Top
Image Alt

الركن الثاني بعد الصلاة: الزكاة

  /  الركن الثاني بعد الصلاة: الزكاة

الركن الثاني بعد الصلاة: الزكاة

أما العبادة الثانية فهي الزكاة، والزكاة: اسم لهذا القدر من المال الذي يدفعه الأغنياء للفقراء، وسُميت زكاة؛ لأنها تزكّي المال وتنميه كما تزكي صاحبها وتطهّره من دنس البخل والشح، قال تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103]، والزكاة أحد أركان الإسلام الخمسة، وفريضة من فرائض الدين، وقد دلّ على فرضيتها الكتاب والسنة وإجماع الأمة.

قال الله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا [التوبة: 103]، وقال تعالى: {وَأَقِيمُواْ الصّلاَةَ وَآتُواْ الزّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرّاكِعِينَ} [البقرة: 43]، وقال تعالى: {فَأَقِيمُواْ الصّلاَةَ وَآتُواْ الزّكَـاةَ وَاعْتَصِمُواْ بِاللّهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ} [الحج: 78].

وقد قُرنت الزكاة بالصلاة في اثنتين وثمانين آية، وفي الحديث المشهور قال -صلى الله عليه وسلم: ((بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت))، ولما بعث النبي -صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل -رضي الله عنه-إلى اليمن قال له: ((إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب؛ فادعهم إلى شهادة لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تُؤخذ من أغنيائهم، فترد في فقرائهم؛ فإن هم أطاعوك لذلك، فإيَّاك وكرائم أموالهم، واتقِ دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)).

وأجمعت الأمة على وجوب الزكاة وأنها أحد فرائض الدين، وقد كثر في القرآن الكريم وأحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم الحث على إخراج الزكاة والترغيب في أدائها، والترهيب من منعها، قال الله تعالى: {الَـمَ}(1) {تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ}(2) {هُدًى وَرَحْمَةً لّلْمُحْسِنِينَ}(3) {الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ بِالاَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ}(4) {أُوْلَـَئِكَ عَلَىَ هُدًى مّن رّبّهِمْ وَأُوْلَـَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [لقمان: 1- 5]، وقال تعالى: {إِنّ الْمُتّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ}(15) {آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبّهُمْ إِنّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ}( [الذاريات: 15، 16] ثم فسر إحسانهم فقال: {كَانُواْ قَلِيلاً مّن اللّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ}(17) {وَبِالأسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الذاريات: 17، 18]، وهذا إحسانهم بينهم وبين الله سبحانه، ثم قال: {وَفِيَ أَمْوَالِهِمْ حَقّ لّلسّآئِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذاريات: 19]، وهذا إحسانهم فيما بينهم وبين الناس.

وقال تعالى: {{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ} [التوبة: 71]، وقال تعالى في التحذير من البخل بالزكاة: {وَلاَ يَحْسَبَنّ الّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لّهُمْ بَلْ هُوَ شَرّ لّهُمْ سَيُطَوّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 180]، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم في تفسير هذه الآية: ((من آتاه الله مالًا؛ فلم يؤدِّ زكاته؛ مُثِّل له ماله شجاعًا أقرع له زبيبتان يطوّقه يوم القيامة، ثم يأخذه بلهزمتيه -يعني: شدقيه- ثم يقول: أنا مالك أنا كنزك))، ثم تلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم الآية السابقة.

وقال تعالى: {يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ إِنّ كَثِيراً مّنَ الأحْبَارِ وَالرّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالّذِينَ يَكْنِزُونَ الذّهَبَ وَالْفِضّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}(34) {يَوْمَ يُحْمَىَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنّمَ فَتُكْوَىَ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ} [التوبة: 34، 35]، وفي تفسير هذه الآية أيضًا قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة صُفّحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم؛ فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله، إما إلى الجنة وإما إلى النار)).

