Top
Image Alt

الرِّحلة في طلب الحديث: أهدافها، بعض من قام بها، وبعض المؤلفات فيها

  /  الرِّحلة في طلب الحديث: أهدافها، بعض من قام بها، وبعض المؤلفات فيها

الرِّحلة في طلب الحديث: أهدافها، بعض من قام بها، وبعض المؤلفات فيها

فوائد الرِّحلة، وأهدافها:

كان لرحلات العلماء في طلَب الحديث أثرٌ بعيد في انتشار السُّنّة؛ فممّا لا شك فيه: أنّ الراوي يرى مَن يروي عنه، ويقف على سيرته، ويسأل أهل بلده عنه، وكثيرًا ما كانوا يتشدّدون في السؤال عن الراوي، حتى يقال لهم: أتريدون أنْ تُزوِّجوه؟

كذلك كان للرّحلات فائدة عظيمة في معرفة طُرق كثيرة للحديث الواحد؛ فقد يسمع الراوي مِن علماء المِصر الذي رحل إليه زيادات لم يسمعْها من علماء مِصرِهِ، وكثيرًا ما يجد عندهم ما لمْ يجدْه عند شيوخه. وقد تقع مناظرات بين علماء الأمصار، تُعارض فيها طُرق الحديث الواحد؛ فَيُحَصَّلُ فيها القويُّ ويُعَرَّى الضعيف، ويزداد طلاّب العلْم معرفة لأسباب ورود الأحاديث، حين يلقَون مَن سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أفتاه أو قضى له.

ويكفي الرِّحلة فائدة: أن تساعد على نشْر الحديث وجمْعه، وتمحيصه والتثبّت فيه؛ فكان لرحلات الصحابة والتابعين وأتباعهم أثَرٌ جليل في المحافظة على السُّنّة وجمْعها. وتدلُّنا تراجمُ الرواة على الصِّعاب التي كانوا يستعْذبونها في سبيل حفْظ السُّنّة، وسماع أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مِن منابعها الصحيحة. ويكفينا أنْ نقرأ في ترجمة أحدهم: “هو فلان اليمنيّ، ثم المكيّ، ثم المدنيّ، ثم الشاميّ، ثم الكوفيّ، ثم البصريّ، ثم المصريّ”، لنعرف مقدار ما قاسى في قطْع الفيافي، والبعد عن الأهل والأوطان، وما تحمَّله من مشاقّ حتى أصبح مِن رجالِ الحديث في عصره. فلم يصلنا الحديث النبويّ في مصنَّفاته وكُتبه، مرتَّبا بأسانيده، وعلى أبواب جامعة كل منها في موضوع خاص، إلاّ بعْد أنْ خدَمه الصحابة، والتابعون، وأتباعهم، والعلماء مِن بعدِهم، ووقفوا عليه حياتهم؛ فجزاهم الله عنّا خير الجزاء، وأسكنهم فسيح جِنانه.

والخلاصة:

أنّ الرحلة قد حقّقتْ أهدافًا كثيرة، يمكن إجمالها فيما يلي:

