Top
Image Alt

الزكاة: تعريفها، حكمها، والحث عليها

  /  الزكاة: تعريفها، حكمها، والحث عليها

الزكاة: تعريفها، حكمها، والحث عليها

. تعريف الزكاة لغة واصطلاحًا، وسبب تسميتها بذلك:

الزكاة لغة:

النماء والبركة وزيادة الخير، يقال: زكا الزرع إذا نما، وزكت النفقة إذا بورك فيها، وفلانٌ زاكٍ أي: كثير الخير، وتطلق على التطهير، قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكّاهَا} [الشمس: 9]. أي: طهرها من الأدناس، وقال: {قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكّىَ} [الأعلى: 14]. أي: تطهر، وتطلق على المدح، قال تعالى: {فَلاَ تُزَكّوَاْ أَنفُسَكُمْ} [النجم: 32] أي: لا تمدحوها، والزكاة اسم للتزكية وليست بمصدر.

الزكاة شرعًا:

اسمٌ لقدرٍ مخصوصٍ من مالٍ مخصوصٍ يجب صرفه إلى أصنافٍ مخصوصة، أو هي تمليك مال مخصوص لمستحقه بشرائط مخصوصة.

وسميت بذلك؛ لأن المال ينمو ببركة إخراجها ودعاء الآخذ لها؛ لأنها تطهر مُخرجها من الإثم وتمدحه حتى تشهد له بصحة الإيمان، قال صلى الله عليه وسلم: ((والصدقة برهان)) أي: دليلٌ على إيمان صاحبها، فهي سببٌ لتنمية المال وزيادته وحفظه؛ لأن المزكي بإخراجها يكون شاكرًا لله على نعمه، والشكر يستدعي المزيد من فضل الله تعالى بتحقيق وعده: {لَئِن شَكَرْتُمْ لأزِيدَنّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}  [إبراهيم: 7].

2. الأصل في وجوبها:

أ. من القرآن:

قوله تعالى: {وَأَقِيمُواْ الصّـلاَةَ وَآتُواْ الزّكَـاةَ وَأَطِيعُواْ الرّسُولَ لَعَلّكُمْ تُرْحَمُونَ} [النور: 56]. وقوله: {وَالّذِينَ فِيَ أَمْوَالِهِمْ حَقّ مّعْلُومٌ} [المعارج: 24]  وقوله: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103].

وقوله تعالى: {وَمَآ أُمِرُوَاْ إِلاّ لِيَعْبُدُواْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ الصّلاَةَ وَيُؤْتُواْ الزّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيّمَةِ} [البيِّنة: 5].

ب. من السُّنة:

هناك أحاديث كثيرة، منها: ((بني الإسلام على الخمس… -وذكر من الخمس- إيتاء الزكاة)) وهي أحد أركان الإسلام يَكْفُر جاحدها حتى لو أداها، وهذا في الزكاة المجمع عليها بخلاف المختلف فيها كزكاة الرِّكاز، ويُقاتل عليها الممتنع من أدائها، وتؤخذ منه قهرًا كما فعل الصديق أبو بكر رضي الله عنه حين قاتل مانعيها، وقال: “والله لو منعوني عَناقًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه”.

وقد فرضت الزكاة في السنة الثانية من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم بعد صدقة الفطر، وأجمعت الأمة على فرضيتها؛ حتى صارت معلومة من الدين بالضرورة.

وقيل: إن الزكاة من الشرائع القديمة بدليل قول الله تعالى: {وَأَوْصَانِي بِالصّلاَةِ وَالزّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً} [مريم: 31] أو هي خصوصية لهذه الأمة، وجُمِعَ بينهما بأن الأول بالنظر للأصل وجوبها، والثاني بالنظر للكيفية والشروط فيها.

وذكر العلامة العيني أن للزكاة ركنًا، وسببًا، وشرطًا، وحكمًا، وحكمة:

فأما ركنها: فإنها تفتقر إلى الإخلاص.

وأما سببها: فملكية ما تجب الزكاة فيه.

وأما شرطها: فنوعان: شرط ما تجب فيه الزكاة، وهو ملك النصاب الحولي، وشرط من تجب عليه، وهو العقل، والبلوغ، والحرية.

وأما حكمها: فسقوط الواجب منها في الدنيا، وحصول الثواب عليها في الآخرة.

