Top
Image Alt

الرد على منكري البعث

  /  الرد على منكري البعث

الرد على منكري البعث

يجمع بين منكري معاد الأجسام والأرواح أنهم لا يؤمنون بالوحي, ولا يصدقون الأنبياء فيما جاءوا به؛ فهم إما فلاسفة يُحَكِّمون عقولهم القاصرة الضعيفة، أو أمم ليست على شيء من دين الأنبياء، وإما على شيء محرَّف، أو على خرافة عقدية، فجميعهم لا يصدقون الوحي، ولا يؤمنون بتعاليم الأنبياء -عليهم السلام- وأمر المعاد أمر غيبي لا تصل إلى حقيقته العقول المجردة؛ فلو لم يخبرنا الله تعالى في كتابه، أو علَّمنا رسوله صلى الله عليه وسلم بحقيقة البعث والنشور وإمكانها, لما استطاعت عقولنا مجردةً أن تحيط بتفاصيل تلك الحقيقة؛ مع أن العقول الصحيحة لا تمنع إعادة الخلق وبعثه وإحياءه حياة أخرى، لإمكان القدرة الإلهية التي لا تدرك عقولنا حدودها، فمن يؤمن بالقدرة الإلهية سوف يصدق بقضية البعث والنشأة الأخرى؛ لأنه يُعلَم بالعقل أن إبداع الشيء وإيجاده على غير مثال سابق أصعب, وأبعد من إعادته على شكله وهيئته وصفته.

والذين كذبوا بإعادة الأجسام, أو الذين زعموا أن المعاد للأرواح فقط، أو أن المعاد جسماني فقط، أو أنكروا المعاد بالكلية، أو توقفوا في بيان حقيقة المعاد الأخروي -مخطئون جميعًا؛ لأن خالق الكون قادر على كل شيء, وقد قدر على إيجادهم من عدم فإعادتهم أهون.

قال الشيخ سيد سابق -رحمه الله- في بيانه لشبهة منكري البعث, وردّه عليهم: “لقد استبعد طوائف من الناس هذه الحقيقة -أي: حقيقة البعث والنشور- زاعمين أنها مخالفة لما عهدوه من السنن المألوفة, ومستبعدين ذلك ومستعظمين أمره؛ لأن عقولهم لا تكاد تصدِّق إعادة الحياة إلى الأجسام بعد تفرقها وتحللها، وبعد أن يتداخل بعضها في بعض؛ فإن الإنسان بعد أن يموت يتحول جسمه إلى تراب، ثم يتحول التراب إلى نبات، فيغتذي إنسان آخر بذلك النبات, ثم يموت. هكذا الإنسان يتحول كغيره، وهكذا تتداخل الأجسام بعضها في بعض؛ فكيف يبعث الناس بعد هذا التداخل؟

يجيب علماء العقائد عن هذه الشبهة؛ بأن للإنسان أجزاء أصلية وأجزاء عرضيَّة، والأجزاء الأصلية تبقى كما هي، والأجزاء العرضية هي التي تتحول.

وهذه الشبهة قديمة ولا تزال تتردد في صدر الكثير، والقرآن ذكر هذه الشبهة وعالجها، فقال: {وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاّ حَيَاتُنَا الدّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاّ الدّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنّونَ (24) وَإِذَا تُتْلَىَ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيّنَاتٍ مّا كَانَ حُجّتَهُمْ إِلاّ أَن قَالُواْ ائْتُواْ بِآبَآئِنَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (25) قُلِ اللّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمّ يُمِيتُكُمْ ثُمّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَلَـَكِنّ أَكْثَرَ النّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [الجاثية: 24- 26].

فهؤلاء الذين استنكروا البعث, ردّ الله عليهم بأن استبعادهم لا معنى له؛ لأنهم يجهلون عظمة الله وقدرته، وعلمه وحكمته، وأنهم لا يبصرون في أنفسهم, فهم أنفسهم أدل الدلائل وأقوى الحجج على نفي ما ينكرونه من البعث؛ فالله أحياهم أولًا، وأماتهم ثانيًا، ولا تزال القدرة صالحة لإحيائهم مرة، وجمعهم مرة أخرى يوم القيامة، فأي استبعاد في هذا؟!

