Top
Image Alt

الركن السادس: الإيمان بالقدر

  /  الركن السادس: الإيمان بالقدر

الركن السادس: الإيمان بالقدر

أما الركن السادس من أركان الإيمان فهو: الإيمان بالقدر:

والقدر: اسم لما صدر مقدرًا عن فعل القادر، يُقال: قَدَرت الشيء وقدرته بالتخفيف والتثقيل بمعنى واحد، والقضاء في هذا معناه الخلق كقول ربنا سبحانه: {فَقَضَاهُنّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ} [فصلت: 12] أي: خلقهن، فلا فرق بين القضاء والقدر بل كل منهما بمعنى الآخر، وإذا أُطلق أحدهما شمل الآخر، والإيمان بالقدر هو الركن السادس من أركان الإيمان، وقد تظاهرت عليه الأدلة القطعية من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، وأهل الحل والعقد من السلف والخلف قال الله تعالى: {إِنّا كُلّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49]، وقال تعالى: {وَخَلَقَ كُلّ شَيْءٍ فَقَدّرَهُ تَقْدِيراً} [الفرقان: 2]، وقال تعالى: {وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ قَدَراً مّقْدُوراً} [الأحزاب: 38]، وقال تعالى: {سَبّحِ اسْمَ رَبّكَ الأعْلَىَ}(1) {الّذِي خَلَقَ فَسَوّىَ}(2) {وَالّذِي قَدّرَ فَهَدَىَ} [الأعلى: 1- 3]، وقال تعالى: {ثُمّ جِئْتَ عَلَىَ قَدَرٍ يَمُوسَىَ} [طه: 40]، وقال تعالى: {أَلَمْ نَخْلُقكّم مّن مّآءٍ مّهِينٍ}(20) {فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مّكِينٍ}(21) {إِلَىَ قَدَرٍ مّعْلُومٍ}(22) {فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ} [المرسلات: 20- 23].

وعن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-أن جبريل -عليه السلام- سأل النبي -صلى الله عليه وسلم فقال: ((أخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت)). وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنه-قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((كُلّ شيء بقدر حتى العجز والكيس))، وقد نفى النبي -صلى الله عليه وسلم الإيمان عمَّن لم يؤمن بالقدر؛ ففي الحديث عن جابر بن عبد لله -رضي الله عنه-قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه)).

وعن أبي أمامة -رضي الله عنه-أنّ رَسول الله -صلى الله عليه وسلم قال: ((ثلاثةٌ لا يقبلُ الله منهم صرفًا، ولا عدلًا: عاقّ، ومنان، ومكذب بالقدر)).

والإيمانُ بالقدر على أربع مراتب:

المرتبة الأولى: الإيمان بعلم الله الشامل المحيط بكل شيء، ومعناه أن يؤمن العبد أن الله تعالى قد أحاط بكل شيء علمًا، وأن الله تعالى قد علم الموجودات والمعدومات والممكنات والمستحيلات، وعلم ما كان وما يكون وما سيكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون. قال تعالى: {اللّهُ الّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنّ يَتَنَزّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنّ لّتَعْلَمُوَاْ أَنّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنّ اللّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلّ شَيْءٍ عِلْمَا} [الطلاق: 12]، وقال تعالى: {اللّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلّ أُنثَىَ وَمَا تَغِيضُ الأرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ}(8) {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} [الرعد: 8، 9]، وقال تعالى: {وَمَا مِن دَآبّةٍ فِي الأرْضِ إِلاّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلّ فِي كِتَابٍ مّبِينٍ} [هود: 6]، قال تعالى: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاّ فِي كِتَابٍ مّبِينٍ} [الأنعام: 59].

وأخبر -عز وجل- أنه يعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون فقال سبحانه: {وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النّارِ فَقَالُواْ يَلَيْتَنَا نُرَدّ وَلاَ نُكَذّبَ بِآيَاتِ رَبّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}(27) {بَلْ بَدَا لَهُمْ مّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام: 27، 28] فأخبر -عز وجل- عن الكافرين أهل النار أنهم حين سيقوا إليها وُقفوا عليها، فلما رأوا النار تتلظّى؛ تمنَّوا أن يردهم الله تعالى إلى الدنيا، ويكونوا من المؤمنين، فكذبهم الله تعالى فيما قالوا فقال: {وَلَوْ رُدّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنّهُمْ لَكَاذِبُونَ}، فعلم أنه لو ردهم لعادوا لما نهوا من الكفر والتكذيب، وقال -عز وجل-: {إِنّ شَرّ الدّوَابّ عِندَ اللّهِ الصّمّ الْبُكْمُ الّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ}(22) {وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلّواْ وّهُمْ مّعْرِضُونَ} [الأنفال: 22، 23].