فإذا وجبت الزكاة على مسلم أو مسلمة، وشروط وجوبها معروفة من كتب الفقه؛ وجب على المسلم أن يُبادر بإخراج زكاته طيبة بها نفسه، محتسبًا أجرها عند الله سبحانه وتعالى فإن فعل فقد وقع أجره على الله، وإذا امتنع أخذ الحاكم منه الزكاة قهرًا، وأخذ شطر ماله عقوبة؛ ففي الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم قال: ((من منعها فإنا آخذوها وشطر ماله، عزمة من عزمات ربنا، ليس لآل محمد منها شيء))، وإذا اجتمع أهل بلد على منع الزكاة، وكانت لهم شوكة وغلبة قاتلهم الحاكم حتى يأخذها منهم قهرًا، كما فعل خليفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه.

ففي الصحيح عن أبي هريرة -رضي الله عنه-قال: “لما توفي النبي -صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر بعده، وكفر من كفر من العرب قال عمر بن الخطاب لأبي بكر {: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله))، فقال أبو بكر رضي الله عنه: والله لأقاتلنّ من فرّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها، قال عمر رضي الله عنه: فوالله ما هو إلا أن رأيت أن الله شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق”.

هذا؛ وإن لإيتاء الزكاة فوائد طيبة تعود على المزكي بالخير في الدنيا وفي الآخرة: يقول العلامة السعدي -رحمه الله- في ذكر فوائد الزكاة: “إنها أعظم شعائر الدين وأكبر براهين الإيمان، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم قال: ((والصدقة برهان)) أي: برهان على إيمان صاحبه ودينه، ومحبته لله سبحانه وتعالى حيث جاد لله بماله المحبوب للنفوس، ومنها أنها تُزكي وتنمي المعطي والمعطى، وتنمي المال الذي أخرجت منه، فليست فائدة الزكاة قاصرة على المزكي المعطي، بل إن فائدتها تشمل المزكي المعطي والفقير المُعطَى، أما تزكيتها للمعطي فإنها تزكي أخلاقه وتطهره من الشح والبخل والأخلاق الرذيلة، وتنمي أخلاقه فيتصف بأوصاف الكرماء المحسنين الشاكرين، فإن إيتاء الزكاة من أعظم الشكر لله.

والشكر دائمًا معه المزيد كما قال تعالى: {وَإِذْ تَأَذّنَ رَبّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأزِيدَنّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7]، والزكاة تنمي الأجر والثواب، فإن الزكاة والنفقة تضاعف أضعافًا كثيرة بحسب إيمان صاحبها وإخلاصه ونفعها ووقوعها موقعها، وهي تشرح الصدر وتفرح النفس، وتدفع عن العبد من البلايا والأسقام شيئًا كثيرًا، فكم جلبت من نعمة دينية ودنيوية، وكم دفعت من نقم ومكاره وأسقام، وكم خففت الآلام، وكم أزالت من عداوات وجلبت مودة وصداقات، وكم تسببت لأدعية مستجابة من قلوب صادقات، وهي أيضًا تنمي المال المخرج منه، فإنها تقيه الآفات وتحلّ فيه البركة الإلهية؛ ففي الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم قال: ((ما نقصت صدقة من مال)). لا، والله ما نقصت صدقة من مال، بل الصدقة تزيد المال، فقد قال الله تعالى: {وَمَآ أَنفَقْتُمْ مّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ} [سبأ: 39].

وفي الصحيحين عن النبي -صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من صباح يوم إلا وينزل ملكان يقول أحدهما: اللهم أعطِ منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعطِ ممسكًا تلفًا)) فهذا بعض فوائد الزكاة للمعطي الذي يجود بها. أما نفعها للمعطى؛ فإن الله قد أمر بدفعها للمحتاجين من الفقراء والمساكين، والغارمين، وفي الرقاب، وللمصالح التي يحتاج المسلمون إليها، فمتى وضعت في محلها اندفعت الحاجات والضرورات، واستغنى الفقراء أو خف فقرهم، وقامت المصالح النافعة العمومية، فأي فائدة أعظم من ذلك وأجل. فلو أن الأغنياء أخرجوا زكاة أموالهم، ووضعت في محالّها لقامت المصالح الدينية والدنيوية، وزالت الضرورات، واندفعت شرور الفقراء، وكان ذلك أعظم حاجزٍ، وسدٍّ يمنع عبث المفسدين، ولهذا كانت الزكاة من أعظم محاسن الإسلام لما اشتملت عليه من جلب المصالح والمنافع ودفع المضار”.

error: النص محمي !!