Top
Image Alt

الشروط المتعلقة بالكتاب المراد تحقيقه

  /  الشروط المتعلقة بالكتاب المراد تحقيقه

الشروط المتعلقة بالكتاب المراد تحقيقه

المجموعة الثانية من الشروط المتعلقة بالكتاب، وبالمُؤلِّف صاحِب هذا الكِتاب.

من هذه الشروط:

الشرط الأول: أن يَكون على مَعرفة بمُؤلِّف الكتاب وثقافته، وظُروف حياته، وتَكوينه العِلمي والثقافي:

بمعنى: أن يَكون قادرًا على الرُّجوع إلى هذه المَعلومات في الكُتب وجَمْعها، أن يكون مُؤرّخًا له في الكتب: كتب السِّير، كتب التَّراجِم، كتب الطبقات، كتب التاريخ العامة. لا بدَّ أن يكون عِندنا حَصيلة من المَعلومات تَكفي للتَّعرف على صاحِب هذا الكِتاب. لكن إذا كان المؤلِّف أو الكاتِب مَجهولًا، كيف أستطيع أن أضع هذا الكتاب في نِطاقه التاريخي، ومجاله، ومَوضعه التاريخي، ولا بدَّ أن أعرف التطور الذي وقع فيه مؤلّف هذا الكتاب حتى أستطيع أن أضع كتابه في مَوضعه من كُتبه، ثم أضع الكتاب في مَوضعه من كُتب التَّخصص، ثم أضع الكتاب في القرن الذي يُوضع فيه؛ حتى نَرى كيف تَتحقق فيه ظُروف هذا القَرن الثقافية. يعني: الذي في القرن السادس، غير الذي في القرن السابع، غير الذي في القرن العاشر الهجري، إلى آخره … لأن الكاتب يتأثّر بعَصره ويُؤثّر فيه إن كان رجلًا كبيرًا يُؤثّر في هذا العَصر.

على سبيل المثال: كتاب مثل كتاب (المُنقذ من الضّلال) لأبي حامد الغزالي، المُلقّب بـ”حجّة الإسلام”، وهو لَقب قد يُوافق عليه ناس وقد لا يُوافق، لكن هذا هو اللقب المَوجود في الكُتب. هذا الكتاب يُلقي ضوءًا على حياة صاحبه ويُؤدّي إلى فَهم تَطوّره الفِكري.

وكتاب مثل: (تهافت الفلاسفة) لأبي حامد الغزالي أيضًا يُقدِّم جانبًا آخر من مَواقِفه تجاه الفَلسفة.

وكتاب مثل: (مِنهاج السُّنّة) لشيخ الإسلام ابن تيمية -وهذا لقبه أيضًا- لا بدَّ أن نَعرف الظروف التي أدّت بابن تيمية إلى كتابة مثل هذا الكتاب؛ لأن هناك ظُروفًا تتعلّق بدوافِع دَفعتْه لأن يَكتب هذا الكتاب ردًّا على أفكار مَوجودة في المُجتمع في ذلك الوقت؛ فمن أجل ذلك، يَكتب هذا الكتاب حتى يردَّ عَليهم.

فهذا يُلقي ضَوءًا على الكتاب، وهو شَبيه -مع الفارق- بما نَعرفه عن أسباب النُّزول فيما يتعلّق بالقرآن الكريم، أو أسباب الوُرود فيما يتعلّق بالحديث الشريف. -وأنا أقول مع الفارق حتى لا يُفهم كلامي خطأ.

أقول: إنّ مَعرفتنا بظُروف تأليف الكتاب تُعين على فَهم الكتاب، وتُعين على بيان الظُّروف التي دَفعت إلى تألِيفه، وتُعين على وَضعه في المكان المُناسب لهذا الكتاب.

