Top
Image Alt

الرواية بالمعنى

  /  الرواية بالمعنى

الرواية بالمعنى

اختلف العلماء في جواز الرواية بالمعنى بين مجيز ومانع وهذه مذاهبهم:

أولًا: مذهب الجمهور: ذهب جمهور العلماء إلى جواز الرواية بالمعنى لمن تأهل لذلك وتحققت فيه الشروط الآتية:

الشرط الأول: أن يكون عالمًا باللغة العربية، ومدلولات الألفاظ.

الشرط الثاني: أن يكون عالمًا بالمترادفات ومقدار التفاوت بينها.

الشرط الثالث: أن يكون عالمًا بالشريعة الإسلامية، وأهدافها. فإن تحققت هذه الشروط في الراوي جاز له أن يروي بالمعنى. وإنما شرطنا هذه الشروط فيمن يروي بالمعنى، حتى إذا روى بالمعنى لا يختل البيان، ولا تتغير الأحكام الشرعية؛ فلا يجعل الحلالَ حرامًا، أو الحرامَ حلالًا أما إذا لم تتوفر هذه الشروط في الراوي؛ تعين عليه الرواية باللفظ، ولا يجوز له الرواية بالمعنى.

واستدل الجمهور لما ذهبوا إليه في الآتي:

الدليل الأول: أجمع المسلمون على جواز شرح الشريعة لغير العرب بغير اللغة العربية، باللغات التي يفهمونها، لمن قدر على ذلك؛ فإذا جاز الإبدال بلغة أخرى غير اللغة العربية، فجوازه باللغة العربية أولى. وحكى الخطيب البغدادي اتفاق الأمة على ذلك.

ثانيًا: حكى الله تعالى قصص الأنبياء السابقين مع أممهم، وما دار بينهم من حوارات ومناقشات، وهذا لم يكن باللغة العربية؛ فحكى الله مضمون كلامهم ونسب ذلك إليه.

المذهب الثاني: ذهب بعض العلماء إلى منع الرواية بالمعنى، وقالوا: لا بد من المحافظة على اللفظ الذي سمعه الراوي من شيخه؛ ليفهم كل مجتهد من النص ما يؤديه إليه اجتهاده؛ فإن الأحكام إنما تؤخذ من ألفاظ الحديث التي تقوم بها المعاني، وحتى لا يقع خطأ في الرواية ينشأ عنه خطأ في الفهم، واستنباط الأحكام من النصوص، ولما في الرواية على المعنى من الزلل.

واستدل هؤلاء بأدلة منها:

عن عبد الله بن مسعود   رضي الله عنه   قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «نضر الله امرءًا سمع منا شيئًا؛ فبلغه كما سمع، فرب مبلغ أوعى من سامع…»الحديث أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.

حيث دعا الرسول صلى الله عليه وسلم لمن يُبلغ ما سمعه منه صلى الله عليه وسلم على اللفظ الذي سمعه؛ مشيرًا إلى أن الغائب قد يفهم من الحديث ما لم يفهمه الذي سمعه مباشرة من الرسولصلى الله عليه وسلم لذلك وجب المحافظة على اللفظ؛ ليفهم كل إنسان منه ما يؤديه إليه فهمه واجتهاده، وأخبر أنه قد يحمل الفقه من ليس بفقيه، يكون له حافظًا، وليس بفاهم.

قلت: ليس في هذا الحديث منع من الرواية بالمعنى لمن تمكن وكان أهلًا لذلك، وكل ما فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لمن ينقل حديثه كما سمعه، وهذا أولى وأفضل من الرواية بالمعنى؛ حتى لمن كان متأهلًا لذلك.

الدليل الثاني: عن البراء بن عازب   رضي الله عنه   أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أخذت مضجعك؛ فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم إني أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، واجعلهن من آخر كلامك؛ فإن مت من ليلتك مت وأنت على الفطرة، قال: فرددتهن لأستذكرهن، فقلت: آمنت برسولك الذي أرسلت قال: قل: آمنت بنبيك الذي أرسلت» الحديث أخرجه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم.

اختلف العلماء في سبب إنكاره صلى الله عليه وسلم على هذا الرجل ورد به اللفظ؛ فقيل: إنما رده، لأن قوله: “آمنت برسولك” يحتمل غير النبي صلى الله عليه وسلم من حيث اللفظ، ولكن أولى الأجوبة بالقبول: أن قوله: «ونبيك الذي أرسلت» فيه جزالة من حيث صنعة الكلام، وفيه جمع بين النبوة والرسالة؛ فإذا قال: رسولك الذي أرسلت؛ فإن هذا الأمر فيه تكرار لفظ رسول، وأرسلت. وأهل البلاغة يعيبون هذا التكرار. والله أعلم.

قال الإمام النووي: واحتج بعض العلماء بهذا الحديث لمنع الرواية بالمعنى، وجمهورهم على جوازها من العارف العالم إذا تحققت فيه شروط الرواية بالمعنى، ذهب بعض العلماء إلى أن أحاديث الأذكار، وأحاديث التشهد والأذان وغير ذلك، لا يجوز أن تروى بالمعنى، بل لا بد أن تُنقل بلفظها، وذلك لأن ألفاظ الأذكار توقيفية في تعيين اللفظ، وتقدير الثواب؛ لأنه قد يكون في اللفظ سر ليس في لفظ آخر يرادفه، واستدل هؤلاء بحديث البراء بن عازب، وقد سبق بيان المراد منه.

error: النص محمي !!