استحالة إطلاق لفظ الخطيئة، للقول بأن كل خطيئة شرك؛ لأن هذا إطلاق يدخل فيه ما دون الشرك، ويظل الشرك نوعًا معينًا من الخطايا، فليست كل خطيئة شركًا، ولكن كل شرك خطيئة.

وما قيل عن كلمة الذنب والخطيئة والمعصية، كذلك يقال في كلمة السيئة التي أطلقت على الشرك في مثل قوله تعالى: {بَلَىَ مَن كَسَبَ سَيّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـَئَتُهُ فَأُوْلَـَئِكَ أَصْحَابُ النّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 81] وأطلقت على ما دون الشرك في مثل قوله تعالى: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفّرْ عَنْكُمْ سَيّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مّدْخَلاً كَرِيماً} [النساء: 31]، واتسعت لتشمل الاثنين معًا: الشرك وما دون الشرك، في مثل قوله تعالى: {وَجَآءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السّيّئَاتِ} [هود: 78] كما قال تعالى: {أَفَأَمِنَ الّذِينَ مَكَرُواْ السّيّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللّهُ بِهِمُ الأرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ} [النحل: 45] وقال عز من قائل: {إِلاّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَـَئِكَ يُبَدّلُ اللّهُ سَيّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رّحِيماً} [الفرقان: 70].

ومن العرض السابق يتبين لك أن كلمة السيئة ككلمة المعصية والخطيئة والذنب، لها إطلاقاتها في نصوص الشريعة، فيراد بها الشرك وما دون الشرك، فيتبين لنا أن أخذ الأمر على عمومه، بأن كل سيئة كفر أو شرك لا يجوز؛ لما تبين أن إطلاق السيئة يدخل فيها الصغائر وهي لا تكفِّر بالإجماع، ومن ثم يبطل القول بأن كل سيئة شرك، ويبقى الشرك سيئة أو سيئات بعينها تحتاج إلى تحديد.

ومثل هذا كلمة الإثم المرادفة لما سبق، وهي أيضًا ترد في القرآن الكريم بمعنى الشرك في مثل قوله تعالى: {وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنّ الّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ} [الأنعام: 120] ووردت بمعنى ما دون الشرك في قوله تعالى: الّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاّ اللّمَمَ} [النجم: 32]، وبمعنى الشرك وما دونه معًا في قوله تعالى: {قُلْ إِنّمَا حَرّمَ رَبّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33]، فارتكاب الإثم محرم، إذًا فكل إثم معصية؛ لأن المعاصي هي المحرمات، ولكن الله عز وجل يبين أنه ليس كل إثم شركًا فيقول: {وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَىَ إِثْماً عَظِيماً} [النساء: 48].

ومما تقدم يتبين استحالة إطلاق النصوص السابقة؛ لأن الإطلاق يدخل فيه ما دون الشرك، وترتيب الخلود في النار على ما دون الشرك أمر بين البطلان، لا يستقيم مع قول الله عز وجل: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} [النساء: 48].

فلا بد من تقييم مثل هذه النصوص وتقييدها؛ ليكون المقصود بها هو الشرك وحده، ويستقيم الحكم بأنه ليست كل معصية شركًا، ولكن الشرك معصية، ويتبين أيضًا من كل ما تقدم أن كلًا من السيئة والذنب والخطيئة والمعصية والإثم، له إطلاق على العموم ليشمل الشرك وما دون الشرك معًا، وإطلاق على ما دون الشرك فقط، ولما كان يطلق على دون الشرك، فلا مساس له بقضية الخلود في النار.

فوجب عقلًا وشرعًا إذا أطلقت أي واحدة منها رتب عليها الخلود في النار، لم تكن على إطلاقها، وإنما تنصرف إلى ما هو شرك، فإذا أطلقت مفردة كان المقصود بها هو الشرك فحسب، مثل قوله تعالى: {بَلَىَ مَن كَسَبَ سَيّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـَئَتُهُ فَأُوْلَـَئِكَ أَصْحَابُ النّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 81] وقوله تعالى: {فَدَمْدمَ عَلَيْهِمْ رَبّهُمْ بِذَنبِهِمْ فَسَوّاهَا} [الشمس: 14].

وأما إذا أطلقت بصيغة الجمع كان المقصود منها اجتماع الشرك مع غيره، مثل قوله تعالى: {فَأَخَذَهُمُ اللّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مّنَ اللّهِ مِن وَاقٍ} [غافر: 21] وقوله تعالى: {وَجَآءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السّيّئَاتِ} [هود: 78] وقوله تعالى: {مّمّا خَطِيَئَاتِهِمْ أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً} [نوح: 25].

فقد وضح الآن الوجه الآخر من القضية، وتبين وجوب فهمها جميعًا في ضوء قوله تعالى: {إِنّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} [النساء: 48].