وأما حكمتها: فمتعددة منها: التطهر من أدناس الذنوب والبخل، ومنها القربة وارتفاع الدرجة، ومنها الإحسان إلى المحتاجين.

3. مصارف الزكاة:

أما مصارف الزكاة: فقد عينها المولى -جل شأنه- في كتابه، حيث قال: {إِنّمَا الصّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السّبِيلِ فَرِيضَةً مّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 60] فجزَّأها المولى –سبحانه- ثمانية أجزاء يجمعها صنفان:

أحدهما: من يأخذها لحاجة، فيأخذ بحسب شدتها وضعفها وكثرتها وقلتها، وهم: الفقراء، والمساكين، وفي الرقاب، وابن السبيل.

والثاني: من يأخذها حفزًا لهمته على أداء الواجب، أو أجرًا له على فعل الخير، وهم: العاملون عليها، والمؤلفة قلوبهم، والغارمون لإصلاح ذات البين، والغزاة في سبيل الله.

فإن لم يكن الآخذ محتاجًا ولا منفعة فيه للمسلمين، فلا سهم له في الزكاة، فالمصارف الثمانية راجعة إلى من يأخذها لحاجته تغطية لمتطلباته الضرورية، ومن تُعطى له ليستزيد من القربات لتحصيل الزكاة، أو الصلح بين المتخاصمين، أو تحرير نفسه من رق العبودية، أو تأليفه للدخول في الإسلام، أو رصدها لتكون في سبيل الله من الجهاد ورعاية مصالح المسلمين.

والزكاة عنصرٌ أساسيٌّ لتكافل أبناء الإسلام، بل بينهم وبين غيرهم حين يوجه بعضها إلى المصالح العامة، فينتفع بها غيرهم من المواطنين في بلاد الإسلام، ويستأنس في ذلك بما صنعه سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع الشيخ اليهودي حين رآه يسأل الناس في طرقات المدينة، وعرف أن سبب ذلك الجزية والحاجة والسن، فرفع عنه وعن أمثاله الجزية، وفرض له رزقًا في بيت مال المسلمين، وقال كلمته الرائعة: “أكلنا شبيبته فعلينا أن نرعى شيخوخته” رحمة الله عليك يا ابن الخطاب.

وهي كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم)) فترفع عنهم شدة الحاجة، وتزيل من صدورهم ما قد يكون فيها من حقدٍ على الأغنياء، حين يطمئنون إلى أداء الأغنياء ما فرض الله عليهم في أموالهم من حقٍّ معلومٍ.

4. الباب الأول: باب الحث عليها والتشديد في منعها:

الحديث الأول:

عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذًا إلى اليمن قال: ((إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يومٍ وليلة، فإن أطاعوك لذلك؛ فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم؛ فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك؛ فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)) رواه الجماعة.

وقد أخرج البخاري في صحيحه بسنده عن ابن عباس هذا الحديث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: ((إنك ستأتي قومًا أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يومٍ وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك؛ فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)).

المعاني واللغات:

قوله: ((إنك ستأتي قومًا أهل كتاب)) أي: لهم كتاب كالتوراة لليهود، والإنجيل للنصارى، وقد نبه رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذًا إلى ذلك؛ ليتهيأ لمناظراتهم، ويُعدُّ الأدلة لإفحامهم؛ لأنهم أهل علمٍ وكتابٍ سابقٍ بخلاف غيرهم، فلا تكون العناية في مخاطبتهم كمخاطبة الجهال من المشركين, وعبدت الأوثان.

وأراد صلى الله عليه وسلم أيضًا أن يقوي عزيمة معاذ على أداء مهمته، ويسهل له القيام بها؛ فإنهم كانوا من أتباع المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام وهم أقرب الناس مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا، وقد عرفوا من كتابهم توحيد الله تعالى، وتقديس الأنبياء، والعناية بالتعاليم السماوية التي شرعها الله تعالى لهم، فهم بهذا أسرع إلى إجابته بتلك الدعوة المحمدية التي بشرهم بها نبيهم عيسى عليه السلام وأخبر به القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَمُبَشّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف: 6]

قال ابن حجر: وليس في الحديث أن جميع من يقدم عليهم من أهل الكتاب، بل يجوز أن يكون فيهم من غيرهم، أي من أهل الذمة وغيرهم من المشركين، وإنما خصهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذكر تفضيلًا لهم، أو تغليبًا على غيرهم.

