Top
Image Alt

الرد على منكري البعث

  /  الرد على منكري البعث

الرد على منكري البعث

تأملات فيما أجيب به المنكرون للبعث عن كل سؤال سألوه:

تأمل ما أجيب به هؤلاء المنكرون للبعث عن كل سؤال على التفصيل! فإنهم قالوا أولًا: {وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا} فقيل لهم في جواب هذا السؤال:

إن كنتم لا تزعمون أنه لا خالق لكم ولا رب، فهلا كنتم خلقًا لا يفنيه الموت كالحجارة والحديد، وما هو أكبر في صدوركم من ذلك؟ فإن قلتم: كنا خلقًا على هذه الصفة التي لا تقبل البقاء، فما الذي يحول بين خالقكم ومنشئكم وبين إعادتكم خلقًا جديدًا؟

وللحجة تقرير آخر، وهو: لو كنتم من حجارة أو حديد أو خلق أكبر منهما، فإنه قادر على أن يفنيكم ويحيل ذواتِكم وينقلها من حال إلى حال، ومن يقدر على هذا التصرف في هذه الأجسام مع شدتها وصلابتها بالإفناء والإحالة، فما الذي يعجزه فيما دونها؟

ثم أخبر أنهم يسألون سؤالًا آخر بقولهم: {مَنْ يُعِيدُنَا} إذا استحالت أجسادنا وفنيت، فأجابهم بقوله: {الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ}.

فلما أخذتم الحجة ولزمهم حكمها، انتقلوا إلى سؤال آخر يتعللون بها بعلل المنقطع، وهو قولهم: {مَتَى هُوَ} متى يكون اليوم الآخر؟ فأجيبوا بقوله: {عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا} ومن هذا قوله تعالى: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (80) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (81) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يس: 79- 83].

فلو أراد أو طلب أو قصد أعلم البشر وأفصحهم وأقدرهم على البيان، أن يأتي بأحسنَ من هذه الحجة أو بمثلها في ألفاظ تشابه هذه الألفاظ في الإيجاز ووضع الأدلة، وصحة البرهان، لما قدر على أن يأتي بمثل ذلك، فإنه سبحانه افتتح هذه الحجة بسؤال أورده ملحد اقتضى جوابًا، فكان في قوله: {وَنَسِيَ خَلْقَهُ} ما وفى بالجواب، وأقام الحجة، وأزال الشبهة، فأكد سبحانه الحجة بقوله: {قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} فاحتج بالبدء على الإعادة، وبالنشأة الأولى على النشأة الأخرى؛ إذ كل عاقل يعلم علمًا ضروريًّا أن مَن قدَرَ على هذه قدر على الأخرى؛ يعني: من قدر على البدء قدر على الإعادة، وأنه لو كان عاجزًا عن الثانية، لكان عن الأولى أعجز وأعجز، ولما كان الخلق يستلزم قدرة الخالق على مخلوقه وعلمه بتفاصيل خلقه أتبع ذلك بقوله: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} فهو عليم بتفاصيل الخلق الأول وجزئياته ومواده وصورته، فكذلك الثاني -أي: فكذلك الإعادة- فإذا كان تام العلم كامل القدرة، كيف يتعذر عليه أن يحيى العظام وهي رميم!

ثم أكد الأمر بحجة قاهرة وبرهان ظاهر يتضمن جوابًا عن سؤال ملحد آخر، يقول: العظام إذا صارت رميمًا عادت طبيعتها باردة يابسة، والحياة لا بد أن تكون مادتها وطبيعتها حارة رطبة بما يدل على أمر البعث، ففيه الدليل والجواب معًا، فقال تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ} فأخبر سبحانه بإخراج هذا العنصر الذي هو في غاية الحرارة واليبوسة من الشجر الأخضر الممتلئ بالرطوبة والبرودة، فالذي يخرج الشيء من ضده وتنقاد له مواد المخلوقات وعناصرها، ولا تستعصي عليه هو الذي يفعل ما أنكره الملحد من إحياء العظام وهي رميم.

ثم أكد سبحانه هذا بأخذ الدلالة من الشيء الأجل الأعظم على الأيسر الأصغر، فإن كل عاقل يعلم أن من قدر على الشيء العظيم الجليل، فهو على ما دونه بكثير أقدر وأقدر، فمن قدر على حمل قنطار، فهو على حمل أوقية أشد اقتدارًا، فقال تعالى: {أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ} [يس: 81] فأخبر أن الذي أبدع السماوات والأرض على جلالتهما، وعظم شأنهما، وكِبر أجسامهما، وسعتهما، وعجيب خلقهما، أقدر على أن يحيي عظامًا قد صارت رميمًا، فيردها إلى حالتها الأولى، كما قال في موضع آخر: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [غافر: 57].

وقال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} [الأحقاف: 33] ثم أكد سبحانه ذلك وبينه ببيان آخر، وهو أنه ليس فعله بمنزلة غيره الذي يفعل بالآلات والكُلفة والتعب والمشقة، ولا يمكنه الاستقلال بالفعل، بل لا بد معه من آلة ومُعين، بل يكفي في خلقه؛ أي: في خلق الله لما يريد أن يخلقه ويكونه نفس إرادته وقوله للمكوَّن: {كُنْ فَيَكُونُ} فإذا هو كائن كما شاء وأراد.

ثم ختم هذه الحجة بإخباره أن ملكوت كل شيء بيده، فيتصرف فيه بفعله، قال تعالى: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يس: 83]، ومن هذا قوله تعالى: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (39) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} [القيامة: 36- 40].

فاحتج سبحانه على أنه لا يترك الإنسان مهملًا عن الأمر والنهي والثواب والعقاب، وأن حكمته وقدرته تأبى ذلك أشدَّ الإباء، كما قال تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115].

فإن من نقله من النطفة إلى العلقة، ثم إلى المضغة، ثم شَقَّ سمعه وبصرَه وركَّبَ فيه: الحواس والقوى والعظام والمنافع والأعصابَ، والرباطات التي هي أشده، وأحكم خلقه غاية الإحكام، وأخرجه على هذا الشكل والصورة التي هي أتم الصور وأحسن الأشكال، كيف يعجز عن إعادته وإنشائه مرةً ثانيةً؟ أم كيف تقتضي حكمته وعنايته به أن يتركه سدًى؟ فلا يليق ذلك بحكمته، ولا تعجز عنه قدرته، فانظر إلى هذا الاحتجاج العجيب بالقول الوجيز الذي لا يكون أوجز منه، والبيان الجليل الذي لا يتوهم أوضح منه، ومأخذه القريب الذي لا تقع الظنون على أقربَ منه.

وكم في القرآن من مثل هذا الاحتجاج كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ}!! (الحج: 5) إلى أن قال {وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [الحج: 7] وقوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ} [المؤمنون: 12] إلى أن قال: {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 16].

وذكر تعالى قصة أصحاب الكهف، وكيف أبقاهم موتى ثلاثمائة سنة، شمسية، وهي ثلاثمائة وتسع سنين قمرية، وقال فيها سبحانه {وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا} [الكهف: 21].

error: النص محمي !!