Top
Image Alt

الشاعر: نزار قباني

  /  الشاعر: نزار قباني

الشاعر: نزار قباني

وقد اشتهر هذا الشاعر بلقب “شاعر المرأة!” في العصر الحديث، وممن كتب عن نزار قباني الكاتب والأديب إيليا الحاوي”.

ونزار: شاعر سوري كان يعمل في السلك الدبلوماسي، وهو من جيل شعراء الوسط مثل صلاح عبد الصبور في مصر، فهو ليس من جيل الرواد الأوائل، لكنه ينتمي إلى المدرسة الجديدة مدرسة “شعر التفعيلة”.

وأكثر شعر نزار في المرأة، فهو يصفُ المرأة ويصف مَيله الجسدي إليها، ويُسرِف في هذا الوصف، ويصف كل شيء في تجربته الحسية مع المرأة، ويصف كذلك مشاعر المرأة، ويتحدث باسمها في كثيرٍ من قصائده، وهي تتحدث عن عَلاقتها بالرجل، ومن هنا لُقِّب بهذا اللقب “شاعر المرأة في العصر الحديث”.

فهو يُشبِه في تراثنا القديم امرأ القيس، وعمر بن أبي ربيعة، ولكنه يسرف في وصف التجارب الحسية، ووصف المرأة من الجهة الحسية، ومع ذلك فقد كان لنزار قباني شعرٌ سياسيٌّ جيد، وكان له ديوان بعد هزيمة ألف وتسعمائة وسبعة وستين التي لحقت بالعرب من إسرائيل، كان له ديوان بعنوان (هوامش على دفتر النكسة)، وربما مُنع من دخول بعض الأقطار العربية بسبب أشعاره السياسية.

لكنه من الناحية الفنية يقول عنه “إيليا الحاوي” في كتابه (نزار قباني شاعر المرأة) بعد أن تحدث عن العيوب التي تُؤخذ على شعر نزار، ويتهمه بقلة الثقافة، وأنه حَصَر نفسه في تجارب سطحية:

ومهما يكن، فإن مشكلة نِزَار ليست في النهاية مشكلة موهبة، فهو شاعرٌ موهوب لكنه قاصرٌ متخلف، متخلف: -يعني أنه لا يأتي في مقدمة الشعراء، وإنما يأتي في مؤخرتهم- ليس لديه الثقافة التي يَقتضيها الشعر المعاصر، وهو كذلك ليس لديه المعاناة العميقة لحقيقة الوجود؛ لأنه لا يَرتبط بها ذلك الارتباط المصيري الحاسم، الذي يعقد في نفس الفنان عُقدة المصير البشري، مرتفعًا بمعاناته من الجزئية إلى الكلية والشمول، وبأسلوبه من التشبيه إلى الرمز، ومن وَحدة البيت الاتفاقي المرتجل إلى الوحدة العضوية، التي تنمو وتتكامل من الداخل.

ومع الحسّية المفرطة التي وَقع فيها نزار قباني في كثيرٍ من شعره، وقَصْر شعره على التجارب الحسية والجنسية، ووصف المرأة من جهة مفاتنها المُثيرة. أقول: على الرغم من ذلك، فإننا نجد له قصائد فيها الروح الرومانسية، وفيها كذلك الشجن العاطفي الرقيق، من هذا الشعر قصيدته التي عنوانها “حقائب الدموع” يقول فيها:

