Top
Image Alt

الرد على الصورتين الفلسفية والعامية للشبهة الأولى

  /  الرد على الصورتين الفلسفية والعامية للشبهة الأولى

الرد على الصورتين الفلسفية والعامية للشبهة الأولى

إن هذه العقيدة هي بعينها عقيدة المشركين الأولين. عباد الأصنام السابقين في تعلقهم بالمخلوقين من دون الله تعالى، كما قال الله عنهم: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر:3]، وقال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ} [يونس:18]، والشفاعة حق، ولكنها ملك لله وحده: {قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [الزمر: 44].

فلا يجوز طلبها من الأموات سواء كانوا أنبياء أو أولياء ولا من غيرهم. وإنما تطلب ممن بيده الأمر كله.

وقد أخبرنا الله تعالى أنها لا تحصل إلا بشرطين:

الأول: إذن الله للشافع أن يشفع، كما قال تعالى: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255].

والثاني: أن يكون المشفوع فيه ممن رضي الله قوله، وعمله وهو المؤمن الموحد، كما قال تعالى: {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء:28]، وقال أيضًا: {يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً} [طه: 109].

فالله لم يرخص في طلب الشفاعة من الملائكة والأنبياء والأصنام؛ لأنها ملكه وحده، منه تطلب، فهو الذي يأذن للشافع أن يشفع، وإن لم يأذن له لم يتقدم في الشفاعة بين يديه، وليس الأمر كما يحصل عند المخلوقين من تقدم الشفعاء إليهم وإن لم يأذنوا لهم، ويقبلون شفاعتهم ولو لم يرضوا بها، فإن المشفوع عنده من المخلوقين يحتاج إلى الشافع ومعاونته فيضطر لقبول شفاعته وإن لم يأذن له فيها. وأما الله سبحانه فهو الغني عما سواه فليس بحاجة إلى أحد بل كل أحد محتاج إليه. وأيضًا المخلوق لا يدري عن كل أحوال الرعية حتى يبلغه عنها الشفعاء لديه، والله سبحانه بكل شيء عليم لا يخفى عليه شيء من أحوال خلقه فليس بحاجة إلى من يبلغه. وحقيقة الشفاعة عند الله سبحانه أن الله تعالى هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص، فيعفو عنهم ويغفر بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع ليكرمه بذلك.

وقد بين الفخر الرازي –رحمه الله-: “أن الأشياء التي عبدها الكفار من دون الله تعالى في القديم شيئان:

  • عقلاء.
  • وغير عقلاء.

أما العقلاء؛ فكالمسيح، وعزير، والملائكة، فإن قومًا منهم عبدوا هؤلاء، وكثير من الناس كانوا يعبدون الشمس، والقمر، والنجوم، ويعتقدون فيها أنها أحياء عاقلة ناطقة.

وأما الأشياء التي عُبِدَت، مع أنها ليست موصوفة بالحياة ولا بالعقل؛ فهي كالأصنام، ومراد الكفار من عبادتها أنها تقربهم إلى الله زلفى، فالعاقل لا يعبد الصنم، والوثن من حيث إنه خشب أو حجر، وإنما يعبده لاعتقاده أن هذه الأصنام تماثيل الكواكب، أو تماثيل الأرواح  السماوية، أو تماثيل الأنبياء والصالحين الذين سلفوا ومقصودهم من عبادتها توجيه تلك القربات إلى تلك الأشياء، التي جعلوا هذه التماثيل صورًا لها.

وتقرير الجواب: أن هؤلاء الكفار إما أن يطمعوا بتلك الشفاعة من هذه الأصنام، أو من أولئك العلماء والزهاد الذين جعلت هذه الأصنام تماثيل لها.

والأول باطل؛ لأن هذه الجمادات وهي الأصنام لا تملك شيئًا ولا تعقل شيئًا، فكيف يعقل صدق الشفاعة عنها؟.

والثاني باطل؛ لأن في يوم القيامة لا يملك أحد شيئًا ولا يقدر أحد على الشفاعة، فكان الانشغال بعبادته أولى من الانشغال بعبادة غيره”. انتهى بمعناه من التفسير الكبير للفخر الرازي.

