Top
Image Alt

الشاعر: محمود درويش

  /  الشاعر: محمود درويش

الشاعر: محمود درويش

وقد رَحَلَ الشاعر محمود درويش عن عالمنا في التاسع من أغسطس عام ألفين وثمانية، وهو من الجيل الأحدث من الشعراء الذين تحدثنا عنهم، وهو منتمٍ كذلك إلى مدرسة “شعر التفعيلة” أو “الشعر الحر”.

ومحمود درويش في شعره مراحل، فقد كان في أول ظهوره معروفًا بشعره المقاوم للاستعمار والاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، ولكنه تطوّر في أسلوب شعره، وكان لا يُريد أن يُحدَّد في إطار معين، ولذلك اتسعت دائرة إبداعه إلى نوعٍ من الشعر الإنساني الذي يتمثّل تجربة الإنسان في كل مكانٍ من العالم، وأسلوبه يمزج فيه بين الرمزية والعاطفية والفلسفية والواقعية في مراحله الأخيرة، من شعره الذي يمثل طَوْره الأول قصيدته التي أحدثتْ دويًّا كبيرًا عند ظهورها، وكانت سببًا من أهم أسباب شهرته، قصيدته التي عنوانها “بطاقة هوية”، يقول فيها:

سجِّل

أنا عربي

ورقم بطاقتي خمسون ألف

وأطفالي ثمانية

وتاسعهم سيأتي بعد صيف

سجِّل أنا عربي

وأعمل مع رفاق الكدح في مَحجر

وأطفالي ثمانية

أسلّ لهم رغيف الخبز والأثواب والدفتر من الصخر

ولا أتوسل الصدقات من بابك

ولا أصغُر أمام بلاط أعتابك

فهل تغضب؟

سجِّل أنا عربي

أنا اسمٌ بلا لقب

صبورٌ في بلاد

كل ما فيها يعيش بفورة الغضب

جذوري قبل ميلاد الزمان رَست

وقبل تفتح الحِقب

وقبل السرو والزيتون

وقبل ترعرع العشب

أبي من أسرة المحراث

لا من سادة النُّجب

وجدي كان فلَّاحًا

بلا حسب ولا نسب

يعلمني شموخ الشمس

قبل قراءة الكتب

وبيتي كوخ ناطور من الأعواد والقصب

فهل تُرضيك منزلتي؟

أنا اسمٌ بلا لقب

سجِّل أنا عربي

ولون الشعر فحمي

ولون العين بني

وميزاتي على رأس عقال فوق كوفية

وكفي صلبة كالصخر

تخمش مَن يلامسها

وعنواني أنا من قرية عزلاء منسية

شوارعها بلا أسماء

وكل رجالها في الحقل والمحجر

فهل تغضب؟

إلى أن يقول:

سجِّل برأس الصفحة الأولى

أنا لا أكره الناس

ولا أسطو على أحد

ولكني إذا ما جُعت

آكل لحم مغتصب

حذار حذار من جوعي ومن غضبي

هذا ينتمي إلى شعر المقاومة الواضح والصريح.

أما شعره في المرحلة الأخيرة فمنه قصيدته الطويلة “جِدَارية”، وهذه القصيدة محاولة للبحث في المصير الإنساني، وفيها حديث عن الموت ورؤية الشاعر له، وتصوير لحظة الوداع، ومحاولة للانتصار على الموت، فأختار من هذه القصيدة هذه الأسطر:

ويا موت انتظر يا موت

حتى أستعيد صفاء ذهني في الربيع

وصحتي لتكون صيادًا شريفًا

لا يصيد الظبي قُرب النبع

فلتكن العلاقة بيننا ودية وصريحة

لك أنت ما لك من حياتي حين أملؤها

ولي منك التأمل في الكواكب

لم يمت أحد تمامًا

تلك أرواح تغيّر شكلها ومقامها

يا موت

يا ظلي الذي سيقودني

يا ثالث الاثنين

يا لون التردد في الزمرد والزبرجد

يا دم الطاوس يا قناص قلب الذئب يا مرض الخيال

اجلس على الكرسي

ضع أدوات صيدك تحت نافذتي

وعلّق فوق باب البيت سلسلة المفاتيح الثقيلة

لا تحدِّق يا قوي إلى شراييني

لترصد نقطة الضعف الأخيرة

أنت أقوى من نظام الطب

أقوى من جهاز تنفسي

أقوى من العسل القوي

ولستَ محتاجًا لتقتلني إلى مرضي

فكن أسمى من الحشرات

كن من أنت

شفّافًا بريدًا واضحًا للغيب

كن كالحب عاصفة على شجر

ولا تجلس على العتبات كالشحاذ أو جابي الضرائب

لا تكن شرطي سير في الشوارع

كن قويًّا ناصع الفولاذ

واخلع عنك أقنعة الثعالب!!!

كن فروسيًّا بهيًّا كامل الضربات

قل ما شئت من معنًى إلى معنًى

أجيء هي الحياة سيولة

وأنا أكثّفها أعرفها بسلطاني وميزاتي

ويا موت انتظر

واجلس على الكرسي

خذ كأس النبيذ ولا تفاوضني

فمثلك لا يُفاوض أي إنسان

ومثلي لا يُعارض خادم الغيب

استرِحْ فَلَربما أُنهكتَ هذا اليوم من حرب النجوم

فَمَن أنا لتزورني

ألديك وقت لاختبار قصيدتي؟

لا ليس هذا الشأن شأنك

أنت مسئول عن الطيني في البشري

لا عن فعله أو قوله

هزمتك يا موت الفنون جميعها!!!

هزمتك يا موت الأغاني في بلاد الرافدين

مِسلة المصري مِقبرة الفراعنة

النقوش على حجارة معبدٍ هزمتكَ وانتصرتْ

وأفلَت من كمائنك الخلود

فاصنع بنا واصنع بنفسك

ما تريد

وأنا أريد

أريد أن أحيا

فهذه القصيدة بتجربتها الإنسانية العميقة والعامة، وبموضوعها الفلسفي في محاورة الموت ومحاولة الانتصار عليه، وبطريقة تعبيرها الرمزي، واستخدامها لهذه اللغة التي تُوحي ولا تصرح، هذه القصيدة تمثل المرحلة المتأخرة من شعر محمود درويش. بهذا نكون قد انتهينا من الحديث عن جماعةٍ من الشعراء في العصر الحديث، بعضُهم يمثِّل الاتجاه المحافظ، وبعضهم يمثل الاتجاه الجديدَ، أو ما يُسمى بـ: “الشعر الجديد”، أو “الشعر الحر”، أو “شعر التفعيلة”.

error: النص محمي !!