Top
Image Alt

الشبهة الحادية عشر والرد عليها

  /  الشبهة الحادية عشر والرد عليها

الشبهة الحادية عشر والرد عليها

بقي معنا أن نتكلم عن بعض الأحاديث الأخرى التي تشدقوا بها، وحاولوا أن يشيعوا بها شيئًا من الشك حول رواية أبي هريرة رضي الله عنه:

ومن ذلك: حديث: ((دخلت امرأةٌ النار في هرة حبستها، فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض))، فيقولون: إن أبا هريرة كان يحب القطط، وكني بأبي هريرة لذلك؛ لأنه كان يحمل هرة في كمه، وحبه للقطط جعله يضع هذا الحديث؟

أقول: أعوذ بالله من هذا الافتراء والفحش في الاتهام!

ثم حاولوا أن يُلبسوا كلامهم الثوب العلمي، فقالوا: هل الإسلام يعاقب هذه العقوبة الشديدة على هذا الذنب اليسير؟

أقول: هناك عشرات الأحاديث على نفس الشاكلة، والعلماء في شرحها يوجهونها وجوهًا متعددة، منها: لعل النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم أن لها ذنوبًا أخرى، أو لعله كان يشدد في أمر الحيوانات والمخلوقات الأخرى حتى لا يستهين بها الناس، أو لعله أراد أن يبين لهم أن لهم في كل ذات كبدة رطبة أجرًا، وكذلك يكون عليهم عقاب إذا ما تعرضوا لذلك.

وهناك من الأحاديث الكثيرة، وعن غير أبي هريرة من الصحابة، مثلًا أبو ذر رضي الله عنه يقول: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق)).

وكل هذه الأحاديث في الصحيحين أو في أحدهما؛ أي: طلاقة الوجه أمر من المعروف، وإياك أن تحقره وأن تستهين به.

أيضًا، روى ابن عمر وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما هذا الحديث مع أبي هريرة، فأبو هريرة لم ينفرد به؛ فلماذا اتهامهم لأبي هريرة بالذات؟!

بالإضافة إلى أحاديث كثيرة في الأعمال اليسيرة التي ينبغي ألا يستهين بها المسلم، ومن ذلك أيضًا حديث أمنا عائشة رضي الله عنها في المرأة المسكينة التي جاءتها ومعها ابنتان لها، فأعطتها أمنا عائشة ثلاث تمرات، فأعطت لكل بنت تمرة، وأرادت أن تأكل هي تمرة، فوجدت البنتين كل واحدة منهما استطعمت التمرة التي أخذتها، فلم تأكل تمرتها وقسمتها إلى نصفين، وأعطت كل بنت من البنتين نصف التمرة، وآثرت أولادها على نفسها، فرفع الأمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((إن الله قد أوجب لها بها الجنة، أو أعتقها بها من النار)).

إذًا هذا حديث من رواية أمنا عائشة بالإضافة إلى حديث أبي ذر بالإضافة إلى حديث: ((يا نساء المسلمات، لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة))، فرسن الشاة: هو ظلف الشاة الذي قد يكون فيه بعض اللحم، وقد لا يكون، وفي حديث عدي بن حاتم: ((اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة)).

فهذه أحاديث كثيرة فيها العمل اليسير، وقد كافأ الله تعالى صاحبه بأجر عظيم، وهذا من فضل الله أولًا؛ لأن الله يضاعف الحسنات لمن يشاء، ولكي يحررهم من أخلاق الجاهلية في عدم اهتمامهم بالحيوانات، وفي استصغارهم لوجوه البر اليسيرة.

فهو منهج تربوي عظيم، أراد الله عز وجل أن يحفّز أمة الإسلام حتى لا تستصغر من أمر المعروف شيئًا أبدًا.

وأيضًا المرأة البغي التي دخلت الجنة في كلب سقته، والرجل الذي سقى كلبًا؛ فشكر الله له، فهذا من رواية أبي هريرة، لكنه ليس هرة! ولم يثبت أن أبا هريرة كان يقتني كلبًا، حتى يقال: إنه يحب الكلاب… إلى آخره.

فقد سبق الإسلام في تقرير حقوق الحيوان قبل أن تظهر في العالم منظمات رعاية الحيوان، في جملة من الأحاديث، أشرنا إليها، وليست هذه قضيتنا.

إذًا نحن كما قلنا: أمام تهم زائفة باطلة مردودة على أصحابها، فساحة أبي هريرة بريئة وطاهرة، بل كل ذلك في ميزان حسناته إن شاء الله تبارك وتعالى.

وكذلك هناك أحاديث عابوها -أيضًا- على أبي هريرة، منها:

حديث: ((لا عدوى ولا طِيَرة)) ويرون أن ذلك يتنافى مع أحاديث أخرى.

وقد ردَّ العلماء على ذلك كثيرًا عند ردودهم على الشبهات التي أثاروها ضد أبي هريرة، وضد غيره من الصحابة، وحتى كتب مختلف الحديث مثل كتاب ابن قتيبة رحمه الله، وغيره من العلماء، ردوا على ذلك، وكل الشروح التي شرحت (صحيح البخاري) و(صحيح مسلم) تعرضت للرد على كل شبهة سواء تتعلق بأبي هريرة أو بغيره، وبينوا زيف التهم التي وجهت إلى هذا.

