Top
Image Alt

الركائز الرئيسة في الدعوات الإلهية

  /  الركائز الرئيسة في الدعوات الإلهية

الركائز الرئيسة في الدعوات الإلهية

أولًا: الدعوة إلى التوحيد:

إن الدعوات الإلهية جميعًا جاءت لتبليغ دين الله -تعالى-؛ إذ توحيد الله -تعالى- وإفراده بالعبادة هو غاية خلق العالمين، وهو سبب العصمة في الدنيا وسبب النجاة يوم القيامة، وقد جعله الله -تعالى- شرطًا لصحة وقبول سائر الطاعات والعبادات.

وإذا تأملنا دعوات رسل الله -تعالى- جميعًا؛ لوجدنا أن أول شيء دعوا إليه هو توحيد الله وإفراده بالعبادة، والإيمان باليوم الآخر وغير ذلك مما قص الله علينا في كتابه قال -جَلَّ مِنْ قَائِل: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىَ قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُمْ مّنْ إِلَـَهٍ غَيْرُهُ إِنّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأعراف: 59].

وقال عن نبي الله -تعالى- هود: {وَإِلَىَ عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُمْ مّنْ إِلَـَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتّقُونَ} [الأعراف: 65].

وقال: {وَإِلَىَ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُمْ مّنْ إِلَـَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيّنَةٌ مّن رّبّكُمْ} [الأعراف: 73].

وقال: {وَإِلَىَ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً فَقَالَ يَقَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَارْجُواْ الْيَوْمَ آلاَخِرَ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ} [العنكبوت: 36].

ونقل ربنا -تبارك وتعالى- قول إمام الأنبياء وأبي الأنبياء إبراهيم في قوله تعالى: {وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاتّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 16].

ونقل عن المسيح عيسى: {وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِيَ إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبّي وَرَبّكُمْ إِنّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنّةَ وَمَأْوَاهُ النّارُ وَمَا لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} [المائدة: 72].

إذًا هذا كان أول ما دعت إليه الرسل -عليهم صلوات الله وسلامه- أول واجب على العبيد معرفة الرحمن بالتوحيد؛ إذ هو من كل الواجبات أعظم.

ثانيًا: العلم بالله -تعالى:

إن من أعظم الركائز التي قامت عليها دعوات أنبياء الله ومرسليه هي قوة العلم بالله، وحسن معرفة الله عز وجل وذلك يؤثِّرُ بالضرورة في صدق الإيمان وكمال التوحيد.

العلم بالله -تعالى- وبأمره أعظم من أن يحاط بفضله، أو أن يدركه جليل قدره؛ قال -جَلَّ مِنْ قَائِل: {هَلْ يَسْتَوِي الّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنّمَا يَتَذَكّرُ أُوْلُو الألْبَابِ} [الزمر: 9].

ما عُبِدَ الله عز وجل بشيءٍ أفضل من العلم، وأعلم الناس بالله عز وجل هم أنبياؤه ورسله -عليهم الصلاة والسلام- وهذا العلم به سبحانه وبأسمائه وصفاته هو الذي أثر هذه الخشية العظيمة، وأورثها هذا الإيمان الصادق والتوحيد الكامل لله عز وجل لأنه كلما كان العبد أعلم وأعرف بربه سبحانه؛ كان أشد خوفًا وتعظيمًا وعبادةً ومحبةً وإخلاصًا والعكس بالعكس.

واختص الله -تعالى- رسله، ومَنَّ عليهم بهذا العلم النفيس حتى زكت نفوسهم وارتفعت أقدارهم، والمسلم مطالب بطلب هذا العلم قدر استطاعته؛ اقتداء بأنبياء الله -عليهم الصلاة والسلام- وإرساءً لهذا المبدأ في الدعوة إلى الله، ولو أن الإنسان لن يصل إلى علم أنبياء الله، ولا إلى إيمانهم، لكنه بذلك يحاول ويطاول، يقترب منهم ويسعد بثمار هذا العلم العظيم في قلبه وسلوكه وحياته.