إذا تبين هذا، فالمشركون قد كانت عبادتهم لآلهتهم هذا الالتجاء والرجاء والدعاء لأجل الشفاعة معتقدين أنها المقربة لهم. فبسبب هذا الاعتقاد والالتجاء أرتقت دماؤهم واستبيحت أموالهم.

فهذا الالتجاء من أجل طلب شفاعة الأصنام ورجائها هو في واقع الأمر لا تصلح إلا لله عز وجل، وهي تعتبر صرفًا لحقوقه تعالى وتعد من الشرك.

وقال العلامة شكري الآلوسي –رحمه الله- في رده على هذه الشبهة: “وسمعت من بعض أغبياء الغلاة وجهلتهم من أهل الثياب المعلمة والأقفاء المورمة والألقاب المفخمة، قال: فإذا قال القائل مستغيثًا بأحد من الأموات: يا فلان افعل كذا وكذا. فالمقصود الطلب من الله أن يقضي حاجته، وبعد أن فرغ من هذا الهذيان وسكت، قلت له: وينبغي على قولك هذا أن يطلب من المخلوق كل شيء يطلب من الخالق، وينبغي ألا يعترض على عبدة الأصنام وطلبهم ما يطلب من الله، فإنهم أيضًا كانوا يعتقدون أن أصنامهم وسائط ووسائل وشفعاء وكانوا: {وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ} [يونس:18]، ويقولون: {نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر:3]، ونحو ذلك من الكلام، وإذا سئلوا: {مَن يَرْزُقُكُم} [يونس:31] {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [لقمان:25]، وقد سبق بيان أن كلام الغلاة هذا وكلام عبدة الأصنام من واد واحد، وقد تشابهت قلوبهم”. انتهى كلامه.

وقد حقق العلامة ابن أبي العز الحنفي –رحمه الله-: أن هذا النوع من الشفاعة والتوسل والتوسيط هو أصل شرك العرب وغيرهم من مشركي الهند والترك والبربر.

وهذه الشبهة حصلت نتيجة لتصور أهل الأهواء البدائي للواسطة، حيث حارت أفئدة كثيرين منهم في تصور إله لا تدركه الأبصار، فالتمسوا الخلاص من هذه الحيرة في حل وسط وشبهة فلسفية، تتمثل في وجود شخصية بشرية ينسبون إليها الألوهية، وتكون برزخًا بين الطرفين. فكانت هذه الحاجة لوجود إله قريب من الأبصار هي التي ألجأت النصارى إلى تصور مثل أعلى أطلقت عليه اسمًا، وكسته لحمًا ودمًا وعبدته بوصفه إلهًا بشريًّا.

وبالجملة: فقد أبطل الله تعالى هذه الشبه وهي بعينها شبهة المشركين.

وذلك ببرهانين عقليين:

أولهما: أنه ليس في آلهة المشركين التي اتخذوها شيء من خصائص الألوهية؛ لأنها مخلوقة، فهي لا تخلق ولا تجلب لعابديها نفعًا ولا تدفع عنهم ضرًّا، ولا تملك لهم حياة، ولا موتًا، ولا نشورًا، ولا تملك شيئًا من ملكوت السموات والأرض، قال الله تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لاَّ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشُورًا} [الفرقان: 3]، وقال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِير * وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِير} [سبأ:22-23]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُون} [البقرة:21-22]، وقال تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُون} [الزخرف:87]، وقال تعالى أيضًا: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُون * فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُون} [يونس:31-32].

خامسًا: الرد على الصورة العامية لهذه الشبهة:

قدمنا أن ملخص هذه الشبهة من هذه الصورة، يقول: إن الإنسان العادي غير مهيأ لمناجاة ربه والطلب منه؛ لأنه موقر بالسيئات وملطخ بالمعاصي، فلابد أن يتجه إلى من يرى أنه أهل لقضاء حاجاته، وتفريج كرباته؛ لأن هذا الغير -وليًّا كان أو نبيًّا- نظيف الظاهر مصقول الباطن، وهو الذي يصلح لمباشرة المناجاة ودعاء الله تعالى والطلب منه.