وحديث: ((لا عدوى ولا طيرة)) رواه البخاري في صحيحه -رحمه الله- عن أبي هريرة، وعن ابن عمر، وعن أنس بن مالك، وثبت أيضًا عن أمنا عائشة عند الطبري، وعن سعد بن أبي وقاص، ورواه مسلم عن أبي هريرة، وعن السائب بن يزيد، وعن جابر، وعن أنس، وعن ابن عمر رضي الله عنهم.

إذًا الحديث لم ينفرد به أبو هريرة رضي الله عنه، بل وافقه عليه مجموعة من الصحابة، فلماذا الخطأ في حق أبي هريرة؟! ولماذا الغمز واللمز وإطالة اللسان في حق ذلك الصحابي الجليل؟! ماذا نقول؟! إنه قد حباه الله سبحانه وتعالى بحافظة قوية.

والعلماء قد جمعوا هذه الأحاديث، وأنا لا أريد أن أتوقف مع كل حديث وأتكلم عن فهم العلماء له، وإنما -كما قلت- شروح الأحاديث والكتب التي عنيت بالجمع بين الأحاديث المختلفة، كلها اهتمت بالجمع بين هذه الأحاديث.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا عدوى)) أي: لا عدوى مؤثرة بذاتها، وأراد النبي صلى الله عليه وسلم بذلك أن يعالج ما قد يرد على بعض الأذهان من أن الصحيح إذا دخل على مريض، فالعدوى هي السبب، وفي الحديث الآخر ((فمن أعدى الأول؟!))، حتى إذا قلت: إن هذه العدوى هي التي أثرت! فأصل المرض في الأول: من الذي أعداه؟ ومن الذي أتى بالمرض، فأراد أن ينفي عن القلوب التي تتطير أو تخاف بقوله: ((لا عدوى)) أي: لا عدوى مؤثرة بذاتها، وإنما الفاعل لكل شيء على الحقيقة هو الله عز وجل، وأيضًا لكي يقتلع من النفوس التشاؤم أو القلق أو الاضطراب، أو أن تتهم الأسباب، أو ما شاكل ذلك- ونهى عن أن يختلط المريض بالصحيح، حتى لا يقال بعد ذلك: إن هذا الاختلاط هو السبب في نقل المرض.

ففيه قتلٌ لمعانٍ تتنافى مع الإيمان؛ ينفي أن العدوى مؤثرة بذاتها، وفي نفس الوقت ليس معنى ذلك أن يبقى هناك اختلاط بين الصحيح والمريض، إنما أراد أن يغلق الباب من كل ناحية، وهذا سبق للإسلام، سواء فهمناه على أنه الحجر الصحي، أو على أنه عزل المريض عن غيره، أو على أنه أخذ بأسباب  الحذر.

وعلى كلٍّ، فهو حديث لم ينفرد به أبو هريرة، وله أفهامه الصحيحة التي استقر عليها العلماء.

وحديث: ((إنما الطيرة أو الشؤم في ثلاث: في المرأة، والدابة، والدار))  تقوّلوا بسببه على أبي هريرة، وقد ردت أمنا عائشة على أبي هريرة بخصوص هذا الحديث.

وهذا الحديث رواه أحمد وابن خزيمة والحاكم -رحمهم الله جميعًا- أن رجلين من بني عامر دخلا على أمنا عائشة فقالا: إن أبا هريرة قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((الطيرة في الفرس والمرأة والدار)) فغضبت غضبًا شديدًا، وقالت: ما قاله! وإنما قال: ((إن أهل الجاهلية كانوا يتطيرون من ذلك)).

والسؤال الآن: هل هذه الرواية فيها أن أمنا عائشة قد كذّبت أبا هريرة كما نقلوه، وقالوا: كذبته؟

لماذا لم تقولوا: إنها صوّبت له، إنها أعادت الأمر إلى الحق، مع أن كلام أمنا عائشة ليس على وجهه، فنحن نعلم أن هذا الأمر اشتهر عن أمنا عائشة، وألف في ذلك كتابًا اسمه (الإجابة لما استدركته أمنا عائشة على الصحابة).

فإذا وجد واحد من الصحابة أن صحابيًّا آخر روى الحديث على غير وجه أيسكت؟ لا، لا يسكت إنما يوجه إلى ما يعتقد أنه الصواب، وليس معنى ذلك أنه كذّبه.

فإذا نقل أحد من طلاب العلم عن بعض أهل العلم كلامًا يحتاج إلى تصويب، وصوبه له غيره فليس فيه اتهام بالكذب، بل هو تعاون وتناصح.

ومع ذلك لا يلزم أن من استدرك على آخر أن يكون هو المصيب، بل هو مصيب من وجهة نظره، وإلا لما تكلم، لكن ليس معنى ذلك أن انتقاده في محله.