ومن الأدلة على شرف هذا العلم، وأن أولى الناس به الأنبياء والمرسلين: قوله تعالى عن إبراهيم عليه السلام في دعوته لأبيه: {يَأَبَتِ إِنّي قَدْ جَآءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتّبِعْنِيَ أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً} [مريم: 43].

وقال عن يعقوب صلى الله عليه وسلم: {وَإِنّهُ لَذُو عِلْمٍ لّمَا عَلّمْنَاهُ} [يوسف: 68] وهو يقول لبنيه: {أَلَمْ أَقُلْ لّكُمْ إِنّيَ أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [يوسف: 96].

وهذا نوح يقول لقومه: {أُبَلّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 62] وهكذا يستمر نوح يقرر لقومه فيقول: {قَالَ يَقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيّنَةٍ مّن رّبّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً مّنْ عِندِهِ فَعُمّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} [هود: 28].

وهذا صالح أيضًا يقول: {يَقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيّنَةٍ مّن رّبّيَ} [هود: 63] هذه هي البينة هذا هو العلم.

وهذا شعيب: {قَالَ يَقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيّنَةٍ مّن رّبّي} [هود: 88].

هذا كله تقرير للعلم بالله عز وجل وموسى عليه السلام يضرب المثل والقدوة في البحث عن العلم وطلبه وقصة سفره مع الخضر عليه السلام معلومة مشهورة، قصها الله علينا في كتابه الكريم، والشاهد منها قول الله -تعالى: {قَالَ لَهُ مُوسَىَ هَلْ أَتّبِعُكَ عَلَىَ أَن تُعَلّمَنِ مِمّا عُلّمْتَ رُشْداً} [الكهف: 66].

والله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- قال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {قُلْ إِنّي عَلَىَ بَيّنَةٍ مّن رّبّي وَكَذّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ للّهِ يَقُصّ الْحَقّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} [الأنعام: 57]. والنبي صلى الله عليه وسلم يؤكد على هذا المعنى عندما تنزَّهَ بعض أصحابه عن شيء رخصَ فيه نبينا؛ فخطب الله فحمده ثم قال: ((ما بالُ أقوامٍ يتنزهون عن الشيء أصنعه، فوالله، إني لأعلمهم بالله، وأشدهم له خشية)).

والعلم قبل القول والعمل؛ فالعلم إمام العمل، وهو أيضًا أمام العمل؛ ذلك أن العلم شجرة، والدعوة ثمرة؛ فالدعوة بلا علم سعي بلا هدي.

فيتعين على كل داعية أن يتعلم من دينه ما تصح به عقيدته أولًا، وما تصح به دعوته ثانيًا، وما يؤهله لإظهار الحق، ودحض شبهات الباطل، والعلم يجب أن يتقدم الرأي الشخصي؛ لأن الدعوة إلى الله في هذا الزمان تعالج أمورًا عظيمةً، وقضايا كبيرةً، ونوازلَ في مختلفِ الجوانب التي يجب أن تنالها يد الإصلاح.

والواقع المعاصر: يشهد بتحولِ المواقف والرؤى في قضايا كثيرة من الضد إلى الضد؛ ومن أسباب هذه الحالة ضعف العناية بالعلم الشرعي ولا شك، وعمر رضي الله عنه يقول: “تعلموا قبل أن تسودوا”. قال البخاري: وبعد أن تسودوا، وقد تعلم الصحابة وهم كبار.

