Top
Image Alt

الشروط التي يجب توافرها في الناقد الأدبي

  /  الشروط التي يجب توافرها في الناقد الأدبي

الشروط التي يجب توافرها في الناقد الأدبي

ولكي تتحقق هذه الفوائد لا بد أن يكون الناقد مؤهلًا لهذا العمل الذي يقوم به، بمعنى أن هناك شروطًا لا بد أن تتوافر في الناقد الأدبي:

– أهم هذه الشروط وأولها: أن يكون الناقد الأدبي مثقفًا ثقافةً تؤهله لممارسة النقد، والأدب فنون وأنواع؛ عندنا الشعر والمقال والقصة والمسرحية، وكل فن من هذه الفنون لا بد لمن يتعرض للنقد فيه أن يكون عالمًا بأصول هذا الفن، وأن يكون مدركا لطبيعة هذا الفن، وأن يكون ملمًّا بتاريخ هذا الفن؛ ف إذا لم يكن ملمًّا بتاريخ الشعر العربي لا يمكن له أن ينصب نفسه ناقدًا لهذا لشعر، أو لو أن واحدًا من الناس تخصص في دراسة الأدب الإنجليزي وقضى عمره كله في دراسة هذا الأدب لا يجوز له أن يتعرض بالنقد للشعر العربي القديم خاصة؛ لأنه لم يدرس هذا الفن؛ لم يقف على طبيعته وقواعده وأصوله ولم يلم بتاريخه.

وكذلك الأمر: ناقد حياته العلمية كلها في دراسة الأدب العربي مثلًا ولا علم له بالأدب الإنجليزي؛ لا يجوز له أن يقول كلمة واحدة تتعلق بهذا الأدب الذي لم يدرس لغته ولم يتمرس على فنونه الأدبية المختلفة.

– الناقد الأدبي لا بد أن يكون عالمًا بلغة الأدب الذي ينقده: لا بد للناقد العربي في لغة العرب أن يكون عالمًا في قواعد النحو، وأن يكون عالمًا بدلالة الألفاظ، وأن يكون خبيرًا بالصرف، ويعرف القياس، ويعرف الجائز وغير الجائز والشاذ والمقبول، وأن يكون عالمًا بفنون البلاغة: علم البيان، والمعاني، والبديع، وأن يكون ملمًّا بالعروض، ومعرفة الأوزان والقوافي، وعيوب القافية، وما يجوز وما لا يجوز من ضرورات الشعر، وعليه كذلك أن يكون ملمًّا بتاريخ الشعر العربي والأدب العربي بصفة عامة، ومدركًا لحقيقة هذا الأدب وأصوله، والفرق بينه وبين الآداب الأخرى.

– والناقد الأدبي كذلك لا يستغني عن معرفة التاريخ؛ ومعرفة الأحداث السياسية والاجتماعية التي تؤثر في الأدب وتتأثر به، ولا غنى للناقد الأدبي عن معرفة العقائد والأديان ومعرفة الفلسفة؛ لأن ذلك يؤثر في الأدب والأدب يتأثر به كذلك.

– ولا غنى أيضًا للناقد الأدبي من الاطلاع على الأحوال التي يعاصرها ومعرفة أحوال الناس وأحوال المجتمع، والتعرف على مشكلات الحياة الاجتماعية والفوارق الطبقية؛ لأن ذلك كله هو المادة الأدبية التي يصورها أو يستخدمها الأديب في التعبير عن نفسه وعن موقفه من الحياة وعن مشاعره وعواطفه إزاء تلك الحياة.

– ولا يستغني الناقد الأدبي كذلك عن الإلمام بعلم النفس، ومعرفة طبيعة النفس البشرية وخفاياها ومداخلها وما يؤثر فيها؛ كل ذلك يعينه على دراسة العمل الأدبي دراسة جيدة ويمكنه من أن يقول حكمًا يبين فيه أوجه الصواب وأوجه الجمال وأوجه القصور أو الرداءة في العمل الأدبي.

– وكل هذه الألوان من الثقافة لا تغني شيئًا بالنسبة للناقد إذا لم يكن موهوبًا؛ فالناقد لا بد أولًا وقبل هذه الثقافة أن يكون عنده استعداد فطري وطبع موهوب؛ هذا الطبع المركوز فيه وهذا الاستعداد الفطري يبني عليه هذه الثقافة حتى يستطيع أن يكون ناقدًا؛ لكنه إذا حصل قواعد اللغة والنحو وعرف التاريخ وعرف العقائد وعرف الفلسفات يمكن أن يكون عالمًا بشيء من هذه الأمور أو على علم بكثير منها؛ لكنه لا يكون ناقدًا إلا بهذا الطبع المركوز فيه والموهبة التي وضعها الله سبحانه وتعالى في نفسه.