هذا ونزيد الأمر توضيحًا فيما أوردوه من باقي النصوص العامة، نحو قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتّخَذَ إِلَـَهَهُ هَوَاهُ} [الجاثية: 23] وقوله سبحانه: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَبَنِيَ آدَمَ أَن لاّ تَعْبُدُواْ الشّيطَانَ} [يس: 60] فنقول: بأنه ليست كل معصية تعني عبادة للهوى أو الشيطان؛ لأن طاعة الهوى والشيطان كما تصدق على الشرك، تصدق على ما دون الشرك، وبطل إطلاق القول بأن كل طاعة للهوى أو الشيطان هي شرك، وبالتالي انهدم القول بأن كل معصية شرك.

قوله تعالى: {قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرّسُولَ فإِن تَوَلّوْاْ فَإِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 32].  قالوا: إن كان مطلق التولي عن طاعة الله ورسوله كفرًا، فإن أي معصية كفر.

نقول: إن الله سبحانه وتعالى يأمرنا باجتناب الشرك، ويأمرنا باجتناب ما دون الشرك، وقد وجبت علينا طاعته في ذلك كله، ولكن المولى عظمت رحمته يبين لنا أن من يتولى عن الأُولى: اجتناب الشرك، فمصيره الكفر والخلود في النار، أما من يتولى عن الثانية وهي اجتناب ما دون الشرك، فأمره موكول إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له للآية الكريمة: {إِنّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ} [النساء: 48] فإذا جاءنا بعد ذلك نص عام يبين لنا أن مطلق التولي كفر، حمل على أن الكفر تولٍ عن التوحيد فقط، أما المعاصي فيما دون الشرك فهي إلى الله سبحانه وتعالى، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.

وقوله تعالى: {وَإِنّ الشّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىَ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنّكُمْ لَمُشْرِكُونَ} [الأنعام: 121] هذه الآية أيضًا لا تدل على أن مطلق طاعة الكافرين شرك؛ وذلك لأن الكافرين يعملون أعمالًا مختلفة منها ما هو شرك ومنها ما هو دون الشرك، ومنها أعمال عادية ومنها طاعات وأخلاق رفيعة، ولا شك أنه ليست مطلق طاعة الكافرين، في أي عمل من هذه الأعمال، يعد شركًا، وإنما الشرك هو طاعتهم فيما يفعلون ويأمرون به من أفعال الشرك، وبهذا يبطل إطلاق الآية على القول بأن أية طاعة للكافرين في أي عمل من الأعمال تعد شركًا؛ لأن هذا الإطلاق يدخل فيه ما دون الشرك، كما تدخل فيه الأعمال العادية والقربات، فيصير معنى الآية والله أعلم بمراده: وإن أطعتموهم في شركهم إنكم لمشركون.

وهذا النص أو غيره لا يقتطع من نصوص الشريعة ليفهم وحده، بل لا بد من فهمه في ضوء سائر النصوص الشرعية، التي تناولت قضية الشرك، مع أن الآية تتكلم عن قضية بعينها، وهي أن المشركين أخذوا يجادلون المسلمين في قضية الذبح فقالوا لهم: كيف تأكلون ما ذبحتم بأيديكم، ولا تأكلون ما ذبحه الله سبحانه وتعالى بيده؟ يريدون الميتة فأنزل الله تلك الآية.

ومما يرد على الخوارج قديمًا وحديثًا في هذه القضية، ما جاء في سنة النبي صلى الله عليه وسلم القائل: ((شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)) فكيف يكون أصحاب الكبائر مخلدين في النار أو يكونون كفارًا، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)). وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: ((أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم عليه ثوب أبيض، ثم أتيته فإذا هو نائم، ثم أتيته وقد استيقظ، فجلست إليه فقال: ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق. قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر)). فخرج أبو ذر يقولها، أي قال ذلك في الرابعة، ثم قال في الرابعة: على رغم أنف أبي ذر، فخرج أبو ذر يقولها.

كما قال صلى الله عليه وسلم في أمر الحدود: ((فمن أصاب شيئًا من ذلك فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب شيئًا من ذلك فستره الله عليه، فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له)) ففرق صلى الله عليه وسلم بين المرتدين وأصحاب الحدود.

لم تشرع الحدود على شاكلة واحدة؛ لتكون من باب الردة في أن كل من ارتكب حدًّا يكون كافرًا مرتدًا، فيستوون في الحد، ولكن حد الزنا فيه الجلد أو الرجم، وحد السرقة فيه القطع، وحد الخمر فيه الجلد، وهكذا؛ أما الردة فمن بدل دينه فاقتلوه، فلو كانت كل الذنوب أو الكبائر متساوية لكانت النتيجة واحدة، أن الذنوب من باب الردة، فلا يكون هناك إلا القتل، لكن الإسلام فرق في العقوبات بين واحدة وأخرى، فهذا ردنا على جزئية التكفير بالكبيرة أو بالمعصية، والإصرار عليها.

error: النص محمي !!