ثالثًا: الدعوة إلى عبادة الله -تعالى- وحده وحسن الاتباع:

تأكد لدينا من خلال دراسة دعوات الأنبياء جميعًا، ومن خلال التعرف على مناهجهم في الدعوة إلى الله: أنهم دعوا إلى عبادة الله وحده، وأن الدعوة إلى عبادة الله جاءت متلازمة مع الدعوة إلى التوحيد؛ لأن التوحيد النظري بلا عبادة عبث لا يجوز في دين الله -تعالى- ليس التوحيد أن يقتصر الداعية في دعوة على إثبات وجود الله -تعالى- فالأدلة على ذلك بعدد مخلوقاته لكن الدعوة إلى التوحيد تعني في أصلها إفراد الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بالعبادة؛ العبادة تشعر الإنسان باحتياجه إلى الله عز وجل وهذه العبادة إنما تقوم على منهج الاتباع، ولا تقوم على شيء من الابتداع، والنجاة في هذه الدنيا في العبادة على قدم الاتباع: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبّونَ اللّهَ فَاتّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران: 31].

النجاة في هذه الدنيا من الابتداع والافتراق وفي الآخرة من النار والعذاب إنما تكون بحسن الاتباع في عبادة الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وقد حكى نبينا صلى الله عليه وسلم افتراق بني إسرائيل؛ فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن نبينا صلى الله عليه وسلم قال: ((وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة، قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي)) فالاتباع في العبادة يكون للكتاب المنزل، ويكون للنبي المرسل، قال -جَلَّ مِنْ قَائِل: {وَهَـَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتّبِعُوهُ} [الأنعام: 155]. فكل أمة أمرت بأن تتبع كتابها، والنبي المرسل في زمانه هو قدوة هؤلاء الناس جميعًا، قال -جَلَّ مِنْ قَائِل: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبّونَ اللّهَ} فهذا يقوله كل نبيٍّ لأمته؛ إن اتباع النبي يعني اتباعًا لكتابه الذي أنزل عليه، ويعني: اتباعًا للشرع المطهر الذي جاء به، قال -جَلَّ مِنْ قَائِل: {ثُمّ جَعَلْنَاكَ عَلَىَ شَرِيعَةٍ مّنَ الأمْرِ فَاتّبِعْهَا} [الجاثية: 18].

وشأن الاتباع أن يكون أول ما يكون في الاعتقاد، وقد ضل فيه أهل الأهواء كما يكون أيضًا في السلوك، وقد ضل فيه أهل الرهبانية، والاتباع في شأن الدعوة إلى الله أمر واجب وحتم لازم، قال -جَلَّ مِنْ قَائِل: {وَأَنّ هَـَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتّبِعُوهُ وَلاَ تَتّبِعُواْ السّبُلَ فَتَفَرّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153] فالمخالفة لسبيل المؤمنين تعرض للفتنة، أو تعرض للعذاب الأليم، قال تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] ولن يصلح هذه الأمة في آخرها إلا ما صلح به أمر أولها.

ونحن حين ننظر في مناهج الأنبياء، وفي دعواتهم نقف على منزلة العبادة، فهذا إبراهيم عليه السلام يدعو ربه أن يمكنه وذريته من إقامة الصلاة فيقول: {رَبّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصّلاَةِ وَمِن ذُرّيَتِي رَبّنَا وَتَقَبّلْ دُعَآءِ} [إبراهيم: 40].

ومن الأوصاف التي استحق بها إسماعيل عليه السلام أن يمدح في كتاب الله قول الله -تعالى: {وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصّـلاَةِ وَالزّكَـاةِ وَكَانَ عِندَ رَبّهِ مَرْضِيّاً} [مريم: 55].

وحين كَلَّفَ الله عز وجل موسى بالرسالة كان من أول ما أمره به الصلاة؛ حيث قال تعالى: {إِنّنِيَ أَنَا اللّهُ لآ إِلَـَهَ إِلآ أَنَاْ فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصّلاَةَ لِذِكْرِيَ} [طه: 14] وأمره الله عز وجل وأمر أخاه فقال: {أَن تَبَوّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصّلاَةَ وَبَشّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 87].

ومن وصايا لقمان لابنه: {يَبُنَيّ أَقِمِ الصّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىَ مَآ أَصَابَكَ إِنّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الاُمُورِ} [لقمان: 17].