ولذلك هؤلاء الموهوبون من النقاد عملهم النقدي يمت إلى الإبداع بصلة وثيقة؛ بل إن منهم من يكون مبدعًا أيضًا؛ ولذلك وجدنا في تاريخ النقد العرب القديم وتاريخ الأدب العربي القديم الجاحظ مثلًا يرى أن رواة الكتَّاب وحذاق الشعر هم أقدر من غيرهم على تذوق الشعر ونقده؛ هو يرى ذلك؛ لأن هؤلاء موهوبون؛ عندهم الموهبة وعندهم الثقافة، وفي ذلك يقول الجاحظ: ولم أرَ غاية النحويين إلا كل شعر فيه إعراب، ولم أرَ غاية رواة الأشعار إلا كل شعر فيه غريب أو معنى صعب يحتاج إلى استخراج، ولم أرَ غاية رواة الأخبار إلا كل شعر فيه الشاهد والمثل، ورأيت عامتهم -فقد طالت مشاهدتي لهم- لا يقفون إلا على الألفاظ المتخيرة، والمعاني المنتخبة، وعلى الألفاظ العذبة، والمخارج السهلة، والديباجة الكريمة، وعلى الطبع المتمكن، وعلى السبك الجيد، وعلى كل كلام له ماء ورونق، وعلى المعاني التي إذا صارت في الصدور عمرتها وأصلحتها من الفساد القديم وفتحت للسان باب البلاغة ودلت الأقلام على مداخل الألفاظ وأشارت إلى حسن المعاني، ورأيت البصر -بهذا الجوهر من الكلام- في رواة الكتاب أعم وعلى ألسنة حذاق الشعر أظهر.

فإذًا معرفة النحو وحده، أو معرفة غريب الشعر وحده، أو المستغلق من المعاني وحده، أو أي شيء من العلوم والفنون وحده -في رأي الجاحظ- يكون النقد في هذه الأحوال ناقصًا، والنقد الكامل هو الذي يجمع معرفة هذه العلوم ويكون صاحبه صاحب موهبة وتذوق وطبع سليم.

– بالإضافة إلى ذلك الطبع والثقافة يجب أن يكون الناقد ذا قدرة على البيان؛ لكي يكتب ويبين ويشرح ويفسر؛ لكنه إذا علم ولم يستطع أن يبين ولم يكن قادرًا على التعبير والشرح والتفسير؛ فإن معرفته ستظل حديثة نفسه لا يستطيع أن يقدمها للقراء؛ فالقدرة على الإبانة إذن من الأمور المهمة جدًّا والشروط التي يجب أن تتوافر في الناقد الأدبي.

– كذلك يجب أن يتوافر في الناقد الأدبي العدل: فلا يكون متحيزًا لأديب من الأدباء بسبب مصلحة أو قرابة أو هوى، ولا يكون متحاملًا على أديب من الأدباء لموقف شخصي أو عداوة بينه وبينه؛ لا يمكن أن يكون النقد في مثل هذه الأحوال نقدًا نزيهًا ولا يمكن أن يكون نقدًا موضوعيًّا.

– كذلك ينبغي أن يكون الناقد صاحب عاطفة حساسة يستطيع أن يعايش الأديب وأن يتفاعل معه وأن يتعاطف معه وأن يشاركه مشاركة وجدانية.

– ولا بد كذلك أن يكون هذا الناقد صاحب خيال يستطيع من خلال هذا الخيال أن يتصور الصور وأن يدرك العلاقات التي يقيمها الأديب في عمله الأدبي بين الأشياء المتباعدة عن طريق التعبير المجازي.

فكل هذا يعين الناقد على أن يكون نقده جيدًا ومقبولًا ومحايدًا وتتحقق الفوائد الكثيرة التي ذكرناها من نقده بالنسبة لنفسه، وبالنسبة للأديب، وبالنسبة للقراء.

والناقد الأدبي الذي يهمه أن يكون نقده مثمرًا ومفيدًا لا يقصر في إعداد نفسه بكل هذه الشروط الثقافية والنفسية التي سبق ذكرها.

error: النص محمي !!