إذًا هي حركة علمية رشيدة عظيمة، نحمد الله عليها، ونحمد أهلها الذين قاموا بها، إذ كانوا في مجتمع لا يقر الخطأ حتى في المسائل العلمية، ولا يسكت عليها، بل يصوِّب بعضه لبعض، والجميع يبحثون عن الحق، ومتى ظهر لهم انقادوا جميعًا له.

إذًا أمنا عائشة لم تقل لفظة واحدة فيها تكذيب لأبي هريرة، وإنما قالت: ما قال النبي صلى الله عليه وسلم هذا، وإنما قال: إن أهل الجاهلية كانوا يتطيرون من ذلك، فمعنى الحديث في نظر أمنا عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقر التطير في المرأة والدار والدابة، وإنما يحكي أن ذلك كان يحدث من أهل الجاهلية.

بالإضافة إلى ذلك فإن كثيرًا من الصحابة رووا هذا الحديث في الصحيحين وغيرهما، فقد رواه البخاري مثلًا عن ابن عمر، ورواه عن جابر بن عبد الله، ورواه أيضًا مسلم عن ابن عمر وعن سهل بن سعد، ورواه أيضًا عن جابر بن عبد الله؛ فماذا يقولون بعد ذلك؟

وإنكار أمنا عائشة على أبي هريرة لا يتجه بعد موافقة هؤلاء الصحابة له، ولذلك قال الحافظ -رحمه الله- في “فتحه”: ولا معنى لإنكار ذلك على أبي هريرة مع موافقة من ذكرنا من الصحابة.

وأنا أقول: ولو انفرد به أبو هريرة فهو الصادق الثقة الثبت الأمين، شأنه في ذلك شأن كل الصحابة رضي الله عنهم.

وكذلك انتقدوا عليه أيضًا حديث الشعر؛ فقد روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا ودمًا خير من أن يمتلئ شِعرًا)). قالت عائشة رضي الله عنها: لم يحفظ، إنما قال: “من أن يمتلئ شعرًا هُجيت به”، أي: “لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا ودمًا خير من أن يمتلئ شعرًا هُجيت به”.

الحديث باللفظ الذي اعترضت عليه أمنا عائشة: ((لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا ودمًا خير من أن يمتلئ شعرًا)) رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة وعن ابن عمر، ورواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة، وعن سعد بن أبي وقاص وعن أبي سعيد الخدري؛ فهو في الصحيحين من رواية ابن عمر ومن رواية سعد بن أبي وقاص، ومن رواية أبي سعيد، بالإضافة إلى أبي هريرة رضي الله عنه، وبنفس اللفظ والنص الذي ذكره أبو هريرة رضي الله عنه كما قلنا سابقًا، فماذا نقول في شأن الصحابة؟

على أنني أعود وأكرر أنه لو انفرد به أبو هريرة، فأبو هريرة من الثقات الكبار بإذن الله تبارك وتعالى.

مع أن نقاد الحديث والعلماء قد بينوا أن هذه الزيادة- وهي قول أمنا عائشة: “من أن يمتلئ شعرًا هجيت به” قالوا: إنها زيادة مرسلة، والمرسل لا يحتج به.

والإمام النووي -رحمه الله- قال في (شرح مسلم): قال أبو عبيد: قال بعضهم: المراد بهذا الشعر: شعرٌ هُجي به النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو عبيد: والعلماء كافة على أن هذا تفسير فاسد؛ لأنه يقتضي أن المذموم من الهجاء أن يمتلئ منه دون قليله، وقد أجمع المسلمون على أن الكلمة الواحدة من هجاء النبي صلى الله عليه وسلم مُوجبة للكفر، قالوا: بل الصواب أن المراد أن يكون الشعر غالبًا عليه مستوليًا عليه؛ بحيث يشغله عن القرآن، وعن غيره من العلوم الشرعية، وعن ذكر الله تعالى، وهو مذمومٌ من أي شعر كان؛ فأما إذا كان القرآن والحديث وغيرهما من العلوم الشرعية هو الغالب عليه فلا يضير حفظ اليسير من الشعر؛ لأن جوفه ليس ممتلئًا شعرًا، والله أعلم.

إلى أن قال الإمام النووي -رحمه الله- نقلًا عن العلماء أيضًا: هو مباح ما لم يكن فيه فحش ونحوه، وهو كلامٌ حسنه حسن، وقبيحه قبيح، وهذا هو الصواب، فقد سمع النبي صلى الله عليه وسلم الشعر واستنشده، وأمر به حسان في هجاء المشركين، وأنشده أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أمامه صلى الله عليه وسلم بحضرته في الأسفار وغيرها، إلى آخره.

إذًا العلماء فهموه على أن المراد بالشعر هو الشعر المذموم الذي يشغل عن القرآن أو عن الطاعة أو عن الدعوة أو عن العلم أو الذكر، وما شاكل ذلك، أما إذا كان لا يشغله عن شيء من ذلك، بل يستعذب الشعر ويحفظه أحيانًا فلا بأس بذلك، وإنما يذم منه القبيح، ويقول: إن الشعر كسائر الكلام حسنه حسن وقبيحه قبيح، وهذا هو الصواب، كما قال الإمام النووي رحمه الله تعالى.

error: النص محمي !!