الصلاة والزكاة أول ما نطق به عيسى عليه السلام وهو صبي في المهد حيث قال: {وَأَوْصَانِي بِالصّلاَةِ وَالزّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً} [مريم: 31] نحن نقف من وراء ذلك كله على أن الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- جعل العبادة أصلًا عظيمًا وبابًا كريمًا، ومعلمًا واضحًا بينًا في دعوات الأنبياء والمرسلين، العناية بشعائر التعبد من الصلاة والصيام والزكاة ونحو ذلك مما أوجب الله على الأنبياء، وعلى أتباع الأنبياء، هكذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم وكان أسلافنا في الدعوات إلى -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- وكانوا في هذه العبادة من أحذر الناس أن يقعوا في بدعة، أو أن يفتحوا باب فتنة؛ فكان تمام الموافقة للسلف الصالح في العلم والعمل، والدعوة.

فقد أمرنا أن نقتدي ولا نبتدي، وأن نتبع ولا نبتدع، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه والدعاة إلى الله في هذا الميدان يندبون إلى الإقدام حيث أقدم السلف، ويحجمون حيث أحجموا، ويسكتون حيث سكتوا، كما قال الأول: قف حيث وقف القوم، وقل كما قال القوم، وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح؛ فإنه يسعك ما وسعهم.

رابعًا: الدعوة إلى مكارم الأخلاق:

إن الأخلاق من أهم الجوانب التي عني المرسلون بتأصيلها، وتكميلها وتوضيحها وإظهارها بالقدوة والسلوك، كما كان شأنهم في توحيدهم وإيمانهم، ومعرفتهم بربهم سبحانه وتعالى إن الفكر ليكل، وإن القلم ليعجز عندما يحاول أن يحيط بأخلاق وسلوكيات صفوة عباد الله عز وجل سواء كانت الإحاطة من جهة الكم أو كانت من جهة الكيف؛ فالأنبياء الذين ذكر الله عز وجل فضلهم، وبَيَّنَ منزلتهم، قال عنهم: {أُوْلَـَئِكَ الّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90] ونبينا صلى الله عليه وسلم قال: ((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)) هو متمم لهذه المكارم، ومتمم لرسالة من سبقه من الرسل؛ فكان من أهدافه في رسالته نشر هذه الجوانب الرسالية الأخلاقية لهذه الرسالة الخاتمة.

وإننا إذا حاولنا أن نتأمل هذه الدعوة -دعوة أنبياء الله ومرسليه إلى مكارم الأخلاق- نجدها تمضي من خلال أخلاق عظيمة، اتسموا بها واتصفوا بها وتمضي من خلال الدعوة إلى الأخلاق مع بدءِ الدعوةِ إلى التوحيد، بدأ الرسل في دعوتهم إلى الأخلاق متزامنًا ذلك مع دعوتهم إلى التوحيد حين صنعوا بالأخلاق حاجزًا بين الأخلاق وشهوتها، وبين القلوب وأهوائها.

نوح عليه السلام يبعثه الله -تعالى- في قوم فسدت أخلاقهم، انحرفت عقائدهم، ولقنوا ناشئتهم هذه المبادئ الباطلة، وهذه الأخلاق الفاسدة ومع هذا نجده يدعوهم إلى التوحيد ويأمرهم به، ويأمرهم بأن تحسن أخلاقهم، وأن تستقيم طرائقهم، ونحن نلمس مع الدعوة إلى الأخلاق دعوة إلى التوحيد، وارتباطًا بذلك. وهذا نوح عليه السلام يقول لقومه: {يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ} [الأعراف: 61] بعد أن نسبوه إلى الضلال؛ يرد عليهم برفقٍ، يرد عليهم بنصح، يرد عليهم بشفقة: {قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ وَلَكِنّي رَسُولٌ مّن رّبّ الْعَالَمِينَ (61) أُبَلّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 61، 62] فخلق النصح بَيِّنٌ في دعوة نوح -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

وكذا نبي الله هود، وكذا صالح، وكذا شعيب، فيقول الله على لسان نبي الله هود: {أُبَلّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ} [الأعراف: 68] فالدعوة إلى التوحيد مرتبطة بالنصح والشفقة، والخلق الحسن. وهذا صالح -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- يحكي الله عنه فيقول: {فَتَوَلّىَ عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لاّ تُحِبّونَ النّاصِحِينَ} [الأعراف: 79]. وعن شعيب يقول: {فَتَوَلّىَ عَنْهُمْ وَقَالَ يَقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَىَ عَلَىَ قَوْمٍ كَافِرِينَ} [الأعراف: 93].