قوله: ((فإذا جئتهم)) قيل: عبر بلفظة إذا دون إن؛ تفاؤلًا بسلامة وصوله إليهم ((فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله)) أي: فادعهم بالتدريج إلى ديننا شيئًا فشيئًا، ولا تدعوهم إليه كله دفعة واحدة، لئلا يمنعهم من الدخول فيه ما يجدونه من كثرة مخالفته لدينهم، فإن مثل ذلك قد يمنع من الدخول فيه، ويورث التنفير لمن اعتاد من قبل على دينٍ آخر بخلاف من لا يعتد.

وقد وقع البدء بالشهادتين؛ لأنهما أصل الدين الذي لا يصح شيءٌ من الأعمال إلا بهما، فمن كان منهم غير موحد فالمطالبة متوجهة إليه بكل واحدة من الشهادتين على التعيين، ومن كان موحدًا فالمطالبة متوجهة إليه بالجمع بين الإقرار بالوحدانية والإقرار بالرسالة من خلال النطق بالشهادتين.

وهذا الأمر النبوي الكريم يدلُّ على وجوب دعوة الكفار إلى الإسلام قبل القتال، لكن هذا إذا لم تكن الدعوة قد بلغتهم، أما إذا كان قد بلغتهم فإنها حينئذٍ غير واجبة؛ لأنه صح أن النبي صلى الله عليه وسلم أغار على بني المصطلق وهم غافلون.

قوله: ((فإن هم أطاعوا لك)) معناها: أي: شهدوا وانقادوا، ونطقوا بالشهادتين، وإنما عدي الفعل أطاع باللام مع أنه يتعدى بنفسه؛ لتضمنه معنى انقادوا، قال ابن الأثير: أطاعه يطيعه فهو مطيع، وطاع له يطوع ويطيع؛ فهو طائع إذا أذعن وانقاد، والاسم الطاعة، وفي رواية: ((فإن هم طاعوا)) قيل: طاع إذا انقاد، وأطاع اتبع الأمر ولم يخالفه، والاستطاعة القدرة على الشيء، وقيل: هي استفعال من الطاعة.

قوله: ((فأخبرْهم أن الله)) همزة أن مفتوحة؛ لأنها مع مدخولها في محل نصب على أنها مفعول ثانٍ للإخبار، والضمير مفعوله الأول. فرض عليهم صدقة، أصل الفرض القطع، وقد فرضه يفرضه فرضًًا، وافترضه افتراضًا، وهو والواجب سيان عند الشافعي، والفرض آكد من الواجب عند أبي حنيفة.

والمراد بالصدقة زكاة المال، قال تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103]

وقال أيضًًا: {إِنّمَا الصّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السّبِيلِ} [التوبة: 60]

فإن المراد بالصدقة في الآيتين الزكاة المفروضة.

قوله: ((تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم)) على صيغة المجهول في محل النصب على أنها صفة لقوله: ((صدقة)) وكذلك قوله: ((تُرد على)) صيغة المجهول أيضًًا عطف على: ((تؤخذ)).

و((من أغنيائهم)): أي من مال المكلفين منهم، و((على فقرائهم)) جمع فقير، قال ابن الأثير: وقد اختلف الناس فيه، وفي المسكين فقيل: الفقير الذي لا شيء له، والمسكين الذي له بعض ما يكفيه، وإليه ذهب الشافعي، وقيل فيهما بالعكس، وإليه ذهب أبو حنيفة، أي: أن الفقير الذي له بعض ما يكفيه، والمسكين الذي لا شيء له.

ويلاحظ في هذا الحديث: أنه صلى الله عليه وسلم قد بدأ بالأهم فالأهم، وذلك من التلطف في الخطاب؛ إذ لو طالبهم بالجمع بين ما فرضه عليهم هذا الحديث من أول الأمر؛ لنفرت نفوسهم من كثرته، وقد اقتصر على الفقراء من بين الأصناف؛ لأن لفظه يقابل لفظ الأغنياء، ولأن الفقراء دائمًا هم الأغلب.