الشرط الثاني: أن يكون المُحقِّق على دِراية بالمُؤلَّفات الأخرى التي كَتبها مؤلِّف الكتاب الذي سيُحقّقه:

يعني: بعض الناس يأخذ كتابًا لأحد المُؤلِّفين الكِبار، ولا يكون لديْه أيّ دِراية بمُؤلّفاته الأخرى. هذا كلام عَجيب يَحدث، ونَرى، ونُشاهد، لكن لا بدَّ أن أتخصّص في فلان الفلاني، إذًا، أعرف ما يَتعلّق بكُتبه وأيها كان مُقدَّمًا، وأيها كان مُؤخّرًا، وأيها كان أكثر أهمية، وأيها كان أكثر تأثيرًا في المُجتمع، وأيّها تأثّر به الناس من بعده، إلى آخر هذا الكلام؛ لأن كلّ هذا يعني سيُؤدي إلى بيان القِيمة العِلمية للكتاب، ولأنّ المُؤلف من جِهة أخرى قد يتناول بعض المَوضوعات في أكثر من كتاب.

قد يتناول موضوعًا في كتاب، فإذا جاء في كتاب آخَر يقول: أنا ناقَشت هذا المَوضوع في الكتاب الفلاني، أو فَصَّلت القَول في هذه المَسألة في الكتاب الفُلاني، أو سأفصِّل القول في هذه المَسألة في كتاب آخر سأكتُبه. فإذا كَتبه فإنّ المُحقّق يَستطيع أن يُقارن النُّصوص بعضها ببعض، هل نقل نَقلًا كاملًا؟ هل قدَّم فِكرة أخرى؟ هل أضاف إضافة؟ ولماذا أضِيفت هذه الإضافة؟ هذا الكلام كُلّه لا بدَّ مِنه حتى يأتي التَّحقيق جيدًا.

وربما استطاع أن يُضيف إلى النَّص الذي يُحقّقه شَيئًا من كتاب آخر إذا تَوافَق أن النَّص الذي يُحقّقه قد وَقع به نَقص على سبيل المثال. يعني: نَفرض أنه يُحقّق كتابًا، وجاء في مَنطقة وحصل نَقص، مَوضوع هذا النَّص نَفسه مَوجود في كُتب أخرى للمؤلِّف، يَستطيع أن يَتعرّف منها على روح النَّص، وعلى مَوضوعه، وعلى الأفكار المَوجودة فيه، وأن يأخذ من هذا الكِتاب الذي يَعرفه لكي يُكمِّل هذا الكتاب الذي يَعْرفه بطريقة خاصة سنشير إليها فيما بعد. لكن لا بدَّ من الإلمام بالكُتب الأخرى للمؤلِّف.

الشرط الثالث: العِلم بما إذا كان للكتاب شُروح أو مُختصرات:

لو كان عِندنا شُروح أو مُختصرات، فلا بدَّ أن يبحث عنها، ويَرجِع إلى الكتب التي تُعنى بمِثل هذا الأمر، ووجود هذه الشُّروح والمُختصرات يَدلّ على القِيمة العِلمية للكتاب، يعني: لولا أنه كتاب مُهم، ما كان الناس قد اختصروه، أو ما كانوا قد شَرحوه، لا بدَّ أن يكون لهذا أهمية، ولأنه أيضًا أستطيع أن أستعين بالشَّرح في إكمال نَقص إن كان مَوجودًا في النُّسخة الأصلية للكتاب الذي أحقّقه. فهذا يُبيِّن القِيمة العِلمية للكتاب، ولا بدَّ من الدراية بهذا المَوضوع حتى تبيّن القِيمة له.

ثم إن وجود شُروح مُتعدّدة لكتاب واحد يَفتح مجالًا لإجراء دِراسات عِلميّة مُقارنة بين هذه الشُّروح -هذه فائدة أخرى- ويبيّن خَصائص ومَزايا أو عُيوب كلّ شَرح منها.

