Top
Image Alt

الرد على الشبهة السادسة من وجوه

  /  الرد على الشبهة السادسة من وجوه

الرد على الشبهة السادسة من وجوه

أولًا: تمهيد:

ما زالت شبهات الغلاة المدافعين عن الشرك تتوالى، فكما تقدم معنا الرد على شبهات: الشفاعة، والتوسل، والاستغاثة، نقف الآن أمام شبهة جديدة، واعتذار جديد يدافع به الغلاة عن الواقعين في الشرك العملي، والقولي والاعتقادي؛ ظانين أن الشرك لا يقع في هذا الأمة، ولا يتصور وقوعه بين المسلمين، وإذا وجد أحدهم يتوسل بصاحب قبر ليشفي مريضه، ويرد ضالته، ويزيل كربه؛ ينبغي أن لا ينكر عليه منكر ذلك الفعل، ما دام هذا المسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

هذا في اعتقاد الغلاة هو الواجب للمسلم نحو أخيه المسلم، وهو الذي تستوجبه المحبة والأخوة الإسلامية، وأن من أنكر هذا التوجه ورفض تلك الممارسات؛ فقد شارك في الدعوة إلى الفرقة والانشقاق، وتشتيت كلمة المسلمين وتشطير جمعهم، وكأن الغلاة بهذا التصور ينكرون الردة التي حصلت في عهد الصديق رضي الله عنه عقب عصر النبوة مباشرة. وقاتلهم المهاجرون والأنصار، ولم يغنِهِم تلفظهم بالشهادتين ولا كونهم يقرءون القرآن، ولا كونهم في بيئة لا تعبد الأصنام، ولا كونهم يصلون ويصومون ويحجون، ويؤمنون بالبعث؛ لأن من أتى بناقض للتوحيد فقد أفسد إيمانه السابق، كما يفسد الوضوء بناقض من نواقض الوضوء الحسية، كما مرّ معنا سابقًا، ولازم قول هؤلاء المدافعين عن الشرك: أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ورأيناه يصوم ويصلي ويحج ولا ينكر البعث، ويصدق القرآن، ثم رأينا منه الشر الصراح كالسجود للصنم، والاستمداد من المقبورين مدعيًا أن لهم تصرفًا في الكون، ومن رأيناه يفعل ذلك ينبغي –في زعمهم- أن لا نحكم عليه بالكفر! لأن الإيمان -عند أمثال هؤلاء- لا ينقضه شيء! وفي هذا دعوة سافرة إلى الانسلاخ من الدين -نعوذ بالله من مزلات الأقدام، ومزيلات الإسلام.

ثانيًا: من نقض توحيده لا ينفعه كونه في بيئة تقرأ القرآن:

لا شك أن من آمن بالله تعالى وصدّق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به واتبع جميع الأوامر ووقف عند جميع النواهي، محققًا التوحيد -توحيد العبادة- الذي هو أساس الإسلام وروح العقيدة، ولب الرسالة المحمدية، لا شك أن من اتصف بذلك فهو المؤمن حقًّا الذي حقن دمه وعرضه وماله، وصار في كنف الله تعالى، أما من أتى بناقض من نواقض التوحيد؛ فقد أفسد أعماله كلها، وصارت هباءً منثورًا. قال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا} [الفرقان: 23]، ولم ينفعه -عند ذلك- إسلامه السابق ولا كونه يقرأ القرآن ولا في بيئة مسلمة؛ لأنه أتى بما ينقض شهادة أن لا إله إلا الله؛ فلم تنفعه بعد نقضه لها؛ لأنه أفسد إيمانه بذلك الناقض كما يفسد الوضوء بناقض من نواقضه الحسية.

ثم إن الفقهاء في جميع المذاهب قرروا في باب المرتد: أن المسلم مهما بلغ من درجة الصفاء والنقاء، وترقى في منازل الإيمان والإحسان، وأتى بعلامات المؤمن الظاهرة، ثم أتى بشيء من نواقض الإسلام العشرة؛ فإنه يحكم بكفره وردته وخروجه عن دائرة الإسلام -والعياذ بالله تعالى- حيث إن الشرك يفسد الأعمال، وينقض ما أبرمه العبد من أعمال صالحة في الظاهر، وقد نهى الله سبحانه وتعالى عن ذلك كما قال تعالى: {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا} [النحل: 92].