وخُلُقُ الصبر خُلُقٌ عظيم من الله -تعالى- به على أنبياء الله، وآتاهم منه القدح المُعَلَّى؛ فحازوا قصب السبق في هذا الصبر، الذي كتب الله -تعالى- لهم به الأجور، قال الله -تعالى- مسليًا نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم: {وَلَقَدْ كُذّبَتْ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىَ مَا كُذّبُواْ وَأُوذُواْ حَتّىَ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَآءَكَ مِن نّبَإِ الْمُرْسَلِينَ} [الأنعام: 34] وقال تعالى عن بعض أنبيائه: {وَلَنَصْبِرَنّ عَلَىَ مَآ آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكّلِ الْمُتَوَكّلُونَ} [إبراهيم: 12] وقال -جَلَّ مِنْ قَائِل: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ الْعَزْمِ مِنَ الرّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِل لّهُمْ} [الأحقاف: 35].

وهكذا نجد الأخلاق تترى في الدعوة إلى الله عز وجل وتسير جنبًا إلى جنب مع الدعوة إلى التوحيد.

ومن الركائز أو من الاتجاهات الأساسية في إصلاح الأخلاق: تركيز أنبياء الله -تعالى- على الرذائل المتفشية؛ فإن أنبياء الله -تعالى- ما كانوا ليغضوا الطرف عن تلك الفضائح الأخلاقية، سواء تعلقت بأمور مالية أو أمور اجتماعية كانت فيها أو كان فيها أولئك القوم؛ ولهذا نرى شعيبًا عليه السلام يقول لقومه: {وَيَقَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ} [هود: 85] فهو لا يتركهم وشأنهم يطففون في المكيال والميزان، ويبخسون الناس ما آتاهم الله -تعالى.

وكذا نرى لوطًا عليه السلام ينكر على قومه أشد النكير تلك الفعلة الشنعاء فيقول: {أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مّن الْعَالَمِينَ (80) إِنّكُمْ لَتَأْتُونَ الرّجَالَ شَهْوَةً مّن دُونِ النّسَآءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مّسْرِفُونَ} [الأعراف: 80، 81].

وقد رأينا أيضًا: أن من هذه المعالم معلم الصفح والصبر، والكف عن الذين يُعنِتُون الدعاة في سبيل الله، ذلك أنه ما قام داعية قط يدعو إلى الله إلا أوذي، ما قام داعية قط يدعو إلى توحيد الله إلا عُودي، وهذه سنة الله -تعالى- في خلقه، سنة الله في أنبيائه ورسله، هذه السنة تجري، وإذا جرت فلا بد من أن يُقابل ذلك الاعتداء بصفح وصبر وكف أذى، وكف يد، وهذا من أعظم وأظهر الملامح في فترات الاستضعاف التي مر بها أتباع الرسل أنبياء الله نوح وهود وصالح، والذين من بعدهم -عليهم الصلاة والسلام- هددهم أقوامهم بالقتل تارةً، وبالإخراج من الأرض والنفي تارةً، فما كان منهم إلا أن صبروا، وصفحوا، واستعانوا بالله عز وجل وتوكلوا عليه، وعَلَّموا أتباعَهم هذا المعلمَ، كما قال الله: {وَمَا لَنَآ أَلاّ نَتَوَكّلَ عَلَى اللّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنّ عَلَىَ مَآ آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكّلِ الْمُتَوَكّلُونَ} [إبراهيم: 12].

