Top
Image Alt

الشروح الحديثية، و(مشكل الآثار) للطحاوي نموذج منها

  /  الشروح الحديثية، و(مشكل الآثار) للطحاوي نموذج منها

الشروح الحديثية، و(مشكل الآثار) للطحاوي نموذج منها

الشروح الحديثية لها كتبٌ مشهورة، وهذه تُعْنَى بشرح أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتكلمون عن جملة من الفوائد والمعاني المتعلقة بها كالمعاني اللغوية، والوجوه البلاغية، والأحكام الفقهية، والعقائد وغيرها مما يؤخذ من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما يتعرضون لذكر الفوائد الحديثية، ودراسة الإسناد، وبيان درجة الحديث. وبالجملة: فهم يدرسون كل ما يتعلق بالحديث سندًا ومتنًا.

وقد بدأ التأليف في هذا الفن منذ مرحلةٍ مبكرةٍ، وكان لأصحاب الكتب الستة المشهورة في السنة تعليقات على أحاديثهم، كصنيع الإمام البخاري في صحيحه وخصوصًا في تراجمه، والترمذي الذي أكثر من ذكر الفوائد الإسنادية والمتنية التي تتعلق بالمتن، وخاصة ذكر العلماء الذين يأخذون بهذا الحديث أو ذاك، وكذلك فعل أبو داود في بعض الأحيان، والنسائي في (سننه الكبرى) وفي بعض (السنن الصغرى) أو (المجتبى).

وكانت تلك الجهود هي البواكير الأولى لشرح الحديث واستنباط الأحكام منها، ثم استقل التصنيف في هذا الفن بمؤلفاتٍ خاصةٍ، ومن أولها: (شرح مشكل الآثار) و(معاني الآثار) للإمام الطحاوي، الإمام الطحاوي وُلِدَ في سنة مائتين وثمان وثلاثين، ومات سنة ثلاثمائة وإحدى وعشرين، وهناك اختلاف قليل في تاريخ ولادته ما بين ثمان وثلاثين ومائتين -كما قلنا- ومائتين وتسعٍ وثلاثين.

منهج الطحاوي في (شرح مشكل الآثار):

فقد يبين بعض منهجه ما دعاه لتأليف الكتاب، فقد دعاه إلى تأليف هذا الكتاب أنه نظر في الآثار المروية عنه صلى الله عليه وسلم بالأسانيد المقبولة التي نقلها ذوي التثبيت فيها، والأمانة عليها، وحسن الأداء لها، فَوُجِدَ فيها أشياءَ مما يصعب معرفتها والعلم بها عند أكثر الناس؛ فمال قلبه إلى تأملها وتبيان ما قدر عليه من مشكلها، ومن استخراج الأحكام التي فيها، ومن نفي الإحالات عنها، هكذا قال في مقدمة كتابه.

ويتمثل منهجه فيما يلي:

أولًا: رتبه على أبوابٍ فقط، ولم يقسمه إلى كتب، ولو قسَّمَهُ إلى كتب وأبواب؛ لكان أيسر في التناول، كما فعل في كتابه (شرح معاني الآثار) يعني الأحاديث ليست متجانسة؛ ولذلك يصعب العثور على الحديث حتى لو استخدم الإنسان الفهارس؛ لأنّ الحديث قد يبدأ بدايةً في (شرح مشكل الآثار) ليست هي البداية التي في الحديث أو في الطريق معه؛ ولذلك هو يشبه (التمهيد) لابن عبد البر، وإن كان (التمهيد) ربما يكون أسهل، وقد قام بعض الباحثين بترتيب الكتاب ترتيبًا فقهيًّا ليسهل الرجوع إلى الأحاديث فيه، وما ذكره الطحاوي حولها.

ثانيًا: ذكر تحت كل باب حديثًا أو حديثين من الأحاديث المشكلة التي ظاهرُهَا التعارض.

ثالثًا: لم يضم الأبواب المتفرقة تحت عنوانٍ واحدٍ، بل أودعه الأحاديث التي رآها خفيةَ المعنى سواء كانت متعلقة بالعقائد أو التفسير أو الفقه أو الفضائل وغيرها من غير ترتيب؛ ولذلك نجد مثلًا أحاديث عن الوضوء متفرقة في مواضع متعددة من كتابه، وهذا يجعله صعب التناول، كما سبق أن ذكرنا.

رابعًا: يُورد الحديث أو الأحاديث في الباب بكل طرقها وأسانيدها وألفاظها ومتونها، وذلك جهدٌ عظيمٌ جدًّا حتى تكون كل الأحاديث أمامَهُ، فربما كان بعضها مطلقًا والآخر مقيدًا، وهكذا حتى يزيل التعارض الظاهري بينها.

خامسًا: اشترط في التوفيقِ بين الحديثين المتعارضين أن يكون كلٌّ منهما في درجةٍ واحدةٍ من الصحة، فإذا كان أحدهما ضعيفًا تركه وأخذ بالأقوى؛ لأن الحديث الصحيح أو الحسن لا تؤثر فيه معارضة الضعيف له، وذلك منهج علمي رصين.

سادسًا: بعد ذلك يبسط القول، ويطيل النفس في شرح الأحاديث، وفي بيان معانيها، وفي التوفيق بينها؛ حتى يزول التعارض وينتفي الخلاف، سواء بالقول بالنسخ أو بالجمع أو بأي شيء آخر.

سابعًا: لم ينتصر فيه لمذهب فقهي معين، وهذا شأن الجهابذة من العلماء يكون انتصارهم لما ترجَّحَ لديهم من الأدلة، ومن أمثلة الكتاب ما قاله الطحاوي في باب بيان مُشكل ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المراد بقول الله تعالى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُون} [الزمر: 31].

قال الطحاوي: حدثنا يونس، قال: أخبرني أنس بن عياض الليثي، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما عن الزبير رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُون} [الزمر: 30] إلى قوله: {تَخْتَصِمُون} [الزمر: 31] قال الزبير: يا رسول الله، أيكرر علينا ما كان في الدنيا مع خواص الذنوب؟ قال: ((نعم، حتى يؤدَّىَ إلى كلِّ ذي حقٍّ حقَّهُ)).

ثم قال: حدثنا أبو أمية، قال: حدثنا منصور بن سلمة الخزاعي، قال: حدثنا يعقوب القُمِّي عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر رضي الله عنه قال: نزلت هذه الآية وما نعلم في أيِّ شيءٍ نزلت: {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُون} [الزمر: 31] قال قائل: من نخاصم وليس بيننا وبين أهل الكتاب خصومة فمن نخاصم؟ حتى وقعت الفتنة، فقال ابن عمر رضي الله عنه: “هذا ما وعدنا ربنا نختصم فيه”.

قال أبو جعفر: فتوهم متوهم أن ما في هذين الحديثين قد أوجبا تضادًا، أي: تعارضًا؛ لِمَا روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في السبب الذي كان فيه نزول هذه الآية، تأملنا ذلك فوجدناه خاليًا من ذلك؛ لأنَّ حديث ابن عمر رضي الله عنه إنما فيه ما كان من قولهم عند نزول الآية، وما تبين به عند حدوث الفتنة أنه المراد فيها، وكان ذلك تأويلًا منه لا حكايةً منه إياه سماعًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكان ما في حديث الزبير جوابًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه لما سأله عما ذكر من سؤاله رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يسأله إياه عنه في حديثه، وجواب رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أجابه به ولم يضاده غيره، مما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما ولا مما سواه فيما علمناه.

error: النص محمي !!