فنواقض الإسلام لا يصح معها إسلام ولا عمل، كما لا تصح الصلاة مع ناقض من نواقض الوضوء، فالشرك مثلًا يفسد العبادة، ويفسد قول: “لا إله إلا الله” مهما كانت العبادة كثيرة، ولو أمثال الجبال، فالشرك يفسدها ويحبطها، ويجعلها هباءً منثورًا؛ لأن الإسلام والشرك لا يجتمعان، فمن ادعى بقاء إسلامه مع ممارسته الشرك؛ فهو كاذب؛ قال الله تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين} [الزمر: 65].

فهذه هي شبهة عُبّاد القبور علماء المشركين الذين يقولون: هذا شرك ولكن لا يكفر من فعله؛ لكونه يؤدي الأركان الخمسة، فإذا كان الأنبياء يكفرون إن هم فعلوا ذلك؛ فكيف بغيرهم؟!.

وأن الذي يكفر به المسلم ليس هو عقيدة القلب خاصة، فإن هذا الذي ذكَّرهم الله لم يريدوا منه صلى الله عليه وسلم تغيير العقيدة، بل إذا أطاع المسلم من أشار عليه بموافقتهم لأجل ماله أو بلده أو أهله مع كونه يعرف كفرهم ويبغضهم فهذا كافر إلا من أكره قال الله تعالى: {وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُون} [الأنعام: 88].

وقد بيَّن الشيخ محمد بن عبد الوهاب –رحمه الله-: أنه لا خلاف بين العلماء كلهم أن الرجل إذا صدَّق رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء وكذَّبه في شيء أنه كافر لم يدخل في الإسلام، وكذلك إذا آمن ببعض القرآن وجحد بعضه، كمن أقر بالتوحيد وجحد وجوب الصلاة، أو أقر بالتوحيد والصلاة، وجحد وجوب الزكاة، أو أقر بهذا كله، وجحد الصوم، أو أقر بهذا كله، وجحد الحج، ولما لم يَنْقَدْ أناسٌ في زمن النبي صلى الله عليه وسلم للحج أنزل الله في حقهم: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِين} [آل عمران: 97].

ومن أقر بهذا كله ولم يؤمن بالبعث، واعتذر بأنه لم يشاهده كفر بالإجماع، وحلَّ دمه وماله كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا * أُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا} [النساء: 150، 151].

فإذا كان الله قد صرَّح في كتابه أن من آمن ببعض وكفر ببعض؛ فهو الكافر حقًّا، وأنه يستحق ما ذكرت؛ زالت الشبهة.        

ثالثًا: فعل الغلاة مع أوليائهم شبيه بفعل المشركين مع أصنامهم:

إن توجه الغلاة إلى الأولياء والصالحين بالدعاء، والرجاء، والاستغاثة، والاستعانة، والاستمداد، مدعين أنهم لا يعبدونهم، ولا يطلبون مهم إلا بسبب منزلتهم وقربهم من الله تعالى فهم يستشفعون بهم، ويتوسلون بهم، ويطلبون الله تعالى بواسطتهم هذا الاعتذار بعينه هو اعتذار المشركين الأولين عن أصنامهم؛ حيث قالوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3]، {وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ} [يونس: 18].

ولا فرق بين السجود للأصنام والتمسح بها وإراقة الدماء، وذبح الذبائح لها، وبين دعاء الأولياء والصالحين ورجائهم والذلة والانكسار لهم، وطلب تفريج الكربات، وتحقيق الرغبات منهم؛ لأن في هذا طلبًا لغير الله تعالى ما لا يقدر عليه إلا الله، وهذا بعينه هو الشرك الذي لا يغفره الله عز وجل فمن صرف شيئًا من أنواع العبادة لغير الله تعالى كمن صرف جميع عباداته لغير الله تعالى، وهذا الصرف للعبادة لغير الله تعالى هو الذي كفّر الله به المشركين في الجاهلية؛ لأن أولئك المشركين لم ينكروا وجود الله تعالى ولم يدعوا مشاركة أصنامهم لله تعالى في الربوبية؛ بل غاية ما كفَّر اللهُ به المشركين هو ذلك التوجه والقصد للأصنام بالدعاء، والرجاء، والاستغاثة، والذبح، والنذر، والاستشفاع رافضين توحيد الألوهية بقولهم: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَاب} [ص: 5].