شعيب عليه السلام هدده قومُه بالإخراج، أو أن يرجع إلى ملتهم، فقال: {عَلَى اللّهِ تَوَكّلْنَا رَبّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} [الأعراف: 89] وموسى عليه السلام لما هدد فرعون قومه بقتل الأبناء واستحياء النساء، قال لهم: {اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُوَاْ إِنّ الأرْضَ للّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتّقِينَ} [الأعراف: 128] ونبينا صلى الله عليه وسلم آذانه الكفار بأن يقتلوه، أو يخرجوه، أو يثبتوه، ومع هذا صبر وصفح، وكان النبي صلى الله عليه وسلم القدوةَ في هذا، وعَلَّمَ أصحابه من بعد في مكة أن يكفوا أيديهم، فقال جل من قائل­: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفّوَاْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصّلاَةَ وَآتُواْ الزّكَاةَ} [النساء: 77] فلم يؤذن لهم في قتال، ولم يؤذن لهم في مواجهة، بل أمروا بالصفح ما داموا في مكة؛ حتى إذا انتقلوا إلى المدينة، وانتقلت الدعوة إلى مرحلة جديدة، وإلى طَوْر جديد، أذن لهم في أن يردوا الكيدَ الذي كِيد لهم، وأن يعتدوا بمثل ما اعتُدي به عليهم، ثم فُتِحَ لهم الباب بعد ذلك؛ ليجاهدوا في سبيل الله.

سادسًا: مراعاة السنن الربانية في التغيير:

قال ربنا -جل من قائل: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذّبِينَ} [آل عمران: 137] وقال عز وجل: {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاّ سُنّةَ آلأوّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنّةِ اللّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنّةِ اللّهِ تَحْوِيلاً} [فاطر: 43] أوجب الله عز وجل على دعاته من الأنبياء والمرسلين، وممن يَقْفو أثَرَهم من الدعاة والصالحين، أن يقفوا عند السنن الربانية التي تُتلمس من دعوات الأنبياء -عليهم صلوات الله وسلامه- لأن هذه السنن تمضي في خلق الله جميعًا، تمضي لا تحابي أحدًا، تمضي لتحقق موعود الله عز وجل لأنبيائه ورسله، وهذا الموعود إنما يتأتى بالنظر في سير هؤلاء الأنبياء وأولئك الصالحين والمصلحين.

إن سنن الله -تبارك وتعالى- تمضي لا تحابي ولا تجامل أحدًا، وهذه السنن تعلمنا أن الله -تبارك وتعالى- لا يجمع بين المختلفين، كما قال -جل من قائل­: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ} [القلم: 35] كما لم يكن المسلمون كالمجرمين عملًا، فإنهم لا يكونون جزاء، نعم من هذا الباب صارت قصص المتقدمين عبرةً للمعتبرين، والله -تبارك وتعالى- ضرب الأمثال في القرآن؛ لنعتبر، والله -تبارك وتعالى- لا يخلف وعده وتلك سنته، قال -جل من قائل: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللّهُ وَعْدَهُ وَإِنّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مّمّا تَعُدّونَ} [الحج: 47] وقال -جل من قائل: {أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ مّكّنّاهُمْ فِي الأرْضِ مَا لَمْ نُمَكّن لّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السّمَآءَ عَلَيْهِم مّدْرَاراً وَجَعَلْنَا الأنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ} [الأنعام: 6].

إن هذا التمكين إنما يتم بمشيئة الله عز وجل يبتلي به عباده، فيقومون بعهد الله وشرطه من العبودية له وحده، فيتلقون عن الله أم يخالفون ذلك، فينحرفون عن حقوق الله عز وجل وينحرفون عن عهده، ويمضون على غير سنته، وعندئذٍ لا بد أن يقع الفساد رويدًا رويدًا حتى ينزلق الناس في حمأة الشرك -والعياذ بالله- وهو ما يستوجب نذارة الله -تبارك وتعالى- فإن لم يرتدع القوم، فإنهم يؤخذون -والعياذ بالله- أخذة عزيز قادر قاهر، فمرة يكون هذا بعذاب الاستئصال، ومرة بإرسال العذاب من فوقهم، أو من تحت أرجلهم، كما وقع لكثير من الخلق، وتارة يذيقهم الله -تعالى- بأسهم، ويجعل بأسهم بينهم، ويذيق بعضهم شيئًا من نقص الأنفس والثمرات، وغير ذلك لعلهم يرجعون، لعلهم يرتدعون.

