Top
Image Alt

الشاعر: صلاح عبد الصبور

  /  الشاعر: صلاح عبد الصبور

الشاعر: صلاح عبد الصبور

وهو أحد الشعراء الذين دافعوا عن الشعر الجديد “شعر التفعيلة”، وكتبوا فيه عددًا من الدواوين وعددًا من المسرحيات، وكان للموقع الذي يحتله بحكم وظيفته صلاح عبد الصبور أثر كبير في ترويج شعره وشهرته. وقد اهتمت به في حياته وسائل الإعلام كثيرًا. ويعدّ من الجيل الأوسط في مدرسة الشعر الجديد، فهو جاء بعد جيل الرواد، الذين كانوا يتنازعون ريادةَ هذا اللون من الكتابة الشعرية في العراق وفي مصر.

ومن قصائد صلاح عبد الصبور التي تمثّل هذا الاتجاه قصيدة بعنوان “رحلة في الليل”، يقول فيها:

الليل يا صديقي ينفضني بلا ضمير

ويطلق الظنون في فراشي الصغير

ويثقل الفؤاد بالسواد

ورحلة الضياع في بحر الحِداد

فحين يُقبل المساء يقفر الطريق

والظلام محنة الغريب

يهبّ ثُلة الرفاق

فُض مجلس السمر إلى اللقاء

وافترقنا نلتقي مساء غد

الرُّخ مات فاحترس الشاه مات

لم ينجه التدبير

إني لاعبٌ خطير

أعود يا صديقتي لمنزلي الصغير

وفي فراشي الظنون

لَمْ تدع جفني ينام

ما زال في عَرض الطريق تائهون يطلعون

ثلاثة أصواتهم تنداح في دوامة السكون

كأنهم يبكون

لا شيءَ في الدنيا جميل كالنساء في الشتاء

والخمر تهتك الأسرار والشعار والدثار

ويضحكون ضحكة بلا تخوم

ويقفر الطريق من ثغاء هؤلاء

والقصيدة -كما ترى- تستخدم ألفاظًا يستخدمها الناس في حياتهم اليومية، وهذه هي الواقعية التي كانوا يَدعون إليها ويتبنونها، ولذلك كانت الدواوين الأولى لصلاح عبد الصبور تحمل عناوين تدل على هذا الاتجاه الواقعي، فديوانه “الناس في بلادي” كهذا العنوان يدل على أن الشاعر يريد أن يتحدث عن الناس في بلاده، عن حياتهم وهمومهم وواقعهم الاجتماعي.

قال صلاح عبد الصبور في قصيدة “الناس في بلادي” التي سمّى هذا الديوان باسمها:

الناس في بلادي جارحون كالصقور

غناؤهم كرجفة الشتاء في ذؤابة الشجر

وضحكهم يأز كاللهيب في الحطب

خطاهم تريد أن تسوخ في التراب

ويقتلون يسرقون يشربون يجشئون

لكنهم بشر وطيبون

حين يملكون قبضتي النقود ومؤمنون بالقدر

وكان لهذا الشعر ولأصحابه خصومٌ كثيرون، فهذه القصيدة وهذا الديوان؛ فقد تعرض الشاعر عامر بُحيري لهذه القصيدة ولهذا الديوان بنقد لاذع، قال فيه: نظم صلاح عبد الصبور قصيدة اشتهر عنوانها فيما بعد أكثر منها؛ لأنها اتخذها عنوانًا لديوانه الأول، وهي قصيدة “الناس في بلادي” يقول عامر بحيري:

وهو في الواقع لا يريد أن يتحدث عن الناس في بلاده، بقدر ما يريد أن يتحدث عنهم في بلده، بل في قريته خاصة؛ لأنه يقف في هذه القصيدة عند باب قريته، ويذكر بالتحديد عمّه مصطفى وهو يجلس ساعة الأصيل وحوله الرجال واجمون، يحكي لهم تجربة، ثم يعود إلى هذه القرية مرة أخرى وقد مات العم مصطفى ووسدوه التراب، وسار خلف نعشه الفقراء، ووقف حفيده خليل عند باب القبر ينظر للسماء نظرة احتقار.

يقول عامر بحيري: هذه خلاصة التجربة، أما طريقة النظم فقد أتلفت هذه التجربة وأحالتها إلى عدم.

وكأن عامر بحيري يريد أن يقول: إن تجربة الشاعر صلاح عبد الصبور في هذا الديوان تجربة محدودة جدًّا ضيقة جدًّا، لم تتسع للناس في بلاده -يعني: مصر- وإنما كانت مقصورة على حدود قريته. وهو بذلك يتهم الشاعر بقصر النظر وضيق الأفق، وعدم التعمق في التجربة.

