Top
Image Alt

(السُّنن الكُبرى) للبيهقي

  /  (السُّنن الكُبرى) للبيهقي

(السُّنن الكُبرى) للبيهقي

أ. مؤلِّفه:

هو: الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، المولود سنة (384هـ)، والمتوفَّى سنة (458هـ)، صاحب المصنَّفات الذائِعة والكُتب السائرة.

ب. سبب التّصنيف:

لقد أراد البيهقي من وراء تصنيف هذا الكتاب: أن يجمع مُسند النبي صلى الله عليه وسلم، وما يُحتاج إليه من الآثار في الأحكام الشّرعيّة مِن الموقوفات والمقطوعات مُرتَّبة على أبواب الفقه. وكان هدفه من وراء ذلك: إثْبات صِحّة مذهب الإمام الشافعيّ، وأنّ مذهَبَه قائم على الكتاب والسُّنّة.

ورغم أنّ الإمام البَيهقي قَصد في جُملة ما قَصد إليه من رواء وضْعه لهذا الكتاب: نُصرة المذهب وتأصِيله، إلاّ أنه حَرِص كلّ الحِرص في صناعته الحديثيّة على أن يَنْتصر للحديث قبْل انتِصاره للمذهب، وأن يَقِف معارِضًا ومنتقدًا للمذهب ولإمامِه الشافعيّ -رحمه الله- في العَديد مِن المواطِن؛ وذلك لمزيدِ إنصافه وتحرِّيه، وقُدرته الحديثيّة والفقهيّة.

وقد أدرك هذا الجانبَ الذهبيُّ -رحمه الله-، فراح يُشيد به قائلًا: “ولو شاء البيهقيّ أن يَعمل لنفْسه مذهبًا يَجْتهد فيه، لكان قادرًا على ذلك، ِلسِعة عُلومه ومعْرفته بالاختلاف؛ ولهذا تراه يلوِّح بنصر مسائل ممّا صحّ فيها الحديث.

ج. موضوع (السُّنن الكبرى):

لقد قصد الإمام البيهقيّ أن يجعل كتابه جامِعًا لسُنن النبي صلى الله عليه وسلم، وأسماه: (السُّنن وما يُحتاج إليه مِن الآثار الموقوفة والمقطوعة).

وعلى هذا، فموضوع (السّنن الكبرى) هو: أحاديث الأحكام مُرتَّبة على الأبواب الفقهيّة؛ فهي أصْل موضوعه، وعُنوان الكتاب يدلّ على مُراده منه، ولكنّ توسّعه في إيراد الموقوفات والمقاطيع، وعنايته بذلك قَصْدًا وتَصريحًا في أثناء عمَله، يجعل عملَه أقربَ إلى منهج (المصنَّفات) منه إلى (السُّنن).

وقد رتَّب الإمام البيهقي مادّته الحديثيّة وِفْق نِظام الكتاب والباب، وحرص في عامّة كتابه أنْ يَحْكم على كلِّ نصّ بما يُناسبه مِن الأحكام النَّقْديّة، جامعًا لشواهِده، ومتابعاته، وغَريبه، وعِلله، كما يتعرَّض لمختلِفه، وناسِخه ومنسوخِه إن وُجد، ويُطرِّز ذلك بما يَنْقدح له من استنباطات فقهيّة مُستفادة بالتّنصيص أو الدِّلالة.

وقد عالج الإمام البيهقي مِن خلال هذه الكتب التي بلغ عددُها واحدًا وسبعين كتابًا مسائِل الأحكام، وعني بها عِناية فائقة؛ فتوسّع في تفْريع هذه المسائل، وأشبعها بما يَفيها من المادّة الحديثيّة، و فاق بعمَلِه هذا سائِرَ أصحاب السّنن، بما فيهم أصحاب السُّنن الأربعة ،وغيْرهم مِن أصحاب المصنَّفات الحديثيّة التي كتَبها أصحابها وِفْق الأبواب.

د. المكانة العِلْميّة لـ: (اِلسُّنن الكبرى):

احتلّت (السُّنن الكبرى) مكانةً مرمُوقة بيْن المصنَّفات في الحديث الشريف، وأكبرَها الأئمةُ النُّقاد، وأطْنبوا في رفْعِها، والثناءِ عليها، وذلك لاشتمالها على الكثير من المزايا النّفيسة؛ وإليك طائفة مِن أقوال العلماء في مَدح الكتاب والثناء عليه:

ممّن أثنى عليه وحَمِده وارتضَاه: الإمام رُكن الإسلام: أبو محمد الجُوَيني (ت448هـ)،والد إمام الحرميْن؛ فقد أنفق الكثير مِن مَالِه مِن أجْل أن يظفَر بنسخةٍ منه.