وعليه، فإن على الداعية إلى الله أن يفقه سنن الله -تبارك وتعالى- التي مضت في دعوات أنبياء الله ورسله، إن هذه السنن يجب أن يُتعرف إليها وعليها من خلال دعوات أنبياء الله -تعالى- وهي كثيرة عديدة، نذكر أبرزها لننبه الداعية إليها.

من ذلك: أن الله -تبارك وتعالى- جعل السنة ماضية؛ لأن العاقبة للمتقين، وأن الهلاك للمكذبين المعاندين المستكبرين، وشواهد ذلك من قَصص الأنبياء لا تُحصى ولا تعد، قال الله عز وجل عقب ذكر قصة نوح عليه السلام: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـَذَا فَاصْبِرْ إِنّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتّقِينَ} [هود: 49] وقال عن وصية موسى صلى الله عليه وسلم لقومه: {قَالَ مُوسَىَ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُوَاْ إِنّ الأرْضَ للّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتّقِينَ} [الأعراف: 128] {تِلْكَ الدّارُ الاَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأرْضِ وَلاَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتّقِينَ} [القصص: 83] وقال -جل من قائل­ عن هود صلى الله عليه وسلم مع قومه: {فَأَنجَيْنَاهُ وَالّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الّذِينَ كَذّبُواْ بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 72] وقال -جل من قائل­ في قصة صالح عليه السلام: {فَلَمّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجّيْنَا صَالِحاً وَالّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنّ رَبّكَ هُوَ الْقَوِيّ الْعَزِيزُ (66) وَأَخَذَ الّذِينَ ظَلَمُواْ الصّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [هود: 66، 67].

وقال -جل من قائل­ في بيان هذه السنة، وأنها مطردة، لا تتخلف ولا تتبدل ولا تتغير، قال سبحانه: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَىَ قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِالْبَيّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الّذِينَ أَجْرَمُواْ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنينَ} [الروم: 47] ونصر المؤمنين سنة جارية لا تتخلف ولا تتغير ولا تتبدل، نصر المؤمنين سنة الله عز وجل لماذا ينصرهم؟ لأنهم مؤمنون، فالإيمان يستوجب النصر من الله، عز وجل.

وحتى يؤتي الإيمان ثماره لا بد أن نَعلم أن الإيمان يحتاج إلى عمل، والعمل سعي وإصلاح، دعوة وتغيير، والله -تبارك وتعالى- لا يكتب هذا النصر لمؤمن لا يسعى ولا يعمل: {وَعَدَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكّنَنّ لَهُمْ دِينَهُمُ الّذِي ارْتَضَىَ لَهُمْ} [النور: 55] هكذا تمضي سنة الله عز وجل: {وَعَدَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصّالِحَاتِ}.

وهذا يفضي بنا إلى الكلام على السنة الآتية، وهي أن الله -تبارك وتعالى- لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فهذه سنة الله الخالدة التي يتحمل البشر في ضوئها مسئوليتهم فيما يقع لهم من خير أو شر، فإن ربنا لَمَّا ذكر الفساد قال: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الّذِي عَمِلُواْ لَعَلّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41] فالتغيير سواء إلى الخير أو إلى الشر موكول إلى جُهد البشر، والله -تعالى- من وراء ذلك بعلمه وحكمته ومشيئته، والله -تبارك وتعالى- ذكر هذه السنة في كتابه فقال: {إِنّ اللّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّىَ يُغَيّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11].