ومن شعر صلاح عبد الصبور أيضًا ديوان له بعنوان (أقول لكم)، وفيه تحدّث صلاح عبد الصبور عن مشكلة فلسطين ومشكلة اللاجئين، وتحدث فيها عن العروبة، وحق الإنسان أن يعيش في وطنه، وله قصيدة في هذا الديوان عنوانها “ثلاث صور من غزة” يقول فيها:

لم يكُ في عيونه وصوته ألم

لأنه أحسه سَنة

ولاكه استنشقه سنة

وشاله في قلبه سنة

وطالت السنون أزمنة

فأصبحت آلامه حقدًا بلا أمل ينتظر الغَدَ

وفي الصورة الثانية يقول:

يا أيها الصغار

عيونكم تحرقني بنار

تسألني أعماقها عن مطلع النهار

عن عودة إلى الديار

أقول يا صغار

لننتظر غدا

لو ضاع منا الغد يا صغار

ضاع عمرنا سُدًى

وفي الصورة الثالثة يقول:

كانت له أرض وزيتونة

وكَرمة وساحة ودار

وعندما أوفت به سفائن العمر إلى شواطئ السكينة

وخطّ قبره على ذرى التلال

انطلقت كتائب التتار

تذوده عن أرضه الحزينة

لكنه خلف سياج الشوك والصبَّار

ظل واقفًا يرفض أن يموت قبل يوم ثار

ومن شعر صلاح عبد الصبور أيضًا قصيدة بعنوان “هجم التتار” يقول فيها:

هجم التتار

ورموا مدينتنا العريقة بالدمار

رجعت كتائبنا ممزقة وقد حمي النهار

الراية السوداء والجرحى وقافلة موات

والطبلة الجوفاء والخطب الذليل بلا التفات

وأكفّ جندي تدق على الخشب لحن السغب

والبوقُ ينسل في النهار

والأرض حارقة كأن النار في قرص تدار

والأفق مختنق الغبار

وهناك مركبة محطمة تدور على الطريق

الخيل تنظر في انكسار

العين تدمع في انكسار

والأنف تَهمل في انكسار

والأذن يلسعها الغبار

والجند أيديهم مدلاة إلى قرب القدم

قمصانهم محنية مصبوغة بنثار دم

والأمهات هربن خلف الربوة الدكناء من هول الحريق

أو هول أنقاض الشقوق

أو نظرة التتر المحملقة الكريهة في الوجوه

أو كفهم تمتد نحو اللحم في نهمٍ كريه

زحف الدمار والانكسار

وا بلدتي زحف التتار

في معزل الأسرى البعيد

الليل والأسلاك والحرس المدجج بالحديد

والظلمة البلهاء والجرحى ورائحة الصديد

ومِزاح مخمورين من جند التتار

يتلمظون الانتصار

ونهاية السَّفر السعيد

وأنا اعتنقت هزيمتي

ورميت رجلي في الرمال

وذكرت يا أمي أماسينا المنعمة الطوال

وبكيت ملء العين يا أمي لذكرى كالنسيم

وغمائم الكلم القديم

أمي وأنت بفَسح ذاك التل بين الهاربين

والليل يعقد للصغار الرعب من تحت الجفون

والجوع والثوب الشفيف

والصم والثعلات والظلماء تُقعي في الكهوف

أتُرى بكيت لأن قريتنا حطام

ولأن أيامًا أسيرات تولت لن تعود

أمّاه إنا لن نبيد

هذا بسمع صاحب من أهل شارعنا العتيد

وسُعال مهزوم قعيد

وفم يهمهم من بعيد بالوعيد

وأنا وكل رفاقنا يا أم حين ذَوَى النهار

بالحقد أقسمنا سنهتف في الضحى بدم التتار

أماه قولي للصغار أيا صغار

سنجوس بين بيوتنا الدكناء إن طلع النهار

ونشيد ما هدم التتار

وهذه القصيدة تصويرٌ لهزيمة قاسية، يبدو أنها هزيمة 1967، التي حلّت بالعرب من إسرائيل، وفيها تصويرٌ جيد لمظهر المهزوم، وفيها تعبيرٌ رمزي، لكنه واضح، فالأرض حارقة، واللحن لحن سغب -أي: جوع- والطبلة الجوفاء والخطب الذليل بلا التفات، والعين تدمع في انكسار، والخيل تنظر في انكسار، والأفق مختنق الغبار، فكل هذه هي مظاهر الهزيمة ومظاهر الانكسار، والشاعر يتحدث عن الأعداء، يصفهم بأنهم التتار، الذين لا يُبقون في هجومهم على شيء، ولا يرحمون أحدًا، ويتحدث عن مَعزل الأسرى البعيد، وعن الليل والأسلاك، والظلمة البلهاء، والجرحى ورائحة الصديد، ويتذكر الشاعر أمه، ويتذكر أيامه الماضية، وينتهي بالقسم هو وجنوده، وكأنه كان واحدًا من هؤلاء الجنود، الذين رأوا هذه الهزيمة وعاصروها، وأحسوا بها؛ ليُبين في نهاية القصيدة أو يذكر أنهم أقسموا أنهم سيبنون ما هدم التتار، وأنهم سيأخذون بثأرهم وثأر أمّتهم. والقصيدة -كما ترى- مملوءة باللغة العادية، التي يستخدمها الناس في حياتهم اليومية، وهي مَبنية على طريقة الشعر الجديد “شعر التفعيلة”.

error: النص محمي !!