Top
Image Alt

السلطة القضائية: تعريفها، مبادئها، أحوال الناس فيها

  /  السلطة القضائية: تعريفها، مبادئها، أحوال الناس فيها

السلطة القضائية: تعريفها، مبادئها، أحوال الناس فيها

1- تعريف القضاء لغةً واصطلاحًا:

القضاء في اللغة له عدة معانٍ:

منها: بلوغ الحاجة، كقوله تعالى: {فَلَمّا قَضَىَ زَيْدٌ مّنْهَا وَطَراً} [الأحزاب: 37]، أي: بلغ حاجته.

ومنها: الأداء، كقوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مّنَاسِكَكُمْ} [البقرة: 200]، أي: أديتموها.

ومنها: الأمر، كقوله تعالى: {وَقَضَىَ رَبّكَ أَلاّ تَعْبُدُوَاْ إِلاّ إِيّاهُ} [الإسراء: 23].

ومنها: الحكم، كالآية السابقة أيضًا.

أما في الاصطلاح فقد عرفه الفقهاء بتعريفات كثيرة؛ أشهرها: هو الحكم بين الناس أو الإلزام بحكم الشرع.

2- مشروعيته:

ثبتت مشروعية القضاء بالقرآن والسنة والإجماع.

أما القرآن فآيات كثيرة, منها قوله تعالى: {يَدَاوُودُ إِنّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقّ} [ص: 26]، ومنها قوله تعالى: {فَلاَ وَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتّىَ يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [النساء: 65].

ومن السنة أحاديث كثيرة، منها قوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر))، وحديث: ((القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجنة)).

أما الإجماع فقد أجمع المسلمون على تنصيب القضاة, ومشروعية الحكم بين الناس.

3- من مبادئ القضاء:

مبادئ القضاء كثيرة، وتتمثل في تحقيق المساواة بين المتخاصمين، والاستناد إلى البينة لدعم الدعوى واليمين عند الإنكار، والاجتهاد عملًا بالسنة، ثم تيسير سبل التقاضي أمام الناس جميعًا.

وأما عن أحوال الناس في تولي القضاء, فهم ثلاثة:

أ- من لا يصلح للقضاء لعدم توافر شروط القاضي فيه، فهذا يحرم عليه القيام به.

ب- من يصلح لتولي القضاء لكن يوجد غيره مثله، فقيل: يكره له ذلك، وقيل: يجوز له تولي القضاء في هذه الحالة.

جـ- من يصلح للقضاء ولا يوجد غيره، فالقضاء فرض عين عليه لا فرض كفاية.

إذًا: نخلص من الكلام عن السلطة القضائية؛ أن هذه السلطة تتولى أعمال القضاء وفض المنازعات بكل مستوياتها ودرجاتها، وتتمثل هذه السلطة في مجموعة القضاة باختلاف درجاتهم ومستوياتهم، والذي يتولى هذه السلطة في الدولة الإسلامية القضاة الشرعيون، وتعيينهم من حق الخليفة أو من ينوب عنه من ولاة الأمصار ونحوهم، وليس في الإسلام ما يمنع من وضع نظام للسلطة القضائية يحدد اختصاصها، ويكفل تنفيذ أحكامها، ويضمن لرجالها حريتهم في إقامة العدل بين الناس.

والقضاء باختصار هو: الحكم بين الناس، وفصل المنازعات والخصومات الواقعة بينهم؛ بالأحكام الشرعية المتلقاة من الكتاب والسنة.

ومن جهة أخرى عُرف القضاء منذ زمن بعيد؛ إذ لا يمكن لحكومة من حكومات العالم أيًّا كان نوعها الاستغناء عنه، إذ لابد للفصل فيما لا يخلو عنه مجتمع بشري من نزاع، وهو مقدس عند جميع الأمم رغم اختلافها رقيًّا وانحطاطًا؛ لأن فيه -كما يقول ابن قدامة-أمرًا بالمعروف ونهيًا عن مضرة المظلوم، وأداء الحق إلى مستحقه, وردًّا للظالم عن ظلمه، وإصلاحًا بين الناس, وتخليصًا لبعضهم عن بعض، فإن الناس لا يستقيم أمرهم بدونه، وهو من أشرف الأعمال وأخطرها شأنًا.

والحكم بين الناس من وظائف الأنبياء، كما قال تعالى: {يَدَاوُودُ إِنّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقّ وَلاَ تَتّبِعِ الْهَوَىَ فَيُضِلّكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِنّ الّذِينَ يَضِلّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ }، وقال تعالى: {وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ} [البقرة: 213]، وهو كذلك مسئولية عظيمة؛ ولذلك امتنع عنه كثير من السلف وحذروا منه، فقد امتنع عنه أبو حنيفة والشافعي وخلق كثير، وقال مكحول مثلًا: “لو خيرت بين القضاء وضرب عنقي, لاخترت ضرب عنقي ولم أختر القضاء”, وقال الفضيل: “ينبغي للقاضي أن يكون يومًا في القضاء, ويومًا في البكاء على نفسه”.

ويكفي في التحذير من القضاء قوله صلى الله عليه وسلم: ((القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجنة؛ رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل عرف الحق ولم يقض به وجار في الحكم فهو في النار، ورجل لم يعرف الحق وقضى في الناس على جهل فهو في النار)).

ومن أجل حاجة الناس إليه أوجب الشارع تعيين القضاة؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فطباع البشر مجبولة على الظلم ومنع الحقوق، والواجب على الإمام أن يفصل في الخصومات وأن يحكم بين الناس بالعدل، ولا يكون ذلك إلا بتعيين القضاة العدول، وهو من فروض الكفاية بإجماع المسلمين؛ فإن قام به من يصلح له سقط الفرض عن الباقين، وإن امتنع الجميع أثموا جميعًا وأجبر الإمام أحدهم عليه. أما عن شروط القاضي؛ فثمة نوعان من الشروط التي يجب توافرها فيمن يتولى القضاء: شروط في كمال الأحكام وأخرى في كمال الخلقة، ونكتفي بالقول بأنه يشترط في القاضي شروط كثيرة؛ أهمها على سبيل الإجمال: أن يكون رجلًا عاقلًا بالغًا حرًّا مسلمًا عدلًا مجتهدًا سميعًا بصيرًا ناطقًا، ولا يتسع المقام لتفصيل هذه الشروط.

error: النص محمي !!