وهذا الخلط في التوحيد هو الذي فعله الغلاة من هذه الأمة؛ حيث قالوا: نحن نؤمن بأن الله تعالى هو الخالق الرازق، المحيي، المميت، إلا أننا نتوجه لأولياء الله تعالى والصالحين من عباده بالدعاء والرجاء والاستعانة والاستغاثة؛ فَصَرْفُنا لهذه الشعائر التعبدية لأحباب الله المقربين منه لا يعد شركًا ولا يخرجنا ذلك من دائرة الإسلام، غاية ما في الأمر أننا جعلناهم شفعاء ووسائط بيننا وبين ربنا في طلباتنا لتحقيق آمالنا وقضاء حوائجنا.

رابعًا: المؤمن بالله، والرسول، والقرآن، والبعث، لا يصرف شيئًا من أنواع العبادة لغير الله تعالى:

إذا كانت الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر كما قال الله تعالى: {إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُون} [العنكبوت: 45].

فإن شهادة “لا إله إلا الله” تنهى عن نوع خطير من الفحشاء والمنكر، وهو الشرك وأن يتوجه الإنسان إلى غير الله تعالى بأي نوع من أنواع العبادة؛ كالدعاء، والنداء، والرجاء، والذبح، والنذر، والاستغاثة؛ لأن هذا شيء ينقض التوحيد والإسلام ويفسد الأعمال التي سبقت منه؛ لأن كلمة التوحيد وتوابعها من آثارها رفض كل شيء يخدش التوحيد ويؤثر في الإيمان، وينبغي على من عفَّر جبينه وخرّ ساجدًا لله تعالى، وانحنى على كتاب الله تعالى يقرؤه ويتلوه آناء الليل وأطراف النهار، ويؤمن بالبعث، وأن الناس يموتون ويبعثون ويحاسبون يوم القيامة، ثم يصيرون إلى الجنة أو إلى النار، من كان يؤمن بذلك ينبغي أن يكون من آثاره: إيمانه القوي بالله تعالى وحده، وقوة الصلة بينه وبين الله تعالى، وعدم التوجه لغير الله تعالى بشيء من أنواع العبادة؛ لأن ذلك يناقض التوحيد، ويفسد الأعمال، ولا يتصور وجود شرك مع إيمان في قلب مؤمن؛ لأن “لا إله إلا الله” تحرق أنواع الشرك -العملي والاعتقادي والقولي- فمن قالها بحق وصدَّقها بالعمل بمقتضاها؛ فهذا هو المؤمن الذي يرفض أن يصرف شيئًا من عباداته لغير الله تعالى، فآثار ذلك الإيمان

عدم التلبس بشيء من أنواع الشرك أو الإتيان بناقض من نواقض التوحيد، أما من رأيناه يقرأ القرآن ويصلي لله تعالى، ويصوم ويؤمن بالبعث، ثم وجدناه يتوجه لغير الله تعالى بصرف شيء من أنواع العبادة؛ كالدعاء، والنداء، والاستغاثة، فنقول له: من المعلوم أن التوحيد هو أعظم فريضة جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم وهو أعظم من الصلاة والزكاة والصوم والحج؛ فكيف إذا جحدت شيئًا من هذه الأمور؟! أليس ذلك يعتبر شركًا؟! ولو عملت بكل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ثم إذا جحدت التوحيد الذي هو دين الرسل كلهم لا تكون كافرًا؟! سبحان الله! ما أعجب هذا الجهل؟!.