وعلى سبيل المِثال: كان لكتاب (منازل السائرين) للهروي الأنصاري، الذي توفي سنة (481 هـ)، وهو يُوصف بأنه شَيخ الإسلام أيضًا، وقد كان من كبار شيوخ السُّنة في هراه وما حَولها، هراة في أفغانستان الآن. هذا الكتاب له شُروح كَثيرة تَزيد على (26) شَرحًا، فإذا ما أراد أحد المُحقّقين تَحقيق هذه الشُّروح، فإنّ عليه أن يَرجع إلى كتاب الهَروي نَفسه، ثم يُستَحسن إجراء دِراسة مُقارنة عن بعض هؤلاء الشُّراح لمَعرفة مناهِجهم في شَرح هذا النَّص، كيف قَرءوا هذا النَّص؟ كيف فَهموه؟ كيف تصرّفوا فيه؟

وعلى سبيل المثال، من هذه الشُّروح المَشهورة لهذا الكتاب: (مَدارج السالكين بين مَنازل إياك نَعبد وإياك نَستعين)، لابن قيم الجوزية، تلميذ شيخ الإسلام بن تيمية.

و(شرح مَنازل السائرين) للقَاشانِي، وهذا من المَشرق، قاشان في إيران.

وآخر لعَفيف الدين التِّلمساني، وهذا مَوجود في المَغرب، في تِلمسان من بلاد المَغرب.

فيستطيع الباحث هنا أن يقوم بعَقد مُقارنات بين الشَّرح المَشرقي، وبين الشَّرح الذي قام به ابن قيم الجوزية وهو دمشقي شامي، وبين الشَّرح المَغربي الذي قام به التلمساني؛ ولكل من هؤلاء وجْهة في شَرحه تَختلف عن وجْهات الآخرين؛ فيكون هذا بابًا للقيام ببُحوث عِلمية دَقيقة وجَميلة، وتُؤدّي إلى مَعارف جَيّدة لا يَتوصّل إليها الناس إلّا عن طَريق إجراء مثل هذه المُقارنات.

 الشرط الرابع: استكشاف المصادر والكتب التي استعان بها صاحب الكتاب الذي يُراد تَحقيقه:

لبيان قِيمة ونِسبة ومِقدار تأثّره بهذه المَصادر وانتفاعِه بها، وليَتبيّن الباحِث المُحقِّق هل أشار إلى هذه الكُتب أو لم يُشِر؟ بعض الناس يأخذ من الكتب السابقة دون أن يُشير، وكأنه يَرى أنه حَق له، والمَفروض أن الآراء تُنسب إلى أصحابها؛ وهذا من الأمانة العِلمية، ولكن القُدامى أحيانًا كانوا يَتساهلون أحيانًا، والبعض منهم وليس الجميع، فيما يأخذونه من كُتب الآخرين، لكن المَفروض أننا نحن حتى إذا لم يَتحدّد صاحب الكتاب الذي نُحقق له الكتاب عن تأثره بكُتب سابقة عليه، فلا بدَّ أن نُشير نحن إلى هذا؛ لأن هذا من الإضافات العِلمية التي سنتحدّث عنها فيما بعد.

وعلى سبيل المثال: يَدلّنا النَّظر في كتاب (إحياء علوم الدين) لأبي حامد الغزالي، على أنه قد تأثر تأثرًا كبيرًا ببعض السابقين عليه، وأشار في بعض الأحيان ولم يُشر في بعضها. مثلًا تأثّر بالحارث بن أسد المُحاسبي صاحب كتاب: (الرعاية لحقوق الله)، وخصوصًا في الجزء الثالث من “الإحياء”، في الطبعة المُكوّنة من أربعة أجزاء، القِسم الخاص بالحَديث عن آفات النفس، الحديث عن الحَسد، عن العُجب، عن الرِّياء، عن الكِبْر. يعني حينما نُقارن بين الكِتابيْن سنَجد أنه تَأثّر بالحارث المُحاسبي تأثرًا كَبيرًا جدًّا.