وعن عمران بن حصين -رضي الله عنه-قال: ((قيل: يا رسول الله، أعُلم أهل الجنة من أهل النار؟ فقال: نعم. قيل: ففيم يعمل العاملون؟ قال: كلٌّ ميسر لما خلق له)) وعن علي رضي الله عنه: ((بينما نحن مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم وهو ينكت في الأرض؛ إذ رفع رأسه إلى السماء ثم قال: ما منكم من أحد إلا قد عُلم مقعده من النار ومقعده من الجنة، قالوا: أفلا نتكل يا رسول؟ قال: لا، اعملوا فكلٌّ ميسر لما خُلق له)). وعن ابن عباس -رضي الله عنه-قال: ((سُئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين، فقال: الله إذ خلقهم أعلم بما كانوا عاملين)).

المرتبة الثانية: الإيمان بأن الله -عز وجل- قد كتب ما علمه من أحوال عباده في كتاب محفوظ عنده في سمائه كما قال تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السّمَآءِ وَالأرْضِ إِنّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنّ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرٌ} [الحج: 70]، وقال تعالى: {مَآ أَصَابَ مِن مّصِيبَةٍ فِي الأرْضِ وَلاَ فِيَ أَنفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتَابٍ مّن قَبْلِ أَن نّبْرَأَهَآ إِنّ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرٌ} [الحديد: 22]، وقال تعالى: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاّ كُنّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رّبّكَ مِن مّثْقَالِ ذَرّةٍ فِي الأرْضِ وَلاَ فِي السّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلآ أَكْبَرَ إِلاّ فِي كِتَابٍ مّبِينٍ} [يونس: 61].

عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنه-قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله تعالى كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة))، وعن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه-قال: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب. قال: ربي وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة)). وعن ابن عباس -رضي الله عنه-قال: ((كنت خلف رسول الله -صلى الله عليه وسلم يومًا فقال: يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفّت الصحف)).

المرتبة الثالثة: الإيمان بإرادة الله تعالى ومشيئته: أن يؤمن العبد أن كل شيء يجري بتقدير الله تعالى ومشيئته، ومشيئته تنفذ لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان، وما لم يشأ لم يكن، يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلًا، ويضل من يشاء ويقدر ويبتلي عدلًا، وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله، وهو متعالٍ على الأضداد والأنداد، لا رادّ لقضائه، ولا معقّب لحكمه، ولا غالب لأمره، قال الله تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لاَتَيْنَا كُلّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَـَكِنْ حَقّ الْقَوْلُ مِنّي لأمْلأنّ جَهَنّمَ مِنَ الْجِنّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ} [السجدة: 13]، وقال سبحانه: {وَلَوْ شَآءَ اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمّةً وَاحِدَةً وَلَـَكِن لّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم} [المائدة: 48]، وقال سبحانه: {إِنّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} [الحج: 14]، وقال -عز وجل-: {فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ} [الأنعام: 125]؛ لذلك أدَّب الله نبيه -صلى الله عليه وسلم بألا يجزم بفعل شيء غدًا، إلا أن يردَّه إلى مشيئة الله فقال -عز وجل-: {وَلاَ تَقْولَنّ لِشَيْءٍ إِنّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً}(23) {إِلاّ أَن يَشَآءَ اللّهُ} [الكهف: 23، 24].

وعن أبي موسى -رضي الله عنه-قال: ((كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم إذا جاءه السائل أو طُلبت إليه حاجة، قال: اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء))، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد يُصرّفه حيث يشاء))، وعن ابن عباس -رضي الله عنه-أن رجلًا قال للنبي -صلى الله عليه وسلم: ((ما شاء الله وشئت، فقال: أجعلتني لله ندًّا، قل: ما شاء الله وحده)).

المرتبة الرابعة: الإيمان بأن الله سبحانه هو خالق كل شيء لا خالق غيره، ولا شريك له في الخلق، كما قال تعالى: {اللّهُ خَالِقُ كُـلّ شَيْءٍ}  [الزمر: 62]، وقال سبحانه: {ذَلِكُـمُ اللّهُ رَبّـكُمْ خَالِقُ كُـلّ شَيْءٍ لاّ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ فَأَنّىَ تُؤْفَكُونَ} [غافر: 62]، وقال سبحانه: {ذَلِكُمُ اللّهُ رَبّكُمْ لآ إِلَـَهَ إِلاّ هُوَ خَالِقُ كُلّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ} [الأنعام: 102]، ومن الأشياء أعمال الناس، فأعمال الناس من خلق الله تعالى كما قال -عز وجل-: {وَاللّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}

وليس معنى القدر الإكراه والإجبار، ونفي قدرة الإنسان وقدرته ومشيئته، فللإنسان قدرته واختياره ومشيئته، قال الله تعالى: {إِنّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً}(2) {إِنّا هَدَيْنَاهُ السّبِيلَ إِمّا شَاكِراً وَإِمّا كَفُوراً} [الإنسان: 2، 3]، وقال تعالى: {وَقُلِ الْحَقّ مِن رّبّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29]، وقال تعالى: {وَقُلِ الْحَقّ مِن رّبّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ }[الكهف: 29] وقال سبحانه: {إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لّلْعَالَمِينَ}(27) {لِمَن شَآءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ} [التكوير: 27، 28]، ولكن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الرب سبحانه، غلبت مشيئته المشيئات كلها، وغلب قضاؤه الحيل كلها، يفعل ما يشاء وهو غير ظالم لهم أبدًا، {لاَ يُسْأَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23].