  1. تحصيل علوّ الإسناد، وقدم السماع. -قاله الخطيب البغدادي.
    1. لقاء الحفّاظ والمذاكرة لهم، والاستفادة عنهم -قاله الخطيب أيضًا.
    1. شيوع الأحاديث في الأمصار، فالمصريّ -مثلًا- يدخل الشام فيحصّل فيها بعض الأحاديث التي ليست في بلده، ثم ينشر تلك الأحاديث عند الرجوع إلى بلده، وكذا بقية الأمصار.
    1. تكثير طُرق الحديث وأسانيده، ممّا يزيده قوّة على قوّة؛ وهذا يفيدنا في التعارض بين الأحاديث، وفي تقوية الأحاديث الضعيفة.
    1. معرفة الرجال معرفة دقيقة؛ لأنه يخالطهم ويسألهم ويجلس إليهم؛ فإذا تكلّم في الرجال فيما بعْد تكلّم عن علْم.
    1. الحصول على تشريع موحّد في جميع الأقطار؛ لأنّ الصحابة قد تفرّقوا في الأمصار، وكلّ واحد انفرد بأشياءَ ليست لدى الآخرين. فلو لم يرحل الطلاب مِن التابعين فمَن بعدَهم، لانفرد كلُّ مصرٍ بأحكامٍ خاصّةٍ قد تختلف مع المصرِ الآخرِ، ولأصبح التشريع مختلفًا باختلاف الأمصار.
    1. تقليل أثر العصبيّة والمنافسة في الحديث بين الأمصار؛ لأنّ الراحلين مِن البلدان كان كل واحد منهم يتحمّل ويؤدِّي للآخر ما سمِعه ورواه؛ فيمتزج بالتالي علْم الأمصار، ويصبح شيئًا واحدًا، على عكس ما نراه في المدارس الفقهيّة مِن العصبيّة للآراء.
    1. معرفة الحديث الموضوع معرفةً أكيدةً لا شكّ فيها، وذلك بتتبّع الإسناد عن طريق الارتحال إلى رجاله -كما مرّ في قصة المؤمّل بن إسماعيل وشعبة بن الحجاج.
    1. جمْع ما تفرّق من الأحاديث والسُّنن في الأمصار عن طريق الرحلة إليها، حتى جمعت فيما بعْد في كتب ودواوين؛ ولولا الرحلة في جمْعها، لبقيت محصورة في مصرها، ولاندثرت بعد ذلك.

10.ردع الوضّاعين والكذّابين، وإيقافهم عند حدّهم؛ فلا يستطيعون الكذِب، لأنّ أمْرهم سيفتضح عند سؤالهم عن شيوخهم ومَن روَوْا عنه -كما مرّ في قصة المؤمّل بن إسماعيل.

  1. نقل بعض الصُّوَر والحقائق الجغرافية والتاريخية عن البلاد التي رحل إليها، وإن كان هذا يُعدّ قليلًا؛ لأن هدف المحدِّثين هو: سماع الحديث.

بعض المؤلَّفات في الرِّحلة:

لا نعلم أحدًا ألّف في الرِّحلة في طلَب الحديث، سوى الخطيب البغدادي في كتابه: (الرحلة في طلب الحديث). وإنما لمْ يؤلِّف المتقدِّمون في الرّحلة لأنّ الهدف مِن رحلاتهم كان سماع الحديث والتثبّت منه.

ولكن هناك كُتب الرحلات الخاصة التي يَذكر فيها الشخص رحلته كـ(المشيخة البغدادية)، و(المشيخة الأصبهانية) و(معجم السّفر)، جميعها لأبي ظاهر السِلفي “ت 576هـ”.

وإنّما اعتنى هؤلاء المتأخِّرون بمثْل هذه الكتب؛ لأن رحلاتهم كانت للبحث عن الأسانيد والإجازات والسّماعات.

ومِن كتب الرّحلات الخاصة:

  1. (ملء العيبة بما جمع بطول الغيبة، في الوجهة الوجيهة إلى الحرمين مكة وطيبة) لابن رشيد الفهري “ت 721هـ”، في ستة مجلدات، ثلاثة منها مطبوعة.
  2. (رحلة التجيبي) “ت 493هـ”، ولعلّ هذا الكتاب هو نفسه: (التثبت) أو (برنامج التجيبي).
  3. (رحلة ابن الصلاح إلى الشرق)، قال حاجّي خليفة في (كشف الظنون): وهي عظيمة النفع في سائر العلوم، مفيدة جدًّا.
  4. (اتّباع الأثر في رحلة ابن حجر) هو العسقلاني، رحَل إلى دمشق.
  5. (الرحلة الفيومية والمكية والدمياطية) للسيوطي.
error: النص محمي !!