وللرد على هذه الصورة وهذه الشبهة، ننقل كلامًا نفيسًا للشيخ عبد اللطيف آل الشيخ –رحمه الله- حيث يقول: “فالقول بجواز الاستغاثة بغير الله ودعاء الأنبياء والصالحين، وجعلهم وسائط بين العبد وبين الله والتقرب إليهم بالنذر والنحر والتعظيم بالحلف وما أشبهه مناقضة ومنافاة لهذه الحكمة، التي هي المقصودة بخلق السموات والأرض وإنزال الكتب وإرسال الرسل وفتح لباب الشرك في المحبة والخضوع والتعظيم، ومشاقة ظاهرة لله ورسوله ولكل نبي كريم.

والنفوس مجبولة على صرف ذلك المذكور من العبادات إلى من هو أهل لكشف الشدائد وسد الفاقات، وقضاء الحاجات من الأمور العامة، التي لا يقدر عليها إلا فاطر الأرض والسموات إلى أن قال:- الوجه الثاني: أن هذا بعينه قول عُبَّاد الأنبياء والصالحين من عهد قوم نوح إلى أن بعث إليهم خاتم النبيين، ولم يزيدوا على ما ذكره هؤلاء الغلاة فيما انتحلوه من الشرك الوخيم، والقول الذميم كما حكى الله عنهم ذلك في كتابه الكريم، قال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ} [يونس:18]، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر:3]. فهذه النصوص المحكمة صريحة في أن المشركين لم يقصدوا إلا الجاه والشفاعة والتوسل بمعنى جعلهم وسائط تقربهم إلى الله وتقضي حوائجهم منه تعالى، وقد أنكر القرآن هذا أشد الإنكار، وأخبر أن أهله هم أصحاب النار وأن الله تعالى حرم عليهم الجنة دار أوليائه الأبرار، وجمهور هؤلاء المشركين لم يَدَّعوا الاستقلال ولا الشركة في توحيد الربوبية، بل أقروا واعترفوا بأن ذلك لله وحده، كما حكى سبحانه إقرارهم واعترافهم بذلك في غير موضع من كتابه، فحاصل ما ذكر من جواز الاستغاثة والدعاء والتعظيم بالنذر والحلف مع نفي الاستقلال، وأن الله يفعل لأجله هو عين دعوى المشركين وتعليلهم وشبههم، لم يزيدوا عليه حرفًا واحدًا، إلا أنهم قالوا: قربان وشفعاء، والغلاة سموا ذلك توسلًا فالعلة واحدة، والحقيقة متحدة”.

ثم ذكر الشيخ الوجه الثالث الذي أثبت فيه أن الله سبحانه وتعالى أمر عباده بإفراده بالدعاء والاستغاثة، وإنزال الحاجات وجميع العبادات دون غيره كائنًا من كان.

واستدل بآيات وأحاديث كثيرة تؤيد ما ذكره، ثم قال: “وعلى القول بجعل الوسائط بين العباد وبين الله تقطع أصول هذا الأصل العظيم الذي هو قطب رحى الإيمان، وينهدم أساسه الذي ركب عليه البنيان، فأي فرج وأي نعيم وأي فاقة سُدت وأي ضرورة دُفعت، وأي سعادة حُصِّلت، وأي أنس واطمئنان إذا كان التوجه والدعاء والاستغاثة والذبح والنذر لغير الملك الحنان المنان؟! فصلاح السموات والأرض بأن يكون الله سبحانه هو إلهها دون ما سواه، ومستغاثها الذي تفزع إليه وتلجأ إليه في مطالبها وحاجاتها، وأن الشرع الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم والسنة التي سنها في قبور الأنبياء والصالحين وعامة المؤمنين تنافي هذا القول الشنيع، ومن شم رائحة العلم وعرف شيئًا مما جاءت به الرسل عرف أن هذا الذي قاله الغلاة من جنس عبادة الأصنام والأوثان مناقض لما دلت عليه السنة والقرآن، ولا يستريب في ذلك عاقل من نوع الإنسان”. انتهى كلامه –رحمه الله.

ويحسن بنا أن نختم هذا الدرس بأبيات رائعة لأحد علماء السلف المتأخرين تبين فساد هذه الشبهة، يقول الشيخ حافظ الحكمي –رحمه الله: 

وإن دعا المقبور نفسه فقد

*أشرك بالله العظيم وجحد

لن يقبل الله تعالى منه

*صرفًا ولا عدلًا فيعفو عنه

إذ كل ذنب موشك الغفران

*إلا اتخاذ الند للرحمن

وبهذا يتم الرد على الشبهة، والله أعلم. “اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم”.

error: النص محمي !!