Top
Image Alt

السُّنة النبوية: المصدر الثاني للتربية الإسلامية

  /  السُّنة النبوية: المصدر الثاني للتربية الإسلامية

السُّنة النبوية: المصدر الثاني للتربية الإسلامية

المصدر الثاني الذي تستقي منه التربية الإسلامية منهجها التربوي، هو: السُّنة المطهرة، والمعنى اللغوي لهذه الكلمة “السُّنة” هو: الطريقة، والأسلوب والنهج.

والمعنى العلمي: مجموعة ما نُقِل بالسند الصحيح من أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأعماله وتركه، ووصفه وإقراره ونهيه، وما أحب، وما كره، وغزواته، وأحواله، وحياته.

هذا، وللسنة في المجال التربوي فائدتان عظيمتان:

  • إيضاح المنهج التربوي الإسلامي المتكامل الوارد في القرآن الكريم، وبيان التفاصيل التي لم ترد في القرآن الكريم.
    • استنباط أسلوبٍ تربويٍّ من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، ومعاملته الأولاد، وغرسه الإيمان في النفوس.

ولذلك كانت شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم نموذجًا تربويًّا كاملًا للإنسان، فنجد في شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم مربّيًا عظيمًا، ذا أسلوب تربويّ فذّ، يُراعي حاجات الطفولة، وطبيعتها ويأمر بمخاطبة الناس على قدر عقولهم، أي: يراعي الفروق الفردية بينهم، كما يراعي مواهبهم واستعداداتهم وطبائعهم، ويراعي في المرأة أنوثتها، وفي الرجل رجولته، وفي الكهل كهولته، وفي الطفل طفولته، ويلتمس دوافعهم الغريزية، فيجود بالمال لمن يحب المال حتى يتألّف قلبه، ويقرّب إليهم من يحب المكانة؛ لأنه في قومه ذو مكانة، وهو في خلال ذلك كله يدعوهم إلى الله وإلى تطبيق شريعته، لتكميل فطرتهم، وتهذيب نفوسهم شيئًا فشيئًا، وتوحيد نوازعهم وقلوبهم، وتوجيه طاقاتهم، وحسن استغلالها للخير والسمو: طاقات العقل، وطاقات الجسم، وطاقات الروح؛ لتعمل معًا، وتتجاوب للهدف الأسمى، وبذلك يسمْو الفرد وينهض المجتمع.

وقد أدرك بعض علماء الإسلام هذه الأهداف التربوية النبوية، وصنّفوا بعض أحاديثه صلى الله عليه وسلم تصنيفًا ذا غاية تربوية مثل كتاب “الترغيب والترهيب”، وهو مجموعة أحاديث تربّي في النفس دوافعَ تحبّب لعمل الخير، وروادع تبعد عن كل شرّ، جمعها المحدّث عبد العظيم المنذري في أجزاء فشملت كل أمور الحياة المادية، والروحية، والمالية، والجسدية، والفردية، والاجتماعية، والتعبدية، والفكرية.

واشتقّ بعضهم من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وأحاديثه موضوعات تربوية، ألّف فيها مثل: (تحفة المودود في أحكام المولود) للإمام ابن قيِّم الجوزية، ومثل: (الأدب المفرد) للإمام البخاري، وهو كتاب نبوي تربوي، فيه توجيهات تربويّة ، وآداب اجتماعية.

ومن ثَمّ يمكن القول: إذا كان القرآن قد بيّن للناس قواعد الأخلاق الفاضلة، وأصول المعاملات الحسنة على الإجمال؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم فَصّل ما أجمله القرآن، وطبّق كلام الله تطبيقًا عمليًّا، فإذا قرأنا في القرآن مثلًا: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10] وجدنا تفصيلًا رحيبًا في أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم يقرّب للناس كل معاني الإخوة، ويحبّبها إليهم في أسلوب راقٍ بديع يليق بتفسير كلام رب العالمين، رُوي عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تَحَاسدوا، ولا تَفَاحَشوا، ولا تباغضوا، ولا تَدَابَرُوا، ولا يبعْ أحدكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى ها هنا -ويشير إلى صدره ثلاثة مرات- بحسب امرئٍ من الشرّ أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه».