إذا أتى الشتاء

وحركت رياحه ستائري

أُحسّ يا صديقتي بحاجة إلى البكاء على ذراعيك

على دفاتري

إذا أتى الشتاء

وانقطعَت عَندلة العنادل

وأصبحت كل العصافير بلا منازل

يبتدئ النزيف في قلبي وفي أناملي

كأنما الأمطار في السماء

تَهطل يا صديقتي في داخلي

عندئذٍ يَغمرني شوقٌ طفولي إلى البكاء

على حرير شعرك الطويل كالسنابل

كمَركب أرهقه العُياء

كطائر مهاجر يبحث عن نافذة تُضاء

يبحث عن سقف له في عتمة الجدائل

إذا أتى الشتاء

واغتال ما في الحقل من طُيوب

وخبأ النجوم في ردائه الكئيب

يأتي إليَّ الحزن من مغارة المساء

يأتي كطفل شاحب غريب

مبَلل الخدين والرداء

وأفتحُ البابَ لهذا الزائر الحبيب

أمنحه السرير والغطاء أمنحه

جميع ما يشاء

من أين جاء الحزن يا صديقتي وكيف جاء

يحمل لي في يَده زنابقًا رائعة الشحوب

يحمل لي حقائبَ الدموع والبكاء

ومن هذا الشعر الوِجداني الرومانسي الرقيق الذي نحسّ فيه بالشجن، ولا نجد فيه الحسية ولا الشهوانية، هذه القصيدة التي عنوانها “القصيدة البحرية”، يقول فيها:

في مَرفأ عينيك الأزرق

أمطارٌ من ضوء مسموع

وشموس دائخة وقلوع

ترسم رحلتها للمطلق

في مَرفأ عينيك الأزرق

شُبّاك بحريّ مفتوح

وطيور في الأبعاد تلوح

تبحثُ عن جزر لم تخلق

في مرفأ عينيك الأزرق

يتساقط ثَلج في تمّوز

ومراكب حُبلى بالفيروز

أغرقت البحر ولم تغرق

في مرفأ عينيك الأزرق

أرقد كالطفل على الصخر

أستنشق رائحة البحر

وأعودُ كعصفور مُرهق

في مرفأ عينيك الأزرق

أحلم بالبحر وبالإبحار

وأصيد ملايين الأقمار

وعقودَ اللؤلؤ والزنبق

في مرفأ عينيك الأزرق

تتكلم في الليل الأحجار

مَن خبأ آلاف الأشعار

في دفتر عينيك المُغلق

لو أني بحار

لو أحد يمنحني زورقًا

أرسيت قلوعي كل مساء

في مرفأ عينيك الأزرق

وفي هذه القصيدة في الحقيقة تبدو التعبيرات الرمزية والصور الرمزية، فقوله مثلًا: “في مرفأ عينيك الأزرق، أمطار من ضوء مسموع”، فانظر كيف تكون الأمطار من الضوء، وكيف يكون الضوء مسموعًا، ثم يقول: “وشموس دائخة وقلوع ترسم رحلتها للمطلق”، وهذا التعبير: “أمطار من ضوء مسموع” مبنيٌّ على ما يُسمى عند الرمزيين بـ”تراسل الحواس”، وتراسل الحواس معناه: أن الحواس الخمس -وهي النظر، والسمع، والشم، واللمس،- حواس الإنسان في خيالات الشعراء ما يتعلق بحاسة من هذه الحواس بما يُوصف به ما يتعلق بحاسة أخرى، فيصفون المسموع بما يُوصف به المرئي، ويصفون المرئي بما يوصف به المشموم وهكذا، فهنا الأمطار من ضَوْء، والضوء يمكن أن يُرى، لكنه يصفه بأنه مسموع، وأنت إذا نظرتَ في بقية أسطر هذه القصيدة ستجد فيها ما يشبه ذلك.

فمثلًا قوله: “أصيد ملايين الأقمار وعقود اللؤلؤ والزنبق”، وقوله: “تتكلم في الليل الأحجار”، ويبدو أن المرفأ والزورق والشموس والطيور كلَّها رموز ترمز إلى حالة وجدانية ونفسية وفكرية هي التجربة التي أوحت بهذه القصيدة.

ومن شعر نِزار قباني الذي يَنزع فيه نزعةً إنسانيةً تتعلق بمصير الإنسان بصفة عامة، وهي من التجارب القليلة التي خرَجَ فيها من إطار المرأة وجسدها، هذه القصيدة التي عنوانها “الدخول إلى هيروشيما”، وهيروشيما هي المدينة اليابانية التي ألقيت عليها القنبلة النووية في الحرب العالمية الثانية.