وحتى يتحقق هذا التغيير فإن الله عز وجل يبتلي بعضَ الناس ببعض، يبتلي المؤمنين بالكافرين، يبتلي العادلين بالظالمين، يبتلي المصلحين بالجائرين المفسدين، سنة الله -تبارك وتعالى- في خلقه: {وَلَن تَجِدَ لِسُنّةِ اللّهِ تَبْدِيلاً} [الأحزاب: 62] هذه السنة سنة الابتلاء، سنة جارية للمؤمنين، تمضي الأمور على سَننها لا تتخلف، فأشد الناس ابتلاءً وبلاءً الأنبياءُ، كما في حديث مصعب بن سعد، عن أبيه، أنه قال: ((قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاءً؟ قال: الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، فيبتلَى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صُلبًا، اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة، ابتلي على حسب دينه، فلا يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة)).

وهذا مِصداق قول الله عز وجل: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنّةَ وَلَمّا يَأْتِكُم مّثَلُ الّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مّسّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضّرّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتّىَ يَقُولَ الرّسُولُ وَالّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَىَ نَصْرُ اللّهِ أَلآ إِنّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214].

ويكفينا في ذلك أيضًا أن نتلو قول الله -تعالى- أيضًا: {الَـمَ (1) أَحَسِبَ النّاسُ أَن يُتْرَكُوَاْ أَن يَقُولُوَاْ آمَنّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنّا الّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنّ اللّهُ الّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 1 – 3] حكمة هذا الابتلاء عظيمة، وفوائده في التربية وتمحيص القلوب وتمييز الصفوف معروفة، وعلى هذا ينبغي أن توطن النفوس على هذه السنة مع سؤال الله عز وجل العافية والثبات، فإن العافية أوسع لكل داعية.

ومن تلك السنن: أن انهيار السنن الظالمة وزوالها يكون بأجل موقوت، كما قال جل من قائل­: {وَلِكُلّ أُمّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف: 34] وقال -جل من قائل: {وَتِلْكَ الْقُرَىَ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمّا ظَلَمُواْ وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مّوْعِداً} [الكهف: 59] وهذا الموعد مضروب لا يتغير ولا يتبدل، محدود لا يتقدم ولا يتأخر.

ومن السنن الجارية أيضًا في دعوات الأنبياء والمرسلين: تدافع بين الحق والباطل، وصراع بين أهل الحق وبين أهل الباطل، كل ذلك مما قصه الله -تبارك وتعالى- علينا من قصص القرآن، ومما قص الله عز وجل علينا مما كان في دعوات الأنبياء: {أُذِنَ لِلّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنّ اللّهَ عَلَىَ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقّ إِلاّ أَن يَقُولُواْ رَبّنَا اللّهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لّهُدّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسمُ اللّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنّ اللّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنّ اللّهَ لَقَوِيّ عَزِيزٌ} [الحج: 39، 40] إن هذه المدافعة وهذه المقاتلة وتلك المحاججة سنة من سنن الله -تبارك وتعالى: {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ وَلَـَكِنّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة: 251]. وهذه السنة تفرض على أهل الحق أن يبذلوا الجهدَ الجهيدَ في دفع الباطل ومدافعته، وإحقاق الحق والتمكين لأهله، ورد البشرية التي شَرَدت عن الله عز وجل إلى الله، وإنقاذها من الشرك ومفاسده، ودفعها دفعًا إلى واحة التوحيد التي أراد الله -تبارك وتعالى- لها: {الّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطّاغُوتِ فَقَاتِلُوَاْ أَوْلِيَاءَ الشّيْطَانِ إِنّ كَيْدَ الشّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً} [النساء: 76] ونحن نشهد صراع الملأ الذين استكبروا مع رسل الله عز وجل ومع أولياء الله -تبارك وتعالى- الذين صدقوا ما عاهدوا الله عز وجل عليه، فقضوا نحبهم في الطريق من غير ما تبديل ولا تغيير، ومنهم من ينتظر نصر الله عز وجل ووعده الذي لا يتخلف: {إِنّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ} [غافر: 51].

error: النص محمي !!