والناس يختلفون عند البعث اختلافًا كبيرًا حسب أعمالهم، فالذين صلحت عقائدهم وأعمالهم، وزكت نفوسهم يكونون أكمل أجسادًا وأرواحًا، والذين خبثت أعمالهم، وفسدت عقائدهم يكونون أنقص أجسادًا وأرواحًا.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: صنف مشاة، وصنف ركبان، وصنف على وجوههم. قيل: يا رسول الله، كيف يمشون على وجوههم؟ قال: إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم، أما إنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك)).

وفي الحديث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((يحشر المتكبرون المتجبرون يوم القيامة في صور الذر، يطؤهم الناس؛ لهوانهم على الله  عز وجل )).

وروى مسلم عن جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((يبعث كل عبد على ما مات عليه))، أي: إن من مات على خير بُعث على حال سارة، ومن مات على شر بعث على حال شنيعة.

ومع كون البعث بالأجساد والأرواح، إلا أن القوى الروحية تكون هي القادرة على التصرف في الأجساد، فتستطيع قطع المسافات البعيدة في أقصر مدة، والتخاطب بالكلام بين أهل الجنة والنار، ويكون مثلهم في ذلك مثل الملائكة والجن في قدرتها على التشكل، وظهورها في أجساد تأخذها من مادة الكون، وقد ثبت ذلك ثبوتًا علميًّا، كما تقدم في مسألة الروح” انتهى كلامه.

وقال الشيخ السفاريني -رحمه الله- في رده على المنكرين لبعث الأجساد، وحول أن هذا البعث هل يسمى إعادة بعد تفرق أم بعد عدم؟: “اختلف الناس: هل البعث إعادة بعد تفريق، أو إيجاد معدوم؟

قال عكرمة -رحمه الله-: إن الذين يغرقون في البحر وتقتسم لحومهم الحيتان، ولا يبقى منهم شيء إلا العظام, فتلقيها الأمواج إلى الساحل فتمكث حينًا، ثم تصير نخرة، ثم تمر بها الإبل فتأكلها، ثم تسير الإبل فتبعر، ثم يجيء قوم فينزلون فيأخذون ذلك البعر فيوقدونه، ثم تخمد تلك النار فتجيء الريح فتلقي ذلك الرماد على الأرض، فإذا جاءت النفخة، فإذا هم قيام ينظرون؛ يخرج أولئك وأهل القبور سواء”.

قال العلامة الشيخ مرعي -رحمه الله-: “قال العلماء: إن الله تعالى يجمع ما تفرق من أجساد الناس, من بطون السباع وحيوانات الماء، وبطن الأرض، وما أصاب النيران منها بالحرق والمياه بالغرق, وما أبلته الشمس، وذرته الرياح، فإذا جمعها وأكمل كل بدن منها، ولم يبقَ إلا الأرواح نفخ إسرافيل عليه السلام في الصور, فأرسلها بنفخة من ثقب الصور، فترجع كل روح إلى جسدها، فإذا هم قيام ينظرون”.

والحاصل: أن إعادة الأجسام حق يجب الإيمان به، ثم هذه الإعادة هل هي المعدوم المحض، أو التفريق المحض؟ والمشهور: أنه جمع متفرق، والأصح: أنه إيجاد بعد عدم، ونص عليه علماء السنة، وكذا المعتزلة، وهو مذهب المحققين.

وقيل: نمنع إعادة الأعراض مطلقًا كما ذهب إليه بعض الأشاعرة، وذهب أكثر المعتزلة إلى امتناع إعادة الأعراض, التي لا تبقى كالأصوات والإرادات؛ لاختصاصها عندهم بالأوقات. وقسموا الباقية إلى ما يكون مقدورًا للعبد فمنعوا إعادتها، وإلى ما لا يكون مقدورًا للعبد فجوّزوا إعادتها.

وقد قال ابن العربي في (سراج المريدين) -رحمه الله- والقرطبي في (تذكرته) -رحمه الله-: “الذي عند أهل السنة: أن تلك الأجساد الدنيوية تُعاد بأعيانها وبأعراضها، بلا خلاف بينهم” انتهى كلام القرطبي -رحمه الله.

error: النص محمي !!