يقول الإمام البيهقي في ذلك: “ووقع الكتاب الثاني، وهو كتاب (السنن) إلى الشيخ الإمام أبي محمد عبد الله بن يوسف الجُويني، بعد ما أنفق على تحصيله شيئًا كثيرًا؛ فارتضاه، وشكَر سعْيِي فيه، فالحمدُ لله على هذه النعمة حَمدًا يُوازيها، وعلى سائِر نعمته حمدًا يُكافيها”.

وقد جعَله أبو عمر بن الصلاح (ت 643هـ) سادسَ الكُتب السِّتّة في القيمة والأهمِّيَّة، عوضًا عن (سنن ابن ماجة)، ومنَحه وصفًا خاصًا ميّّزه به على سائر كُتب السُّنن، فقال: “ولْيقدِّم -أي: طالب العلْم- العنايةَ بـ: (الصحيحيْن)، ثم (سنن أبي داود) و(سنن النسائي)، و(كتاب الترمذي)، ضبطًا لمُشْكلها، وفَهمًا لخفيِّ معانيها، ولا يُخْدعنَّ عن كتاب (السنن الكبير) للبيهقي، فإنَّا لا نعلم مثلَه في بابه”.

وقال الإمام الذهبي: “تصانيف البيهقي عظيمة القدْر، غزِيرة الفوائد، قَلّ مَن جوّد تواليفه مثل الإمام أبي بكر؛ فينبغي للعالِم أن يعتنيَ بهؤلاء، سيما (سننه الكبير). وقد قَدِمَ قَبل موته بسَنة أو أكثر إلى نيسابور، وتكاثر عليه الطَّلَبة، وسمعوا منه كُتبَه، وجُلبت إلى العراق والشام والنواحي، واعتنى بها الحافظ أبو القاسم الدمشقي وسمِعها من أصحاب البيهقي، ونقَلَها إلى دمشق هو وأبو الحسن المُرادي”. وقال كذلك: “عمِل (السنن الكبير) في عشْر مجلدات ليس لأحدٍ مثله”.

وقال في موضع آخَر -يَنْصح طَلبة العلْم-: “إنما شأن المحدِّث اليوم الاعتناءُ بالدواوين السِّتّة، و(مسند أحمد بن حنبل)، و(سُنن البيهقي)، وضبط مُتونها وأسانيدها، ثم لا يَنْتفعُ بذلك حتى يتَّقي ربّه، ويدين بالحديث”.

وفي تعقيب الذهبي على مَقَالة الإمام العِزّ بن عبد السلام التي قال فيها: “ما رأيت في كُتب الإسلام في العلْم مثل (المُحلّى) لابن حزم، وكتاب (المغني) للشيخ موفّق الدِّين”، قال معقِّبًا: “وثالثهما: (السُّنن الكبير) للبيهقي، ورابعهما: (التَّمْهيد) لابن عبد البَرّ؛ فمن حصّل هذه الدّواوين، وكان مِن أذكياء المُفتِين، وأدْمَن المطالعة فيها، فهو العالِم حقًا”.

وقال الإمام السُّبكي (ت 771هـ) مُشيدًا به: “أمّا (السّنن الكبير) فما صُنِّف في علْم الحديث مثلُه، تهذيبًا وترتيبًا وجوْدة”.

وقال الحافظ ابن كثير (ت 774هـ): “وجمَع أشياء كثيرة نافعة، لم يُسبق إلى مثْلها، ولا يُدرك فيها، منها: كتاب (السّنن الكبير)”.

وتوسّع الإمام السَّخاوي (ت 902هـ) في الثّناء على (السّنن الكبرى) وتَفضيلها على غيْرها مِن كُتب الحديث المتخصِّصة في مادّة (السّنن)، فقال مُتحدِّثًا عن كُتب (السنن): “والمقدَّم منها: كتاب أبي داود، لكثرة ما اشتمل عليه مِن أحاديث الأحكام، ثم كتاب أبي عبد الرحمن النسائي، لتتمرن في كيفية المشي في العِلل، ثم كتاب أبي عيسى الترمذي لاعتنائه بالإشارة لِما في الباب من الأحاديث، وبيانه لِحُكم ما يُورد مِن صحّة وحسْن وغيرهما. ويليهما: كتاب (السّنن) للحافظ الفقيه أبي بكر البيهقي؛ فلا تَعْدُ عنه لاستيعابه لأكثر أحاديث الأحكام؛ بل لا نعلم -كما قال ابن الصلاح- في بابه مثْلَه، ولذا كان حقُّه التَّقْديم على سائِر كُتب السّنن، ولكن قُدِّمت تلك لتقدّم مُصنِّفيها في الوفاة، ومَزيد جلالتهم”. وقال الإمام أبو عبد الله محمد الأمير الكبير في بيان كلام السَّخاوي في قوله: “فلا تَعْد عنه، لاستيعابه لأكثر أحاديث الأحكام”: “أي: لا تتجاوز أنتَ عن كتاب (السنن الكبرى)، ولا حَاجة لك في طَلب غيْره”.