يقول نزار في هذه القصيدة:

مبللٌ مبللٌ قلبي كمنديل سفر

كطائر ظلّ قرونًا ضائعًا تحت المطر

زجاجة تدفعها الأمواج في بحر القدر

سفينةٌ مثقوبة تبحث عن شواطئ لا تنتظر

قلبي يا صديقتي مدينة مغلقة

يخاف أن يزورها ضوء القمر

يضجر من ثيابه فيها الضجر

أعمدة مكسورة

أرصفة مهجورة

يغمرها الثلج وأوراق الشجر

قبلك يا صغيرتي

جاءت إلى مدينتي

جحافل الفرس وأفواج التتر

وجاءها أكثر من مغامر ثم انتحر

فَحَاذِرِي أن تلمسي جدرانها

وحاذري أن تقربي أوثانَها

فكل مَن لامسها صار حجرًا

مدينتي ما لكِ من مدينتي

إذ ليس في ساحاتها سوى الذباب والحُفر

وليس في حياتها سوى رفيق واحد

هو الضجر

ويبدو أنه أيضًا يريد أن يرمز بهذه القصيدة إلى واقع البلاد العربية السيئ، وواضح أنه يستخدم الأسطورة في هذه القصيدة في مثل قوله:

وحاذري أن تقربي أوثانها

فكل مَن لامسها صار حجرًا

وفيها أيضًا بُعدٌ تاريخي سياسي في مثل قوله:

جاءت إلى مدينتي جحافل الفرس وأفواج التتر

وجاءها أكثر من مغامر ثم انتحر

ومن أشعار نزار قباني الجيدة التي استخدم فيها رموزًا تاريخيةً، لكنه لم يطمس معاني هذه القصيدة بالرمز وإنما رموز واضحة، قصيدة بعنوان “تريدين”، يخاطب فيها امرأةً تحلم بالثَّراء وحياة النعيم والخمول، فيذكر أنها تريد كُنوز سليمانَ، وأنها تريد المَنّ والسلوى وعصا موسى، وأنه لا يملك أن يحقق لها كلَّ هذه الأماني المستحيلة.

يقول في هذه القصيدة:

تريدين مثل جميع النساء كنوز سليمان

مثل جميع النساء

وأحواض عطر وأمشاط عاج وسرب إماء

تريدين مولًى يسبح باسمك كالببغاء

يقول: أحبك عند الصباح

يقول: أحبك عند المساء

ويغسل بالخمر رجليك يا شهرزاد النساء

تريدين مني نجومَ السماء

وأطباقَ مَنٍّ وأطباقَ سلوى

وخُفين من زهر الكستناء

تريدين من شَنغهاي الحرير

ومن أصفهانَ جلود الفراء

ولست نبيًّا من الأنبياء

لألقي عصاي فينشق بحرٌ

ويُولد بين الغمائم قصر

جميع حجارته من ضياء

تريدين مثل جميع النساء

مراوحَ ريشٍ وكحلًا وعطرًا

تريدين عبدًا شديدَ الغباء

ليقرأ عند سريرك شعرًا

تريدين في لحظتين اثنتين

بلاط الرشيد وإيوان كسرى

وقافلة من عبيد وأسرى

تجر ذيولك يا كليوباترا

ولستُ أنا سندباد الفضاء

لأحضر بابل بين يديك

أهرامَ مصر وإيوان كسرى

وليس لديّ سراج علاء

لآتيك بالشمس فوق إناء

كما تتمنى جميع النساء

وبعد أيا شهرزاد النساء

أنا عامل من دمشق فقير

رغيفي أغمسه بالدماء

شِعري بسيط وأجري بسيط

وأومن بالخبز والأولياء

وأحلم بالحب كالآخرين

وزوج تخيط ثقوبَ رداء

وطفل ينام على ركبتيّ

كعصفور حقل كزهرة ماء

أفكر بالحب كالآخرين

لأن المحبة مثل الهواء

لأن المحبة شمسٌ تضيء

على الحالمين وراء القصور

على الكادحين

على الأشقياء

ومَن يملكون سريرَ حرير

ومن يملكون سرير بكاء

تريدين مثل جميع النساء

تريدين ثامنة المعجزات وليس لدي سوى كبريائي

error: النص محمي !!