قوله: ((فإياك وكرائم أموالهم)) إياك: كلمة تحذير، وهو أسلوب من أساليب العربية يعرفه النحاة بأنه: تنبيه المخاطب على أمر مكروه ليجتنبه، وكرائم: منصوب بفعل مضمر لا يجوز إظهاره للقرينة الدالة عليه ولطول الكلام، وقيل: لأن مثل هذا التحذير يقال عند تشديد الخوف، ولا يجوز حذف الواو؛ لأنها حرف عطف يختل الكلام بحذفه، والكرائم: جمع كريمة، وهي النفيسة من المال، فالمعنى: احترز من أن تأخذ في الزكاة كرائم الأموال -أي: نفائسها- حيث تتعلق بها نفس مالكها، وهي الجامعة للكمال الممكن في حقها من غزارة اللبن، أو جمال الصورة، أو كثرة اللحم أو الصوف.

وقريب من هذا ما ورد في حديث: ((وغزوٌ تُنفقُ فيه الكريمة)) أي العزيزة على صحابها. ففي هذه العبارة النبوية تحذير من أخذ خيار المال؛ لأن الزكاة شرعت لمواساة الفقراء، فلا يناسب ذلك الإجحاف بمال الأغنياء إلا برضاهم، واتق دعوة المظلوم، يقال: وقيت الشيء أقيه إذا صنته وسترته عن الأذى.

وأصل الظلم الجور ومجاوزة الحد، والمعنى: تجنب الظلم لئلا يدعو عليك المظلوم، وفيه تنبيه على المنع من جميع الظلم، والحكمة من ذكره عقب المنع من أخذ الكرائم الإشارة إلى أن أخذها ظلم.

فإنه –أي: فإن الشأن- وهو تعليل للاتقاء، وتمثيل للدعوة.

((ليس بينه وبين الله)): أي ليس بين دعاء المظلوم وبين دعاء الله تعالى حجاب، وفي رواية: “بينها”. أي: بين دعوة المظلوم وبين الله تعالى حجاب -أي مانع، أو صارف- فدعوة المظلوم إذن مسموعة ولا ترد، والمراد أنها مقبولة، وإن كان المظلوم عاصيًا، كما جاء في حديث أبي هريرة عند أحمد مرفوعًا: ((دعوة المظلوم مستجابة، وإن كان فاجرًا ففجوره على نفسه)).

وإسناده حسن، وليس المراد أن لله تعالى حجابًا يحجبه عن الناس.

قال ابن العربي: إلا أن الحديث هنا -وإن كان مطلقًا، فهو- مقيد بالحديث الآخر: ((أن الداعي على ثلاثة مراتب؛ إما أن يعجل له ما طلب، وإما أن يدخر له أفضل منه، وإما أن يدفع عنه من السوء مثله)).

وهذا التقييد شبيه بقيد المطلق في قوله تعالى: {أَمّن يُجِيبُ الْمُضْطَرّ إِذَا دَعَاهُ} [النمل: 62] قيده سبحانه بالمشيئة حين قال: {فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَآءَ} [الأنعام: 41].

5. حكم الزكاة على الصبي والمجنون والعبد:

اختلف أهل العلم في حكم الزكاة على الصبي والمجنون:

فذكرت طائفة أن الطفل إذا كان غنيًّا وجبت في ماله الزكاة؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: ((من أغنيائهم)) كما أنه إذا كان فقيرًا جاز له أن يأخذ الزكاة، وإليه أيضًًا ذهب غير واحدٍ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وذهبوا أيضًًا أن في مال اليتيم زكاة منهم عمر، وعلي، وعائشة، وابن عمر، وبه يقول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.

وقالت طائفة أخرى من أهل العلم: ليس في مال اليتيم زكاة، وبه قال سفيان الثوري، وعبد الله بن المبارك، وقال به أيضًًا أبو حنيفة وأصحابه، وهو قول أبي وائل، وسعيد بن جبير، والنخعي، والشعبي، والحسن البصري، وحكي عنه إجماع الصحابة. وقال سعيد بن المسيب: لا تجب الزكاة إلا على من تجب عليه الصلاة، والصيام، وقيل: هو مذهب ابن عباس، وعلي رضي الله عنهما.

قال الشيرازي: وتجب -يعني الزكاة- في مال الصبي والمجنون لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “ابتغوا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة” ولأن الزكاة تراد لثواب المزكي، ومواساة الصغير، والصبي، والمجنون من أهل الثواب، ومن أهل المواساة؛ ولهذا يجب عليهما نفقة الأقارب، ويعتق عليهما الأب إذا ملكاه، ووجبت الزكاة في مالهما.