كما تأثّر تأثّرًا واضحًا في كتابه هذا، بكتاب آخر سابق وهو كتاب: (قوت القلوب) لأبي طالب المكي، وخصوصًا في القسم الرابع من (إحياء علوم الدين)، الخاص بالمُنجيات الذي فيه الحديث عن التَّوبة، وعن الزهد، وعن الصبر، وعن الشكر، وعن الرضا، وعن الخوف، والرجاء، والمحبة، إلى آخر هذه المَقامات … أو التي سماها الغزالي: المُنجيات. تأثر تأثرًا كبيرًا في هذا القسم بكتاب (قوت القلوب في مُعاملة المَحبوب)، ويَقْصِد المَحبوب هنا: الله عز وجل. فالذي يُحقق الكتاب عليه أن يَقوم بهذه المُقارنات، ويُبيِّن إلى أي مَدًى وقع هذا التأثّر من الغزالي بالكتب السابقة عليه، وهذا أمر لا يَستطيع أن يَقوم به إلّا كِبار المُحقِّقين. ولكننا نُشير إليه حتى يكون في ذِهن من يَستمع إلى هذا القَول، أو مَن يُريد أن يَدخل إلى مجال التَّحقيق، أن يَعرف أن هذا واجب عِلمي يَجب أن يُعنى به المُحقِّقون، وأن يُقدّموا فيه ما يَدلّ على عِنايتهم بهذا الشأن.

الشرط الخامس: استشارة الكُتب التي كَتبها مُؤلِّفون معاصِرون لصاحب الكتاب المُحقّق في نَفس مجال التَّخصّص:

يعني: إذا كان في الفقه يَنظر إلى المعاصِرين، يُلقي نَظرة على كُتبهم، لماذا؟ لأن مُؤلِّفي العصر الواحد أو البلد الواحد، قد يتناولون قضايا مُشتركة بسبب خُضوعهم لظَروف واحدة. وربما خَالف بعضهم بعضًا بسبب انتماء إلى مَذهب فِكري، أو اعتقادي، أو سياسي، وربما ردَّ بعضهم على بعض، كما كان يَقع من أصحاب المَذاهب الفِقهية على سبيل المثال، أو من أصحاب مذاهب الفِرق على سبيل المثال. يعني: المُعتزلة يردّون على الأشاعِرة، والأشاعرة يردّون على المُعتزلة، وهؤلاء يَردّون على الخَوارج، ويَردّون على المُرجئة … إلخ.

فإذا كان المُحقّق على دِراية مناسبة بتلك التيارات الفِكرية والمَذهبية، فإنه يَستطيع أن يُعطي الكتاب المُحقّق مَكانته اللائقة به.

وأعود إلى مثال أشرت إليه من قبل ولكن أوضحه توضيحًا أكثر:

عندما كتب الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية كتابه: (منهاج السنة النبوية)، وردَّ فيه على بعض الفِرق الكَلامية السياسية الموجودة في عصره، قام بعض هؤلاء بالرَّد على ابن تيمية في كتاب سماه: (منهاج الكَرامة) وهذا للحلي، رد على كتاب ابن تيمية. إذًا هنا مَسألة فِكرية بين أخذ وردّ، وبين هُجوم ودِفاع، وبين بيان لمذاهب الفِرق والعلماء والآراء … إلخ. فإذا أرِيد تَحقيق أحدهما، فيَنبغي مَعرفة ما جاء في الآخر، لمَا في ذلك من إعانة على الفَهم وتَدقيق للأفكار.

وهكذا نَستطيع أن نقول: إن هذه الشُّروط مُضافة إلى الشُّروط السابقة, يَنبغي أن تكون مَوضع الاعتبار. ولعله تَبين أنّ لدينا شروطًا تتعلّق بالكتاب الذي نُحقِّقه, أو المَخطوط الذي نُريد أن نُحقِّقه، ولدينا كذلك شروط أيضًا تتعلّق بالمُحقِّق الذي يَجب أن يكون على دِراية وأن يكون فيه صِفات الباحث العِلمي، وأن تَتوفّر فيه هذه الشُّروط التي ذَكرناها فيما يتعلّق بعِلم التَّحقيق نَفسه، أو بالكتاب الذي سيقوم بتحقيقه وصاحب هذا الكتاب.

فإذا اجتمعت هذه الشُّروط، وهي ليست بالشُّروط اليَسيرة ولا بالهَيِّنة, فإنّ صاحبه يَستطيع أن يدخل إلى مجال التَّحقيق وهو على ثِقة من أنه سيُقدّم عَملًا علميًّا جيدًا. 

error: النص محمي !!