قال الإمام الخطابي -رحمه الله-: “قد يحسب كثير من الناس أنّ معنى القضاء والقدر إجبار الله -عز وجل- العبد، وقهره على ما قدّره وقضاه، وليس الأمر كما يتوهمون وإنما معناه الإخبار عن تقدم علم الله -عز وجل- بما يكون من اكتساب العبد وصدورها عن تقدير منه وخلق خيرها وشرها”.

وإن للإيمان بالقدر فوائد:

من فوائد الإيمان بالقدر: العزم والقضاء على ما يختاره الإنسان ويريده، فالمسلم إذا استشار إخوانه واستخار ربه في أمر ما أراده، مضى في طريق ما يريد غير متردّد أبدًا؛ لأنه توكل على الله -عز وجل- وقد علم أن كل شيء بقضاء الله تعالى وقدره، فهو المقدر للأشياء كلها.

ومن فوائد الإيمان بالقدر عدم الندم أو الحسرة على ما فات؛ فالمؤمن لا ينوح على الماضي بالتندم والتحسر؛ لأن ذلك لن يردّ عنه شيئًا مما فات، ولأنه إنما حصل على ما كتب الله له، ولا اعتراض على قدر الله ما دام قد وقع، ولكن له أن يعتبر حياته من الخطأ أو الذم في حديث: ((لا يُلدغ المؤمن من جحرٍ مرتين)).

ومن فوائد الإيمان بالقدر: الجرأة أمام الموت، فالموت حق لن يتخلف عن نفس بشرية، ولكن الموت لا يكون إلا بعد استيفاء كل نفس أجلها التي كتب الله لها كما قال سبحانه: {كُلّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ } [آل عمران: 185]، وقال: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مّؤَجّلاً} [آل عمران: 145]، وذلك يجعل المؤمن شجاعًا لا يتأخر عن اللقاء إذا دُعي إليه؛ فإن الله -عز وجل- بيَّن أن الشجاعة لا تنقص من العمر، وأن الجبن لا يزيد فيه، قال تعالى{يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزّى لّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [آل عمران: 156].

ومن فوائد الإيمان بالقدر: الرضا والطمأنينة والتسليم لأمر الله -عز وجل- فإن الله -تبارك وتعالى- قال: {مَآ أَصَابَ مِن مّصِيبَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللّهُ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [التغابن: 11]، وقد قال تعالى: {وَبَشّرِ الصّابِرِينَ}(155) {الّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنّا للّهِ وَإِنّـآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ}(156) {أُولَـَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مّن رّبّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155- 157] عن صهيب قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له)). فيجب على كل مؤمن أن يوطّن نفسه على الرضا بالقضاء حتى يكون شعاره في هذه الحياة:

يا رب ما مسني قدر بكره أو رضا

*إلا اهتديت به إليك طريقًا

أمضي القضاء على الرضا مني به

*إني علمتك في القضاء رفيقًا

ونختم بشبهة قد تثار حول القدر:

إن كان القدر بهذه الأهمية، فلماذا لم يُذكر في القرآن الكريم؟ إن الله تعالى ذكر أركان الإيمان خمسة في قوله: {لّيْسَ الْبِرّ أَن تُوَلّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـَكِنّ الْبِرّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنّبِيّينَ} [البقرة: 177] ولم يذكر الركن السادس وهو الإيمان بالقدر. والجواب: لم يصرح ربنا -عز وجل- بالإيمان بالقدر؛ لأنه بعد الشرح والبيان لمعنى الإيمان بالقدر يتبين لنا أن الإيمان بالقدر متعلق بالله -عز وجل-، وبأسمائه وصفاته؛ فهو إذًا داخل في عموم الإيمان بالله.

ثم إن النبي -صلى الله عليه وسلم بيَّن ذلك وفصّله، وعدّ الإيمان بالقدر الركن الثالث من أركان الإيمان، وصدقه على ذلك جبريل عليه السلام، وقد قال الله تعالى: {وَمَآ آتَاكُمُ الرّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ} [الحشر: 7] وقال سبحانه في حق نبيه-صلى الله عليه وسلم : {وَالنّجْمِ إِذَا هَوَىَ}(1) {مَا ضَلّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىَ}(2) {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىَ}(3) {إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَىَ} [النجم: 1- 4].

error: النص محمي !!