قال النووي: حديث “ابتغوا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة” ضعيف، رواه الترمذي والبيهقي من رواية المثنى بن الصباح عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم، والمثنى بن الصباح ضعيف، ورواه الشافعي، والبيهقي بإسنادٍ صحيح عن يوسف بن ماهَك عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا؛ لأن يوسف تابعي، وماهَك بفتح الهاء أعجمي لا ينصرف.

وقد أكدَّ الشافعي -رحمه الله- هذا المرسل بعموم الحديث الصحيح في إيجاب الزكاة مطلقًا، وبما رواه عن الصحابة في ذلك، ورواه البيهقي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه موقوفًا عليه.

وقال: إسناده صحيح، ورواه أيضًًا عن علي بن مطرف، وروى إيجاب الزكاة في مال اليتيم عن ابن عمر، والحسن بن علي، وجابر بن عبد الله رضي الله عنهم.

وفي قوله صلى الله عليه وسلم: ((تؤخذ من أغنيائهم)) دليل على أن الإمام يرسل السعاة إلى أصحاب الأموال لقبض صدقاتهم.

قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الزكاة ترفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى رسله، وعماله، وإلى من أمر بدفعها إليه، وفي جواز نقل الزكاة من بلد المال إلى غيره ما يفهم من صنيع البخاري، حيث أورد هذا الحديث عقب قوله: باب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء حيث كانوا.

قال ابن المنير: اختار البخاري جواز نقل الزكاة من بلد المال؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: ((فترد في فقرائهم)) لأن الضمير يعود على المسلمين، فأي فقير ردت فيه الصدقة في أي جهة كان فقد وافق عموم الحديث.

والذي يتبادر إلى الذهن من هذا الحديث عدم النقل، وأن الضمير يعود على المخاطبين؛ فيختص بذلك فقراؤهم، لكن رجح ابن دقيق العيد الأول، وهو جواز نقل الزكاة، وقال: إنه -وإن لم يكن الأظهر إلا أنه- يقويه أن أعيان الأشخاص المخاطبين في قواعد الشرع الكلية لا تعتبر، فلا تعتبر في الزكاة، كما لا تعتبر في الصلاة، فلا يختص بهم الحكم، وإن اختص بهم خطاب المواجهة.

وقد اختلف العلماء في هذه المسألة، فأجاز النقل الليث، وأبو حنيفة وأصحابهما؛ ونقله ابن المنذر عن الشافعي واختاره، والأصح عند الشافعية، والمالكية، والجمهور: ترك النقل، فلو خالف، ونقل أجزأه عند المالكية على الأصح، ولم يجزئ عند الشافعية على الأصح، إلا إذا فقد المستحقون لها في بلد المال المزكى عنه، ولا يبعد أنه اختيار البخاري؛ لأن قوله: حيث كانوا يشعر بأنه لا ينقلها عن بلدٍ وفيه من هو متصف بصفة الاستحقاق.

والذي يظهر أن عدم النقل أصح، إلا إذا فقد المستحقون لها، أو يكون في النقل مصلحة أنفع، وأهم من عدمه.

وقد أجمع الفقهاء على أنه لا يجوز دفع شيء من صدقات أموال المسلمين إلى غير أهل دينهم؛ لأن الضمير في قوله: ((فقرائهم)) عائد على المسلمين، لكن إذ وجه بعضها إلى المصالح العامة؛ فسينتفع بها الجميع من المسلمين وغيرهم، وذكر الخطابي أنه إذا تبين أن من دفعت إليه الصدقة كان غنيًّا يوم أخذها؛ كان عليه إعادتها.

ثم قال: وقد قسم الناس في هذا الحديث غني وفقير، وآخذ ومأخوذ منه، فلا يجتمع الوصفان معًًا في شقٍّ واحدٍ منها؛ لتضادهما، واختلاف أحكامهما، وفي ذلك دليل على أنه لو تصدق رجل بعشرةٍ من الإبل على الفقراء؛ فحال الحول عليها؛ لم تجب الصدقة فيها؛ لأنها لو أخذت منهم لوجب ردها عليهم، فلا يجتمع أن يكون آخذًًا، ومأخوذًا منه في شيء واحد.

قال الشيرازي: ولا تجب الزكاة إلا على حرٍّ مسلم، وأما المكاتب، والعبد -إذا ملَّكه المولى مالًا- فلا زكاة عليه؛ لأنه لا يملك في قوله الجديد، ويملك في قوله القديم، إلا أنه ملك ضعيف لا يحتمل المواساة؛ ولهذا لا تجب عليه نفقة الأقارب، ولا يعتق عليه أبوه إذا اشتراه فلم تجب عليه الزكاة.