فالحديث يبيّن الخلق الإسلامي الرفيع لما يجب أن يكون عليه المسلم تجاه أخيه المسلم في كلماتٍ قليلة؛ حيث نبّه فيه النبي صلى الله عليه وسلم على كل أسباب الفُرقة، والخلاف والشِّقاق بين الناس، فنهاهم عنها حتى تحقّق معنى الإخوة الصافي الذي يريده الله من عباده المؤمنين، كل هذا في كلمات قليلة. وبالحديث النبوي كما نرى يتضح معنى {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} بشكل جَليٍّ؛ لأنه بيّن المُجْمل في الآية بالتفصيل.

كان الرسول مِنّة كبرى منّ الله بها على المسلمين؛ لأنه عرفهم طريق الجنة عن طريق رسوله صلى الله عليه وسلم قال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِين} [آل عمران: 164]. أي: ويعلمهم القرآن، ويعلمهم السُّنة؛ فالكتاب هو القرآن، والحكمة هي السُّنة.

فهدايته صلى الله عليه وسلم هي الهداية، ودينه صلى الله عليه وسلم هو الظاهر على سائر الأديان؛ لأنه أكمل الأديان، وشريعته هي أتمّ الشرائع، فتربيته من أحسن التربيات ولا بد أن تظهر وتعمّ؛ لأن ما جاء به هو الإيمان الصحيح والعلم النافع، ولهذا يقول الله عز وجل: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون} ، [الصف:9].   وقال أيضًا: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} [الفتح: 28] فالله سبحانه وتعالى يشهد على أن ما جاءنا به محمد صلى الله عليه وسلم هو الدين الحق الذي ارتضاه للخلق جميعًا.

ومن ثم كان الرسول صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى في التربية. وحسن السلوك ورقي الأخلاق؛ ذلك أنه ربّاه رب العالمين وجعل منه الأسوة العليا، والأُنْمُوذج الأعظم للأخلاق، ومنحه في ذلك أعلى الشهادات فقال عز من قائل: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم} [القلم: 4].، وجعل ذلك منّة يمتنّها على عباده المؤمنين، نعمة يتحدّث بفضلها عليهم، فقال سبحانه وتعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِين} [آل عمران: 164].، وقال أيضًا: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُون} [البقرة: 151].

فالله سبحانه وتعالى يبيّن لنا في قرآنه أن سيدنا محمدًا قد بلغ من الشرف والأدب الرفيع ما لم يُدْرِك شَأْوَهُ بشرٌ؛ إذ وصفه بهذه الصفات البليغة، وقد كان من خُلقه صلى الله عليه وسلم العلم والحلم، وشدّة الحياء، وكثرة العبادة، والسخاء، والصبر، والشكر، والتواضع، والزهد، والرحمة والشفقة، وحسن المعاشرة، والأدب، إلى غير ذلك من الخلال العليّة، والأخلاق المرضية، التي هي المثل الأعلى في جميع نواحيها؛ بحيث تتّسع لتشمل كل الفضائل والكمالات التي تهدي البشرية وتعلم الناس في كل زمان ومكان، كل معاني الشفقة والطهارة والرحمة.

وسيرة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم خير مثال لكل من أراد أن يصل إلى درجة الكمال في الأخلاق والأعمال، والقرآن يبيّن لنا في وضوح أن أصحابه الذين تربّوا على منهاجه صلى الله عليه وسلم قد نالوا هذه الدرجة العليا من السموّ الأخلاقي، وحازوا بها رضا الله عنهم؛ فجاء في صفتهم في محكم التنزيل: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح: 29].

فكل من سار على نهجه واستضاء بنوره صلى الله عليه وسلم واتبع هديه صار من خيرة الناس، وأدخله الله في رضوانه، وأثابه على عمله جنات تجري من تحتها الأنهار مصداقًا لقوله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّة * جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّه} [البينة:  7 ، 8].

error: النص محمي !!