ويقال له أيضًا: هؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلوا بني حنيفة وقد أسلموا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويؤذنون ويصلون، فإن قال: إنهم يقولون: إن مسيلمة نبي، فقل: هذا هو المطلوب، إذا كان من رفع رجلًا إلى رتبة النبي صلى الله عليه وسلم كفر وحل ماله ودمه ولم تنفعه الشهادتان ولا الصلاة؛ فكيف بمن رفع وليًّا أو نبيًّا أو صحابيًّا إلى مرتبة جبار السماوات والأرض، سبحان الله! ما أعظم شأنه!: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُون} [الروم: 59] ويقال له أيضًا: الذين حرقهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالنار كلهم يدَّعون الإسلام وهم من أصحاب علي، وتعلموا العلم من الصحابة، ولكن اعتقدوا في علي مثل الاعتقاد في الأولياء والصالحين، فكيف أجمع الصحابة رضي الله عنهم على قتلهم وكفرهم؟ أتظن أن الصحابة يكفِّرون المسلمين؟ أم تظن أن الاعتقاد في الأولياء والصالحين لا يضر، والاعتقاد في علي رضي الله عنه يُكفِّر؟!.

ويقال له أيضًا: الفاطميون أبناء عبيد القداح الذين ملكوا المغرب ومصر في زمان بني العباس كلهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول، ويدَّعون الإسلام ويصلون الجمعة والجماعة، فلما أظهروا مخالفة الشريعة في أشياء دون ما نحن فيه أجمع العلماء على كفرهم وقتالهم، وأن بلادهم بلاد حرب، وغزاهم المسلمون حتى استنقذوا ما بأيديهم من بلدان المسلمين، فإذا كان الأولون لم يُكفَّروا إلا أنهم جمعوا بين الشرك وتكذيب الرسول والقرآن وإنكار البعث وغير ذلك؛ فما معنى الباب الذي ذكر العلماء في كل مذهب، وهو باب “حكم المرتد” وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه، ثم ذكروا أنواعًا كثيرة كل نوع يكفر ويحل دم الرجل وماله وعرضه، حتى إنهم ذكروا أشياء يسيرة عند من فعلها، مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه، أو كلمة يذكرها على سبيل المزاح واللعب، قال تعالى: {يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ} [التوبة: 74]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لاَ يُلْقِى لَهَا بَالًا، يَرْفَعُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لاَ يُلْقِى لَهَا بَالًا يَهْوِى بِهَا فِى جَهَنَّمَ)).

ولقد كفر الله تعالى المنافقين بكلمة مع كونهم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ويجاهدون معه ويصلون ويزكون ويحجون، وكذلك الذين قال الله فيهم: {قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُون * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة: 65، 66].

فهؤلاء الذين صرح الله فيهم أنهم كفروا بعد إيمانهم وهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك قالوا كلمة ذكروا أنهم قالوها على وجه المزاح؛ فتأمل هذه الشبهة، ثم تأمل جوابها فإنه من أنفع هذه الردود.

خامسًا: كيف يُتصور ممن صلى وصام لله خالصًا من قلبه: إشراك غيره معه في الذبح، والنذر، والدعاء، والرجاء، والاستغاثة، والاستعانة؟!

وهذا الأمر -كسابقه- يفيد أن من صرف لله تعالى عبادة من العبادات خالصة من قلبه لم تَشُبْهَا شائبة إشراك غير الله تعالى مع الله!.

من فعل ذلك ينبغي أن يكون توحيده لله تعالى خالصًا من قلبه؛ لأن الإيمان الصحيح إذا استقر في قلب مؤمن يصلي لله تعالى ويصوم لا يتصور منه أن يعمد إلى مخلوق فقير عاجز بالذات من كل وجه، ويصرف إليه شيئًا من أغلى العبادات وهو الدعاء والرجاء والذبح والنذر.

فالإخلاص لله تعالى في جميع العبادات هو أساس الدين وقوامه وروح العبادة الذي ينبغي، فإذا خُدش هذا الإخلاص، أو فُقد؛ حبط العامل والعمل، كما قال الله تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا} [الفرقان: 23].

وذكر العلامة ابن القيم –رحمه الله-: أن هناك تجريدين لا بد منهما لتحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما: أن تسقط الوسائط والوسائل بينك وبين الله تعالى، ولا تثبت وساطة إلا في وصول أمره ونهيه ورسالته إليك كما تسقط الوسائط بينك وبين الرسول صلى الله عليه وسلم في الطاعة والاتباع، ثم قال: “وهذان التجريدان هما حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله”. انتهى كلامه.

error: النص محمي !!