وقال الفاداني المَكي في الثناء على (السنن الكبرى) و(الصغرى): “لم يُصنَّف في الإسلام مثلُهما”.  وقال الكتاني (ت 1345هـ): مثل ما قاله الفاداني، وزاد: “و(الكبرى) مستوعِبة لأكثر أحاديث الأحكام”.

وهذا الثَّناء العَطِر على (السنن الكبرى) مِن كبار العلماء في كلِّ عصر، يؤكِّد المكانة العلميّة المرموقة التي كان يحتلّها هذا السِّفر الجليل.

كما أنّ لِشيوع هذا الكتاب -وبقيّة كتب البيهقي- بيْن أوساط أهل العلْم مِن عصر المصنِّف إلى زمننا، دَلالة أخرى على قِيمته وأهمِّيَّته في بابه.

قال الإمام أبو سعد السمعاني (ت 562هـ)، في مجال حديثه عن مصنَّفات البيهقي: “وصنَّف فيه التصانيف التي لم يُسبَق إليها؛ وهي مشهورة موجودة في أيدي الناس، سَمِعتُ منها كتاب (السنن الكبير)، و كتاب (السنن الصغير)”.

وقال ابن بالصلاح (ت 643هـ)، في حديثه عن تقييم الحُفّاظ ومصنَّفاتهم: “سبْعة مِن الحفّاظ في ساقتهم أحسنوا التّصنيف، وعَظُم الانتفاع بتصانِيفهم في أعصارنا”، ذكر منهم الإمام البيهقي.

هـ. عناية العلماء بـ: (السنن الكبرى) للبيهقي:

لقد حَظيَ كتاب (السنن الكبرى) بعناية العلماء واهتمامهم، وذلك بالإقْبال عليه سماعًا وإسماعًا، وتهذيبًا واختصارًا، واستخراجًا لزوائده، وكلامًا في رِجاله، إلى غير ذلك من ألوان العناية والاهتمام…

و. ممّن اختصره وهذَّبه:

  1. الإمام ابن عبد الحق إبراهيم بن علي الدّمشقيّ، في خمْس مجلّدات.
  2. الإمام محمد بن أحمد الذهبي، سمَّاه: (المُهذب في اختِصار السُّنن الكبير)، حيث حذَف أسانيد الأحاديث، واقْتصر على ذِكْر مَن خرّج الحديث، مع بيان دَرجة الحديث مِن حيث الصِّحّة والضَّعف، كما حذَف المتون المُكرَّرة التي وقعت قريبة مِن بعضها.  وقد جاء مخْتصَر الذهبي هذا، على قَدر النِّصف من الكتاب الأصل أو يَزيد، وقد طُبع منه أربع مجلدات بالقاهرة.
  3. عبد الوهاب بن أحمد الشعراني؛ ذكره صاحب (كَشْف الظنون).
  4. محمد بن أحمد الموريتاني، الملقّب بالداه الشنقيطي، سماه: (فتح الإله في اختصار السّنن الكبرى)، اقتصر فيه على حَذْف الإسناد، والمكرّرات، كما حَذَف تخريج الأحاديث الذي يذكره البيهقي عقب الأحاديث.

ز. وممّن استخرج زوائده على الكُتب السِّتّة:

الإمام أحمد بن أبي بكر البوصِيري، وسماه: (فوائد المنتقِي لزوائِد البيهقي)، وصَلنا المجلّد الثاني والثالث.

وقد اختصر كتابَ البوصيري: الإمام محمد بن محمود الجزائري، المشهور بابن العنّابي، وأسماه: (المقتطَف من فوائد المنتقي لزوائِد البيهقي)، يوجد منه مجلّد واحد في دار الكتب المصريّة.

ح. وممّن ترجم لِرجاله: الحافظ ابن الملقِّن، في كتابه: (إكمال تهذيب الكمال).

ط. وممّن تَعقَّبه واستدرك عليه:

الإمام علي بن عثمان، المشهور بابن التّركماني الحنفيّ، وسمَّى كتابه: (الجوْهَر النقيّ في الردِّ على البيهقيّ)، وهو مطبوع بهامش (السنن الكبرى).

وانتقاداته على البيهقي متفاوتة مِن حيث قيمتها العلميّة: فمنها ما هو قويّ صحيح، ومنها ما هو ضَعيف مَرْدود. وقد قام مجموعة من الطلاب في الجامعة الإسلامية، كلية الحديث، بدِراسة هذه التعقّبات، والموازنة بيْن الإماميْن فيها، في رسائل علميّة نالوا بها درجة الدكتوراه. قام بتلخيص هذا الكتاب: الإمام زين الدين القاسم بن قطلوبغا الحنفيّ، وسمّى تلخيصه هذا: (تَرصيع الجوهَر النَّقي في الرد على البيهقي)، ورتّبه على حُروف المعجم، وانتهى فيه إلى حرف المِيم، واخترمته المنيّة قبل إكماله.

error: النص محمي !!