وفيمن نصفه حر، ونصفه عبد وجهان:

أحدهما: لا تجب عليه الزكاة؛ لأنه ناقص بالرق، فهو كالعبد.

والثاني: أنها تجب فيما ملكه بنصفه الحر؛ لأنه يملك بنصفه الحر ملكًًا تامًّا فوجب عليه الزكاة كالحر.

قال النووي: قوله: ولا تجب الزكاة إلا على حرًّ مسلم، ولم يقل: تام الملك -كما قال في التنبيه- وهذا الذي قاله هنا حسن؛ لأن مقصوده في هذا الفصل: بيان صفة الشخص الذي تجب عليه الزكاة، وكونه تام الملك صفة للمال، فأخره ثم ذكر في أول الذي يلي هذا في فصل صفات المال: وهذا ترتيب حسن.

أما وجوب الزكاة على الحر المسلم؛ فظاهر لعموم الكتاب، والسنة، والإجماع فيمن سوى الصبي، والمجنون.

قال النووي: ومذهب وجوبها في مال الصبي، والمجنون -كما سبق- وأما المكاتب، فلا زكاة عليه، لا في عشر زرعه، ولا في ماشيته وسائر أمواله، ولا خلاف في شيء من هذا عند الشافعية، ولا يجب عليه زكاة الفطر أيضًًا، والشافعية أنها لا تجب عليه.

ويستفاد من الحديث:

قبول خبر الواحد، ووجوب العمل به، وهو قول من يعتد به في الإجماع، وخالف المعتزلة في هذا وردوا خبر الواحد بحججٍ، منها:

قصة ذي اليدين في الصلاة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم توقف في خبره، وسأل بعض الصحابة أحقًّا ما يقول ذو اليدين، احتجوا أيضًًا بأن أبا بكرٍ رضي الله عنه توقف في ميراث الجدة في خبر المغيرة بن شعبة حتى تابعه محمد بن مسلمة، واحتجوا أيضًًا بأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يقبل خبر أبي موسى الأشعري في الاستئذان، حتى شهد معه أبو سعيد الخدري. ورد على هذا كله، وهذا في علوم الحديث واضح وظاهر، فالمعتزلة يردون خبر الواحد.

أيضًًا يستفاد من الحديث:

أن الكفار يدعون إلى الإسلام قبل القتال، وأنه لا يحكم بإسلام الكافر إلا بالنطق بالشهادتين، وهو مذهب أهل السنة؛ لأن ذلك أصل الدين الذي لا يصح شيء من فروعه إلا به.

يستفاد من الحديث أيضًًا: أن الصلوات الخمس فرض في كل يومٍ وليلة خمس مرات، وأنه لا يفرض شيء من الصلوات إلا الخمس، خلافًا لمن قال بوجوب الوتر، أو ركعتي تحية المسجد.

أيضًًا: يستفاد من الحديث: أن الزكاة بأنواعها فرض فيما وجبت فيه من مالٍ وغيره، وأن الساعي ليس له أن يأخذ خيار الأموال، بل يأخذ الوسط بين الخيار والرديء، وهو المشار إليه بقوله تعالى: {وَلاَ تَيَمّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَاعْلَمُوَاْ أَنّ اللّهَ غَنِيّ حَمِيدٌ} [البقرة: 267] فيَحْرُم على رب المال إخراج شرِّ المال، كما يَحْرُم على أخذ الزكاة أن يتخير كرائم الأموال عملًا بهذا الحديث: ((وإياك وكرائم أموالهم)).

قال القرطبي: وفي الحديث دليل للإمام مالك على أن الزكاة لا تجب قسمتها على الأصناف الثمانية المذكورة في الآية الكريمة، وأنه يجوز للإمام أن يصرفها إلى صنفٍ واحدٍ منها إذا رأى في ذلك مصلحة دينية.

أيضًًا فيه عظة الإمام، وتخويفه من الظلم، قال تعالى: {أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظّالِمِينَ}  [هود: 18] واللعنة الإبعاد عن رحمته تعالى، والظلم محرم في كل شريعة، وقد ورد عن أحمد مرفوعًا أن: ((دعوة المظلوم لا ترد، وإن كانت من كافر)) فالله تعالى لا يرضى أن يظلم الكافر، كما لا يرضى ظلم المؤمن؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة.

error: النص محمي !!